<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة القصص )

مكية كلها إلا قوله ( { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } ) إلى قوله : ( { لا نبتغي الجاهلين } ) وقيل : إلا آية وهي ( { إن الذي فرض عليك القرآن } ) الآية ، وهي سبع أو ثمان وثمانون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { طسم } { تلك آيات الكتاب المبين } { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } { ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } )

بسم الله الرحمن الرحيم

( { طسم } { تلك آيات الكتاب المبين } { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين } { ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } )

اعلم أن قوله تعالى : ( { طسم } ) كسائر الفواتح ، وقد تقدم القول فيها و ( { تلك } ) إشارة إلى آيات السورة و ( { الكتاب المبين } ) هو إما اللوح وإما الكتاب الذي وعد الله إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم ، فبين أن آيات هذه السورة هي آيات ذلك الكتاب ، ووصفه بأنه مبين ؛ لأنه بين فيه الحلال والحرام ، أو لأنه بين بفصاحته أنه من كلام الله دون كلام العباد ، أو لأنه يبين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو لأنه يبين خبر الأولين والآخرين ، أو لأنه يبين كيفية التخلص عن شبهات أهل الضلال .

أما قوله تعالى : ( { نتلوا عليك } ) أي على لسان جبريل عليه السلام ؛ لأنه كان يتلو على محمد حتى يحفظه ، وقوله : ( { من نبإ موسى وفرعون } ) فهو مفعول ( { نتلوا عليك } ) أي نتلو عليك بعض خبرهما بالحق محقين ، كقوله : ( { تنبت بالدهن } ) ( المؤمنون : 20 ) وقوله : ( { لقوم يؤمنون } ) فيه وجهان :

أحدهما : أنه تعالى قد أراد بذلك من لا يؤمن أيضا لكنه خص المؤمنين بالذكر ؛ لأنهم قبلوا وانتفعوا ، فهو كقوله : ( { هدى للمتقين } ) ( البقرة : 2 ) .

والثاني : يحتمل أنه تعالى علم أن الصلاح في تلاوته هو إيمانهم ، وتكون إرادته لمن لا يؤمن كالتبع . قوله تعالى : ( { إن فرعون علا في الأرض } ) قرئ (فرعون) بضم الفاء وكسرها ، والكسر أحسن وهو كالقسطاس والقسطاس ( { علا } ) استكبر وتجبر وتعظم وبغى ، والمراد به قوة الملك والعلو في الأرض يعني أرض مملكته ، ثم فصل الله تعالى بعض ذلك بقوله : ( { وجعل أهلها شيعا } ) أي فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم مخالفته أو يشيع بعضهم بعضا في استخدامه أو أصنافا في استخدامه ، أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ؛ ليكونوا له أطوع ، أو المراد ما فسره بقوله : ( { يستضعف طائفة منهم } ) أي يستخدمهم و ( { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } ) فهذا هو المراد بالشيع .

قوله : ( { يستضعف طائفة منهم } ) تلك الطائفة بنو إسرائيل ، وفي سبب ذبح الأبناء وجوه :

أحدها : أن كاهنا قال له : يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب ملكك على يده ، فولد تلك الليلة اثنا عشر غلاما فقتلهم ، وعند أكثر المفسرين بقي هذا العذاب في بني إسرائيل سنين كثيرة ، قال وهب : قتل القبط في طلب موسى عليه السلام تسعين ألفا من بني إسرائيل . قال بعضهم : في هذا دليل على حمق فرعون ، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن ، وإن كذب فما وجه القتل ؟ وهذا السؤال قد يذكر في تزييف علم الأحكام من علم النجوم ، ونظيره ما يقوله نفاة التكليف : إن كان زيد في علم الله وفي قضائه من السعداء ، فلا حاجة إلى الطاعة ، وإن كان من الأشقياء فلا فائدة في الطاعة ، وأيضا فهذا السؤال لو صح لبطل علم التعبير ومنفعته ، وأيضا فجواب المنجم أن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا ، وعلى هذا التقدير : لا يكون السعي في قتله عبثا .

واعلم أن هذا الوجه ضعيف ؛ لأن إسناد مثل هذا الخبر إلى الكاهن اعتراف بأنه قد يخبر عن الغيب على سبيل التفصيل ، ولو جوزناه لبطلت دلالة الإخبار عن الغيب على صدق الرسل وهو بإجماع المسلمين باطل .

وثانيها : وهو قول السدي أن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس ، واشتملت على مصر ، فأحرقت القبط دون بني إسرائيل ، فسأل عن رؤياه ، فقالوا : يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر ، فأمر بقتل الذكور .

وثالثها : إن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه ، وفرعون كان قد سمع ذلك ، فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل ، وهذا الوجه هو الأولى بالقبول ، قال صاحب "الكشاف" : ( يستضعف ) حال من الضمير في ( { وجعل } ) أو صفة لـ (شيعا) ، أو كلام مستأنف أو ( { يذبح } ) بدل من ( { يستضعف } ) وقوله : ( { إنه كان من المفسدين } ) يدل على أن ذلك القتل ما حصل منه إلا الفساد ، وأنه لا أثر له في دفع قضاء الله تعالى .

أما قوله : ( { ونريد أن نمن } ) فهو جملة معطوفة على قوله : ( { إن فرعون علا في الأرض } ) ؛ لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيرا لنبأ موسى عليه السلام وفرعون واقتصاصا له ، واللفظ في قوله : ( { ونريد } ) للاستقبال ، ولكن أريد به حكاية حال ماضية ، ويجوز أن يكون حالا من ( { يستضعف } ) أي يستضعفهم فرعون ، ونحن نريد أن نمن عليهم ، فإن قيل : كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن عليهم ، وإذا أراد الله شيئا كان ولم يتوقف إلى وقت آخر ؟ قلنا : لما كان منة الله عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم . أما قوله : ( { ونجعلهم أئمة } ) أي متقدمين في الدنيا والدين ، وعن مجاهد : دعاة إلى الخير ، وعن قتادة : ولاة كقوله : ( { وجعلكم ملوكا } ) ( المائدة : 20 ) ، ( { ونجعلهم الوارثين } ) يعني لملك فرعون وأرضه وما في يده .

أما قوله : ( { ونمكن لهم في الأرض } ) فاعلم أنه يقال : مكن له إذا جعل له مكانا يقعد عليه ، أو يرقد فوطأه ومهده ، ونظيره : أرض له ، ومعنى التمكين لهم في الأرض ، وهي أرض مصر والشام أن ينفذ أمرهم ، ويطلق أيديهم ، وقوله : ( { ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } ) قرئ ( ويرى فرعون وهامان وجنودهما ) أي يرون منهم ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود بني إسرائيل .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 24-24 , الصفحة 192 - 194
counter free hit invisible