<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وأخرج ابن الضريس وابن النجار وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : نزلت سورة القصص بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثل ذلك : قال القرطبي : قال ابن عباس وقتادة : إنها نزلت بين مكة والمدينة .

وقال ابن سلام : بالجحفة وقت هجرة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وهي قوله - عز وجل - { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } [ القصص : 85 ] وقال مقاتل : فيها من المدني { الذين آتيناهم الكتاب } إلى قوله : { لا نبتغي الجاهلين } [ القصص : 52 : 55 ] .

وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه : قال السيوطي : سنده جيد عن معد يكرب قال : ( أتينا عبد الله بن مسعود فسألناه أن يقرأ علينا { طسم } المائتين ، فقال : ما هي معي ، ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خباب بن الأرت ، فأتيت خبابا فقلت : كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقرأ { طسم } أو طس ؟ فقال : كل كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقرأه .

بسم الله الرحمن الرحيم { طسم } { تلك آيات الكتاب المبين } { نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } { ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } { وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون } { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين } { وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون } { وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون } { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون } ) الكلام في فاتحة السورة قد مر في فاتحة الشعراء وغيرها فلا نعيده .

وكذلك مر الكلام على قوله : { تلك آيات الكتاب المبين } فاسم الإشارة مبتدأ خبره ما بعده ، أو خبر مبتدأ محذوف ، " وآيات " بدل من اسم الإشارة ، ويجوز أن يكون تلك في موضع نصب بـ " نتلو " ، والمبين المشتمل على بيان الحق من الباطل .

قال الزجاج : مبين الحق من الباطل ، والحلال من الحرام ، وهو من أبان بمعنى أظهر .

{ نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } أي : نوحي إليك من خبرهما ملتبسا بالحق ، وخص المؤمنين ؛ لأن التلاوة إنما ينتفع بها المؤمن .

وقيل : إن مفعول نتلو محذوف ، والتقدير : نتلو عليك شيئا من نبئهما ، ويجوز أن تكون من مزيدة على رأي الأخفش أي : نتلو عليك نبأ موسى وفرعون ، والأولى أن تكون للبيان على تقدير المفعول كما ذكر ، أو للتبعيض ، ولا ملجئ للحكم بزيادتها ، والحق الصدق .

وجملة { إن فرعون علا في الأرض } وما بعدها مستأنفة مسوقة لبيان ما أجمله من النبأ .

قال المفسرون : معنى علا تكبر وتجبر بسلطانه ، والمراد بالأرض أرض مصر .

وقيل : معنى علا : ادعى الربوبية ، وقيل : علا عن عبادة ربه { وجعل أهلها شيعا } أي : فرقا وأصنافا في خدمته يشايعونه على ما يريد ويطيعونه ، وجملة { يستضعف طائفة منهم } مستأنفة مسوقة لبيان حال الأهل الذين جعلهم فرقا وأصنافا ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل جعل : أي : جعلهم شيعا حال كونهم مستضعفا طائفة منهم ، ويجوز أن تكون صفة لطائفة ، والطائفة هم بنو إسرائيل ، وجملة { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } بدل من الجملة الأولى ، ويجوز أن تكون مستأنفة للبيان ، أو حالا ، أو صفة كالتي قبلها على تقدير عدم كونها بدلا منها ، وإنما كان فرعون يذبح أبناءهم ويترك النساء ، لأن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل .

قال الزجاج : والعجب من حمق فرعون ، فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقا عنده فما ينفع القتل ، وإن كان كاذبا فلا معنى للقتل { إنه كان من المفسدين } في الأرض بالمعاصي والتجبر ، وفيه بيان أن القتل من فعل أهل الإفساد .

{ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } جاء بصيغة المضارع لحكاية الحالة الماضية .

واستحضار صورها أي : نريد أن نتفضل عليهم بعد استضعافهم ، والمراد بهؤلاء بنو إسرائيل ، والواو في ونريد للعطف على جملة { إن فرعون علا } وإن كانت الجملة المعطوف عليها اسمية ، لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما للتفسير والبيان ، ويجوز أن تكون حالا من فاعل يستضعف بتقدير مبتدأ أي : ونحن نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض كما في قول الشاعر : نجوت وأرهنتهم مالكا

والأول أولى { ونجعلهم أئمة } أي : قادة في الخير ودعاة إليه ، وولاة على الناس وملوكا فيهم { ونجعلهم الوارثين } لملك فرعون ومساكن القبط وأملاكهم ، فيكون ملك فرعون فيهم ويسكنون في مساكنه ومساكن قومه ، وينتفعون بأملاكه وأملاكهم .

{ ونمكن لهم في الأرض } أي : نجعلهم مقتدرين عليها وعلى أهلها مسلطين على ذلك يتصرفون به كيف شاءوا .

قرأ الجمهور " نمكن " بدون لام ، وقرأ الأعمش " لنمكن " بلام العلة { ونري فرعون وهامان وجنودهما } قرأ الجمهور " نري " بنون مضمومة وكسر الراء على أن الفاعل هو الله - سبحانه - .

وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ، وحمزة والكسائي وخلف " ويرى " بفتح الياء التحتية والراء ، والفاعل فرعون .

والقراءة الأولى ألصق بالسياق لأن قبلها نريد ونجعل ونمكن بالنون .

وأجاز الفراء " ويري فرعون " بضم الياء التحتية وكسر الراء أي : ويري الله فرعون ، ومعنى منهم من أولئك المستضعفين { ما كانوا يحذرون } الموصول هو المفعول الثاني على القراءة الأولى ، والمفعول الأول على القراءة الثانية ، والمعنى : أن الله يريهم ، أو يرون هم الذي كانوا يحذرون منه ويجتهدون في دفعه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد المولود من بني إسرائيل المستضعفين .

{ وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } أي : ألهمناها وقذفنا في قلبها وليس ذلك هو الوحي الذي يوحى إلى الرسل ، وقيل : كان ذلك رؤيا في منامها ، وقيل : كان ذلك بملك أرسله الله يعلمها بذلك .

وقد أجمع العلماء على أنها لم تكن نبية ، وإنما كان إرسال الملك إليها عند من قال به على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى كما في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما ، وقد سلمت على عمران بن حصين الملائكة كما في الحديث الثابت في الصحيح فلم يكن بذلك نبيا ، وأن في { أن أرضعيه } المفسرة ، لأن في الوحي معنى القول ، ويجوز أن تكون مصدرية أي : بأن أرضعيه ، وقرأ عمر بن عبد العزيز بكسر نون أن ، ووصل همزة أرضعيه فالكسر لالتقاء الساكنين ، وحذف همزة الوصل على غير القياس { فإذا خفت عليه } من فرعون بأن يبلغ خبره إليه { فألقيه في اليم } وهو بحر النيل ، وقد تقدم بيان الكيفية التي ألقته في اليم عليها في سورة طه { ولا تخافي ولا تحزني } أي : لا تخافي عليه الغرق أو الضيعة ، ولا تحزني لفراقه { إنا رادوه إليك } عن قريب على وجه تكون به نجاته { وجاعلوه من المرسلين } الذين نرسلهم إلى العباد ، والفاء في قوله { فالتقطه آل فرعون } هي الفصيحة ، والالتقاط : إصابة الشيء من غير طلب ، والمراد بآل فرعون هم الذين أخذوا التابوت الذي فيه موسى من البحر ، وفي الكلام حذف ، والتقدير فألقته في اليم بعد ما جعلته في التابوت فالتقطه من وجده من آل فرعون ، واللام في { ليكون لهم عدوا وحزنا } لام العاقبة ، ووجه ذلك أنهم أخذوه ليكون لهم ولدا وقرة عين لا ليكون عدوا فكان عاقبة ذلك أنه كان لهم عدوا وحزنا ، ولما كانت هذه العداوة نتيجة لفعلهم وثمرة له شبهت بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله ، ومن هذا قول الشاعر : لدوا للموت وابنوا للخراب

وقول الآخر : وللمنايا تربي كل مرضعة ودورنا لخراب الدهر نبنيها

قرأ الجمهور { وحزنا } بفتح الحاء والزاي ، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ، وحمزة والكسائي وخلف " وحزنا " بضم الحاء وسكون الزاي ، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم ، وهما لغتان كالعدم والعدم ، والرشد والرشد ، والسقم والسقم ، وجملة : { إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } لتعليل ما قبلها ، أو للاعتراض لقصد التأكيد ، ومعنى خاطئين : عاصين آثمين في كل أفعالهم وأقوالهم ، وهو مأخوذ من الخطأ المقابل للصواب ، وقرئ " خاطين " بياء من دون همزة فيحتمل أن يكون معنى هذه القراءة معنى قراءة الجمهور ولكنها خففت بحذف الهمزة ، ويحتمل أن تكون من خطا يخطو أي : تجاوز الصواب .

{ وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك } أي : قالت امرأة فرعون لفرعون ، وارتفاع " قرة " على أنه خبر مبتدأ محذوف ، قاله الكسائي وغيره .

وقيل : على أنه مبتدأ وخبره { لا تقتلوه } قاله الزجاج ، والأول أولى .

وكان قولها لهذا القول عند رؤيتها له لما وصل إليها وأخرجته من التابوت وخاطبت بقولها { لا تقتلوه } فرعون ومن عنده من قومه ، أو فرعون وحده على طريقة التعظيم له .

وقرأ عبد الله بن مسعود " وقالت امرأة فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك " ويجوز نصب قرة بقوله " لا تقتلوه " على الاشتغال .

وقيل : إنها قالت : لا تقتلوه فإن الله أتى به من أرض بعيدة وليس من بني إسرائيل .

ثم عللت ما قالته بالترجي منها لحصول النفع منه لهم ، أو التبني له فقالت : { عسى أن ينفعنا } فنصيب منه خيرا { أو نتخذه ولدا } وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون فوهبه لها ، وجملة { وهم لا يشعرون } في محل نصب على الحال أي : { وهم لا يشعرون } أنهم على خطأ في التقاطه ، ولا يشعرون أن هلاكهم على يده ، فتكون حالا من آل فرعون ، وهي من كلام الله - سبحانه - .

وقيل : هي من كلام المرأة أي : وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه { وهم لا يشعرون } ، قاله الكلبي ، وهو بعيد جدا .

وقد حكى الفراء عن السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوله { لا تقتلوه } من كلام فرعون واعترضه بكلام يرجع إلى اللفظ .

ويكفي في رده ضعف إسناده { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } قال المفسرون : معنى ذلك أنه فارغ من كل شيء إلا من أمر موسى كأنها لم تهتم بشيء سواه .

قال أبو عبيدة : خاليا من ذكر كل شيء في الدنيا إلا من ذكر موسى وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد : فارغا مما أوحي إليها من قوله { ولا تخافي ولا تحزني } وذلك لما سول الشيطان لها من غرقه وهلاكه .

وقال الأخفش : فارغا من الخوف والغم لعلمها أنه لم يغرق بسبب ما تقدم من الوحي إليها ، وروي مثله عن أبي عبيدة أيضا .

وقال الكسائي : ناسيا ذاهلا . وقال العلاء بن زياد نافرا . وقال سعيد بن جبير : والها كادت تقول : واابناه من شدة الجزع .

وقال مقاتل : كادت تصيح شفقة عليه من الغرق .

وقيل : المعنى : أنها لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش .

قال النحاس : وأصح هذه الأقوال الأول ، والذين قالوه أعلم بكتاب الله ، فإذا كان فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي ، وقول من قال فارغا من الغم غلط قبيح لأن بعده { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري ومحمد بن السميفع وأبو العالية وابن محيصن فزعا : بالفاء والزاي والعين المهملة من الفزع أي : خائفا وجلا .

وقرأ ابن عباس قرعا بالقاف المفتوحة والراء المهملة المكسورة والعين المهملة من قرع رأسه : إذا انحسر شعره ، ومعنى وأصبح : وصار ، كما قال الشاعر : مضى الخلفاء في أمر رشيد وأصبحت المدينة للوليد

{ إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } أن هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف أي : إنها كادت لتظهر أمر موسى وأنه ابنها من فرط ما دهمها من الدهش والخوف والحزن ، من بدا يبدو : إذا ظهر ، وأبدى يبدي : إذا أظهر ، وقيل : الضمير في به عائد إلى الوحي الذي أوحي إليها ، والأول أولى .

وقال الفراء : إن كانت لتبدي باسمه لضيق صدرها لولا أن ربطنا على قلبها .

قال الزجاج : ومعنى الربط على القلب : إلهام الصبر وتقويته ، وجواب لولا محذوف أي : لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت ، واللام في { لتكون من المؤمنين } متعلق بربطنا ، والمعنى : ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله وهو قوله { إنا رادوه إليك } قيل : والباء في { لتبدي به } زائدة للتأكيد .

والمعنى : لتبديه كما تقول أخذت الحبل بالحبل .

وقيل : المعنى : لتبدي القول به { وقالت لأخته قصيه } أي : قالت أم موسى لأخت موسى وهي مريم قصيه أي : تتبعي أثره واعرفي خبره وانظري أين وقع وإلى من صار ؟ يقال : قصصت الشيء : إذا اتبعت أثره متعرفا لحاله { فبصرت به عن جنب } أي : أبصرته عن بعد ، وأصله عن مكان جنب ، ومنه الأجنبي . قال الشاعر : فلا تحرميني نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط الديار غريب

وقيل : المراد بقوله { عن جنب } عن جانب ، والمعنى أنها أبصرت إليه متجانفة مخاتلة ، ويؤيد ذلك قراءة النعمان بن سالم " عن جانب " ، ومحل عن جنب النصب على الحال إما من الفاعل أي : بصرت به مستخفية كائنة عن جنب ، وإما من المجرور أي : بعيدا منها .

قرأ الجمهور " بصرت " به بفتح الباء وضم الصاد ، وقرأ قتادة بفتح الصاد وقرأ عيسى بن عمر بكسرها .

قال المبرد : أبصرته وبصرت به بمعنى ، وقرأ الجمهور " عن جنب " بضمتين ، وقرأ قتادة ، والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون ، وروي عن قتادة أيضا أنه قرأ بفتحهما وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بضم الجيم وسكون النون وقال أبو عمرو بن العلاء : إن معنى { عن جنب } عن شوق .

قال : وهي لغة جذام يقولون : جنبت إليك أي : اشتقت إليك { وهم لا يشعرون } أنها تقصه وتتبع خبره وأنها أخته .

{ وحرمنا عليه المراضع } المراضع جمع مرضع أي : منعناه أن يرضع من المرضعات .

وقيل : المراضع جمع مرضع بفتح الضاد ، وهو الرضاع أو موضعه ، وهو الثدي ، ومعنى { من قبل } من قبل أن نرده إلى أمه ، أو من قبل أن تأتيه أمه ، أو من قبل قصها لأثره ، وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه ، فلم يرضع من واحدة منهن فعند ذلك قالت أي : أخته لما رأت امتناعه من الرضاع { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } أي : يضمنون لكم القيام به وإرضاعه { وهم له ناصحون } أي : مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته .

وفي الكلام حذف ، والتقدير : فقالوا لها من هم ؟ فقالت أمي ، فقيل : لها : وهل لأمك لبن ؟ قالت نعم لبن أخي هارون : فدلتهم على أم موسى فدفعوه إليها ، فقبل ثديها ، ورضع منه .

وذلك معنى قوله - سبحانه - : { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها } بولدها { ولا تحزن } على فراقه { ولتعلم أن وعد الله } أي : جميع وعده ، ومن جملة ذلك ما وعدها بقوله { إنا رادوه إليك } حق لا خلف فيه واقع لا محالة { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي : أكثر آل فرعون لا يعلمون بذلك ، بل كانوا في غفلة عن القدر وسر القضاء ، أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك أو لا يعلمون أن الله وعدها بأن يرده إليها .

وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد { وجعل أهلها شيعا } قال : فرق بينهم .

وأخرج ، عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { وجعل أهلها شيعا } قال : يستعبد طائفة منهم ويدع طائفة ، ويقتل طائفة ويستحيي طائفة .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن علي بن أبي طالب في قوله : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة } قال يوسف وولده . وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } قال هم بنو إسرائيل { ونجعلهم أئمة } أي : ولاة الأمر { ونجعلهم الوارثين } أي : الذين يرثون الأرض بعد فرعون وقومه { ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } قال ما كان القوم حذروه .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { وأوحينا إلى أم موسى } أي : ألهمناها الذي صنعت بموسى .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش قال : قال ابن عباس في قوله : { فإذا خفت عليه } قال : أن يسمع جيرانك صوته .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } قال : فرغ من ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلا من ذكر موسى .

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } قال : خاليا من كل شيء غير ذكر موسى .

وفي قوله : { إن كادت لتبدي به } قال : تقول : يا ابناه .

وأخرج الفريابي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عنه في قوله : { وقالت لأخته قصيه } أي : اتبعي أثره { فبصرت به عن جنب } قال : عن جانب .

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة ( أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال لخديجة : أما شعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وامرأة فرعون ؟ قالت : هنيئا لك يا رسول الله ) " .

وأخرجه ابن عساكر عن ابن أبي رواد مرفوعا بأطول من هذا ، وفي آخره أنها قالت : بالرفاء والبنين .

وأخرج الفريابي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله : { وحرمنا عليه المراضع من قبل } قال : لا يؤتى بمرضع فيقبلها .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1093 - 1095
counter free hit invisible