<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين } ( 21 ) { ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } ( 22 ) { ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } ( 23 ) { فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } ( 24 ) )

لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره ، خرج من مصر وحده ، ولم يألف ذلك قلبه ، بل كان في رفاهية ونعمة ورئاسة ، ( { فخرج منها خائفا يترقب } ) أي : يتلفت ( { قال رب نجني من القوم الظالمين } ) أي : من فرعون وملئه . فذكروا أن الله ، سبحانه وتعالى ، بعث له ملكا على فرس ، فأرشده إلى الطريق ، فالله أعلم .

( { ولما توجه تلقاء مدين } ) أي : أخذ طريقا سالكا مهيعا فرح بذلك ، ( { قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } ) أي : إلى الطريق الأقوم . ففعل الله به ذلك ، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة ، فجعل هاديا مهديا .

( { ولما ورد ماء مدين } ) أي : ولما وصل إلى مدين وورد ماءها ، وكان لها بئر ترده رعاء الشاء ( { وجد عليه أمة من الناس } ) أي : جماعة ( { يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان } ) أي : تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا . فلما رآهما موسى ، عليه السلام ، رق لهما ورحمهما ، ( { قال ما خطبكما } ) أي : ما خبركما لا تردان مع هؤلاء ؟ ( { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء } ) أي : لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء ، ( { وأبونا شيخ كبير } ) أي : فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى .

قال الله تعالى : ( { فسقى لهما } ) قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الله ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن موسى ، عليه السلام ، لما ورد ماء مدين ، وجد عليه أمة من الناس يسقون ، قال : فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال ، فإذا هو بامرأتين تذودان ، قال : ما خطبكما ؟ فحدثتاه ، فأتى الحجر فرفعه ، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم . إسناد صحيح .

وقوله : ( { ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } ) قال ابن عباس : سار موسى من مصر إلى مدين ، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر ، وكان حافيا فما وصل مدين حتى سقطت نعل قدمه . وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه ، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع ، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة .

وقوله : ( { إلى الظل } ) قال ابن عباس ، وابن مسعود ، والسدي : جلس تحت شجرة .

وقال ابن جرير : حدثني الحسين بن عمرو العنقزي ، حدثنا أبي ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : حثثت على جمل ليلتين ، حتى صبحت مدين ، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى ، فإذا شجرة خضراء ترف ، فأهوى إليها جملي - وكان جائعا - فأخذها جملي فعالجها ساعة ، ثم لفظها ، فدعوت الله لموسى ، عليه السلام ، ثم انصرفت .

وفي رواية عن ابن مسعود : أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها لموسى ، كما سيأتي والله أعلم .

وقال السدي : كانت من شجر السمر .

وقال عطاء بن السائب : لما قال موسى ( { رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } ) ، أسمع المرأة .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 6-6 , الصفحة 227
counter free hit invisible