<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } { تنزل على كل أفاك أثيم } { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } ) .

قوله تعالى : ( { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } { تنزل على كل أفاك أثيم } { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } ) . اعلم أن الله تعالى أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين :

الأول : قوله : ( { تنزل على كل أفاك أثيم } ) وذلك هو الذي قررناه فيما تقدم أن الكفار يدعون إلى طاعة الشيطان ، ومحمدا عليه السلام كان يدعو إلى لعن الشيطان والبراءة عنه .

والثاني : قوله : ( { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } ) والمراد أنهم كانوا يقيسون حال النبي صلى الله عليه وسلم على حال سائر الكهنة فكأنه قيل لهم : إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب فيجب أن يكون حال الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا ، فلما لم يظهر في إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن المغيبات إلا الصدق علمنا أن حاله بخلاف حال الكهنة .

ثم إن المفسرين ذكروا في الآية وجوها :

أحدها : أنهم الشياطين ؛ روي أنهم كانوا قبل أن حجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب ، ثم يوحون به إلى أوليائهم ( { وأكثرهم كاذبون } ) فيما يوحي به إليهم ، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا .

وثانيها : يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة .

وثالثها : الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيلقون وحيهم إليهم .

ورابعها : يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس ، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم ، فإن قلت : ( { يلقون } ) ما محله ؟ قلت : يجوز أن يكون في محل النصب على الحال أي تنزل ملقين السمع ، وفي محل الجر صفة ل " كل أفاك " لأنه في معنى الجمع ، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف كأن قائلا قال : لم تنزل على الأفاكين ؟ فقيل : يفعلون كيت وكيت ، فإن قلت : كيف ؟ قال : ( { وأكثرهم كاذبون } ) بعدما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ قلت : الأفاكون هم الذين يكثرون الكذب ، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب ، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجن وأكثرهم يفتري عليهم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 24-24 , الصفحة 150
counter free hit invisible