<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { والشعراء يتبعهم الغاوون } { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } ) .

قوله تعالى : ( { والشعراء يتبعهم الغاوون } { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } ) .

اعلم أن الكفار لما قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء ؟ ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة ، فذكر ههنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء ، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون ، أي الضالون ، ثم بين تلك الغواية بأمرين :

الأول : ( { أنهم في كل واد يهيمون } ) والمراد منه الطرق المختلفة كقولك : أنا في واد وأنت في واد ، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس ، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا . الثاني : ( { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ) وذلك أيضا من علامات الغواة ، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه ، وينفرون عن البخل ويصرون عليه ، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم ، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش ، وذلك يدل على الغواية والضلالة .

وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنه بدأ بنفسه حيث قال الله تعالى له : ( { فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين } ) ثم بالأقرب فالأقرب حيث قال الله تعالى له : ( { وأنذر عشيرتك الأقربين } ) وكل ذلك على خلاف طريقة الشعراء ، فقد ظهر بهذا الذي بيناه أن حال محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يشبه حال الشعراء ، ثم إن الله تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بيانا لهذا الفرق استثنى عنهم الموصوفين بأمور أربعة :

أحدها : الإيمان وهو قوله : ( { إلا الذين آمنوا } ) .

وثانيها : العمل الصالح وهو قوله : ( { وعملوا الصالحات } ) .

وثالثها : أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق ، وهو قوله : ( { وذكروا الله كثيرا } ) .

ورابعها : أن لا يذكروا هجو أحد إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم ، وهو قوله : ( { وانتصروا من بعد ما ظلموا } ) قال الله تعالى : ( { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ) [ النساء : 148 ] ثم إن الشرط فيه ترك الاعتداء لقوله تعالى : ( { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ) [ البقرة : 194 ] وقيل : المراد بهذا الاستثناء عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشا ، وعن كعب بن مالك : " ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : اهجهم ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل ) " وكان يقول لحسان بن ثابت : " ( قل وروح القدس معك ) " .

فأما قوله تعالى : ( { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } ) فالذي عندي فيه والله أعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب رسوله صلى الله عليه وسلم من الدلائل العقلية ، ومن أخبار الأنبياء المتقدمين ، ثم ذكر الدلائل على نبوته عليه السلام ، ثم ذكر سؤال المشركين في تسميتهم محمدا صلى الله عليه وسلم تارة بالكاهن ، وتارة بالشاعر ، ثم إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن أولا ثم بين الفرق بينه وبين الشاعر ثانيا ، ختم السورة بهذا التهديد العظيم ، يعني : أن الذين ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات ، والتأمل في هذه البينات فإنهم سيعلمون بعد ذلك أي منقلب ينقلبون وقال الجمهور : المراد منه الزجر عن الطريقة التي وصف الله بها هؤلاء الشعراء ، والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها والله أعلم .

والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 24-24 , الصفحة 151
counter free hit invisible