<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية إلا ثلاث آيات ، وهي قوله : { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام } [ لقمان : 27 : 29 ] إلى تمام الآيات الثلاث . قاله ابن عباس فيما أخرجه النحاس عنه وأخرج ابن الضريس وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عنه أنها مكية ولم يستثن ، وحكى القرطبي عن قتادة أنها مكية إلا آيتين .

وأخرج النسائي وابن ماجه عن البراء قال : ( كنا نصلي خلف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الظهر نسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { الم } { تلك آيات الكتاب الحكيم } { هدى ورحمة للمحسنين } { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون } { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين } { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم } { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم } { خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم } { خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين }

قوله : { الم تلك آيات الكتاب } قد تقدم الكلام على أمثال فاتحة هذه السورة ومحلها من الإعراب مستوفى فلا نعيده ، وبيان مرجع الإشارة أيضا .

و " الحكيم " إما أن يكون بمعنى مفعل ، أو بمعنى فاعل ، أو بمعنى ذي الحكمة أو الحكيم قائله .

و { هدى ورحمة } منصوبان على الحال على قراءة الجمهور .

قال الزجاج : المعنى تلك آيات الكتاب في حال الهداية والرحمة ، وقرأ حمزة " ورحمة " بالرفع على أنهما خبر مبتدأ محذوف : أي : هو هدى ورحمة ، ويجوز أن يكونا خبر تلك ، والمحسن العامل للحسنات ، أو من يعبد الله كأنه يراه كما ثبت عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - في الصحيح لما سأله جبريل عن الإحسان : فقال ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) .

ثم بين عمل المحسنين فقال : { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون } والموصول في محل جر على الوصف للمحسنين ، أو في محل رفع ، أو نصب على المدح أو القطع ، وخص هذه العبادات الثلاث لأنها عمدة العبادات .

{ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } وقد تقدم تفسير هذا في أوائل سورة البقرة ، والمعنى هنا : أن أولئك المتصفين بالإحسان وفعل تلك الطاعات التي هي أمهات العبادات هم على طريقة الهدى .

وهم الفائزون بمطالبهم الظافرون بخيري الدارين . { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } محل { ومن الناس } الرفع على الابتداء كما تقدم بيانه في سورة البقرة ، وخبره { من يشتري لهو الحديث } ومن إما موصولة أو موصوفة ، ولهو الحديث كل ما يلهي عن الخير من الغناء والملاهي والأحاديث المكذوبة ، وكل ما هو منكر ، والإضافة بيانية .

وقيل : المراد شراء القينات المغنيات والمغنين ، فيكون التقدير : ومن يشتري أهل لهو الحديث .

قال الحسن : لهو الحديث المعازف والغناء .

وروي عنه أنه قال : هو الكفر والشرك .

قال القرطبي : إن أولى ما قيل : في هذا الباب هو تفسير لهو الحديث بالغناء ، قال : وهو قول الصحابة والتابعين ، واللام في { ليضل عن سبيل الله } للتعليل .

قرأ الجمهور بضم الياء من " ليضل " أي : ليضل غيره عن طريق الهدى ومنهج الحق ، وإذا أضل غيره فقد ضل في نفسه .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وحميد وورش ، وابن أبي إسحاق بفتح الياء أي : ليضل هو في نفسه .

قال الزجاج : من قرأ بضم الياء ، فمعناه ليضل غيره ، فإذا أضل غيره فقد ضل هو ، ومن قرأ بفتح الياء فمعناه ليصير أمره إلى الضلال ، وهو وإن لم يكن يشتري للضلالة ، فإنه يصير أمره إلى ذلك ، فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد ، ويؤيد هذا سبب نزول الآية وسيأتي . قال القرطبي : قد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه .

وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبد الله العنبري . قال القاضي أبو بكر بن العربي : يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته إذ ليس شيء منها عليه حرام لا من ظاهرها ولا من باطنها ، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها ؟ قلت : قد جمعت رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء وما استدل به المحللون له والمحرمون له ، وحققت هذا المقام بما لا يحتاج من نظر فيها وتدبر معانيها إلى النظر في غيرها ، وسميتها [ إبطال دعوى الإجماع ، على تحريم مطلق السماع ] فمن أحب تحقيق المقام كما ينبغي فليرجع إليها .

ومحل قوله : { بغير علم } النصب على الحال أي : حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه ، أو بحال ما ينفع من التجارة وما يضر ، فلهذا استبدل بالخير ما هو شر محض { ويتخذها هزوا } قرأ الجمهور برفع يتخذها عطفا على يشتري فهو من جملة الصلة ، وقيل : الرفع على الاستئناف ، والضمير المنصوب في يتخذها يعود إلى الآيات المتقدم ذكرها ، والأول أولى .

وقرأ حمزة والكسائي ، والأعمش " ويتخذها " بالنصب عطفا على يضل ، والضمير المنصوب راجع إلى السبيل ، فتكون على هذه القراءة من جملة التعليل للتحريم ، والمعنى : أنه يشتري لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله واتخاذ السبيل هزوا أي : مهزوءا به ، والسبيل يذكر ويؤنث ، والإشارة بقوله : { أولئك لهم عذاب مهين } إلى من .

والجمع باعتبار معناها كما أن الإفراد في الفعلين باعتبار لفظها ، والعذاب المهين : هو الشديد الذي يصير به من وقع عليه مهينا .

{ وإذا تتلى عليه آياتنا } أي : وإذا تتلى آيات القرآن على هذا المستهزئ { ولى مستكبرا } أي : أعرض عنها حال كونه مبالغا في التكبر ، وجملة { كأن لم يسمعها } في محل نصب على الحال : أي كأن ذلك المعرض المستكبر لم يسمعها مع أنه قد سمعها ، ولكن أشبهت حاله حال من لم يسمع ، وجملة { كأن في أذنيه وقرا } حال ثانية ، أو بدل من التي قبلها ، أو حال من ضمير يسمعها ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، والوقر الثقل ، وقد تقدم بيانه ، وفيه مبالغة في إعراض ذلك المعرض { فبشره بعذاب أليم } أي : أخبره بأن له العذاب البليغ في الألم .

ثم لما بين - سبحانه - حال من يعرض عن الآيات بين حال من يقبل عليها ، فقال : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي : آمنوا بالله وبآياته ولم يعرضوا عنها بل قبلوها وعملوا بها { لهم جنات النعيم } أي : نعيم الجنات فعكسه للمبالغة ، جعل لهم جنات النعيم كما جعل للفريق الأول العذاب المهين .

وانتصاب { خالدين فيها } على الحال وقرأ زيد بن علي " خالدون فيها " على أنه خبر ثان لأن { وعد الله حقا } هما مصدران الأول مؤكد لنفسه أي : وعد الله وعدا ، والثاني مؤكد لغيره ، وهو مضمون الجملة الأولى وتقديره حق ذلك حقا .

والمعنى : أن وعده كائن لا محالة ولا خلف فيه { وهو العزيز } الذي لا يغلبه غالب { الحكيم } في كل أفعاله وأقواله .

ثم بين - سبحانه - عزته وحكمته بقوله : { خلق السماوات بغير عمد ترونها } العمد جمع عماد ، وقد تقدم الكلام فيه في سورة الرعد ، وترونها في محل جر صفة لعمد فيمكن أن تكون ثم عمد ، ولكن لا ترى .

ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال أي : ولا عمد البتة .

قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول : الأولى أن يكون مستأنفا أي : ولا عمد ثم { وألقى في الأرض رواسي } أي : جبالا ثوابت { أن تميد بكم } في محل نصب على العلة أي : كراهة أن تميد بكم ، والكوفيون يقدرونه لئلا تميد ، والمعنى : أنها خلقت وجعلها مستقرة ثابتة لا تتحرك بجبال جعلها عليها وأرساها على ظهرها { وبث فيها من كل دابة } أي : من كل نوع من أنواع الدواب ، وقد تقدم بيان معنى البث { وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } أي : أنزلنا من السماء مطرا فأنبتنا فيها بسبب إنزاله من كل زوج أي : من كل صنف ، ووصفه بكونه كريما لحسن لونه وكثرة منافعه .

وقيل : إن المراد بذلك الناس ، فالكريم منهم من يصير إلى الجنة ، واللئيم من يصير إلى النار . قاله الشعبي وغيره ، والأول أولى .

والإشارة بقوله : هذا إلى ما ذكر في خلق السماوات والأرض ، وهو مبتدأ وخبره { خلق الله } أي : مخلوقه { فأروني ماذا خلق الذين من دونه } من آلهتكم التي تعبدونها ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والمعنى : فأروني أي شيء خلقوا مما يحاكي خلق الله أو يقاربه ، وهذا الأمر لهم لقصد التعجيز والتبكيت .

ثم أضرب عن تبكيتهم بما ذكر إلى الحكم عليهم بالضلال الظاهر فقال { بل الظالمون في ضلال } فقرر ظلمهم أولا وضلالهم ثانيا ، ووصف ضلالهم بالوضوح والظهور ، ومن كان هكذا فلا يعقل الحجة ولا يهتدي إلى الحق .

وقد أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } يعني باطل الحديث .

وهو النضر بن الحارث بن علقمة اشترى أحاديث الأعاجم وصنيعهم في دهرهم . وكان يكتب الكتب من الحيرة إلى الشام ويكذب بالقرآن . وأخرج الفريابي ، وابن جرير وابن مردويه في الآية قال : باطل الحديث . وهو الغناء ونحوه { ليضل عن سبيل الله } قال : قراءة القرآن وذكر الله ، نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد ، وابن أبي الدنيا ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في السنن عنه أيضا في الآية قال : هو الغناء وأشباهه .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال : الجواري الضاربات .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن أبي الدنيا ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في الشعب عن أبي الصهباء قال : سألت عبد الله بن مسعود عن قوله : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو والله الغناء . ولفظ ابن جرير : هو الغناء والله الذي لا إله إلا هو ، يرددها ثلاث مرات .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد ، والترمذي وابن ماجه ، وابن أبي الدنيا ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني وابن مردويه ، والبيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ، ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام ) في مثل هذا أنزلت هذه الآية { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } الآية ، وفي إسناده عبيد بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم بن عبد الرحمن وفيهم ضعف .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( إن الله حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها ) ، ثم قرأ { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } .

وأخرج ابن أبي الدنيا ، والبيهقي في السنن عن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل ) وروياه عنه موقوفا .

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك ) .

وفي الباب أحاديث في كل حديث منها مقال .

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود في قوله : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : الرجل يشتري جارية تغني ليلا ونهارا .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول في قوله : { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } : ( إنما ذلك شراء الرجل اللعب والباطل ) .

وأخرج ابن أبي الدنيا ، والبيهقي عن نافع قال : كنت أسير مع عبد الله بن عمر في طريق ، ( فسمع زمارة فوضع إصبعيه في أذنيه ، ثم عدل عن الطريق ، فلم يزل يقول يا نافع أتسمع ؟ قلت لا ، فأخرج أصبعيه من أذنيه وقال : هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - صنع ) .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نغمة لهو ومزامير شيطان ، وصوت عند مصيبة : خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1140 - 1141
counter free hit invisible