<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية كما رواه ابن الضريس وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ، ورواه ابن مردويه عن ابن الزبير .

وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال : هي مكية سوى ثلاث آيات { أفمن كان مؤمنا } إلى تمام الآيات الثلاث [ السجدة : 18 20 ] ، وكذا قال الكلبي ومقاتل ، وقيل : إلا خمس آيات من قوله { تتجافى جنوبهم } إلى قوله { الذي كنتم به تكذبون } [ السجدة : 16 20 ] وقد ثبت عند مسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ( كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بـ الم تنزل السجدة ، و { هل أتى على الإنسان } ) [ الدهر : 1 ] .

وأخرجه البخاري ، ومسلم وغيرهما من حديثه أيضا .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وأحمد وعبد بن حميد والدارمي ، والترمذي ، والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر قال كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ( لا ينام حتى يقرأ { آلم تنزيل } السجدة و { تبارك الذي بيده الملك } [ الملك : 1 ] ) .

وأخرج أبو نصر والطبراني ، والبيهقي في سننه عن ابن عباس يرفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال ( من صلى أربع ركعات خلف العشاء الأخيرة قرأ في الركعتين الأوليين { قل ياأيها الكافرون } [ الكافرون : 1 ] و { قل هو الله أحد } [ الإخلاص : 1 ] وفي الركعتين الأخريين { تبارك الذي بيده الملك } [ الملك : 1 ] و { الم تنزيل } [ السجدة : 1 ] كتبن له كأربع ركعات من ليلة القدر ) .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ( من قرأ { تبارك الذي بيده الملك } [ الملك : 1 ] ، و { الم تنزيل } السجدة بين المغرب والعشاء الآخرة فكأنما قام ليلة القدر ) .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ في ليلة { الم تنزيل } السجدة و " يس " و { اقتربت الساعة } [ القمر : 1 ] و { تبارك الذي بيده الملك } كن له نورا وحرزا من الشيطان ، ورفع في الدرجات إلى يوم القيامة ) .

وأخرج ابن الضريس عن المسيب بن رافع أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( { آلم تنزيل } تجيء لها جناحان يوم القيامة تظل صاحبها وتقول : لا سبيل عليه لا سبيل عليه ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { الم } { تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } { أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون } { الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } { ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم } { الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } { ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون } { وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون } { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون }

قوله : الم قد قدمنا الكلام على فاتحة هذه السورة وعلى محلها من الإعراب في سورة البقرة وفي مواضع كثيرة من فواتح السور .

وارتفاع تنزيل على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر على تقدير أن الم في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أو خبر لقوله الم على تقدير أنه اسم للسورة ، و { لا ريب فيه } في محل نصب على الحال ، ويجوز أن يكون ارتفاع " تنزيل " على أنه مبتدأ وخبره لا ريب فيه ، ومن رب العالمين في محل نصب على الحال ، ويجوز أن تكون هذه كلها أخبارا للمبتدأ المقدر قبل " تنزيل " ، أو لقوله الم على تقدير أنه مبتدأ لا على تقدير أنه حروف مسرودة على نمط التعديد .

قال مكي : وأحسن الوجوه أن تكون { لا ريب فيه } في موضع الحال ، و { من رب العالمين } الخبر ، والمعنى على هذه الوجوه : أن تنزيل الكتاب المتلو لا ريب فيه ولا شك وأنه منزل من رب العالمين ، وأنه ليس بكذب ولا سحر ولا كهانة ولا أساطير الأولين .

و " أم " في { أم يقولون افتراه } هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة أي : بل أيقولون هو مفترى ، فأضرب عن الكلام الأول إلى ما هو معتقد الكفار مع الاستفهام المتضمن للتقريع والتوبيخ ، ومعنى { افتراه } افتعله واختلقه .

ثم أضرب عن معتقدهم إلى بيان ما هو الحق في شأن الكتاب فقال : { بل هو الحق من ربك } فكذبهم - سبحانه - في دعوى الافتراء ، ثم بين العلة التي كان التنزيل لأجلها فقال : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } وهم العرب وكانوا أمة أمية لم يأتهم رسول ، وقيل : قريش خاصة ، والمفعول الثاني لتنذر محذوف أي : لتنذر قوما العقاب ، وجملة ما أتاهم من نذير في محل نصب على الحال ومن قبلك صفة لنذير .

وجوز أبو حيان أن تكون ما موصولة ، والتقدير : لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم من نذير من قبلك ، وهو ضعيف جدا ، فإن المراد تعليل الإنزال بالإنذار لقوم لم يأتهم نذير قبله ، لا تعليله بالإنذار لقوم قد أنذروا بما أنذرهم به ، وقيل : المراد بالقوم أهل الفترة ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وآله وسلم - { لعلهم يهتدون } رجاء أن يهتدوا أو كي يهتدوا .

{ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش } قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الأعراف ، والمراد من ذكرها هنا تعريفهم كمال قدرته وعظيم صنعه ليسمعوا القرآن ويتأملوه ، معنى خلق : أوجد ، وأبدع . قال الحسن : الأيام هنا هي من أيام الدنيا ، وقيل : مقدار اليوم ألف سنة من سني الدنيا ، قاله الضحاك .

فعلى هذا المراد بالأيام هنا هي من أيام الآخرة لا من أيام الدنيا ، وليست ثم للترتيب في قوله : { ثم استوى على العرش } وقد تقدم تفسير هذا مستوفى { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } أي : ليس لكم من دون الله أو من دون عذابه من ولي يواليكم ويرد عنكم عذابه ولا شفيع يشفع لكم عنده { أفلا تتذكرون } تذكر تدبر وتفكر ، وتسمعون هذه المواعظ سماع من يفهم ويعقل حتى تنتفعوا بها .

{ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } لما بين - سبحانه - خلق السماوات والأرض ، وما بينهما بين تدبيره لأمرها أي : يحكم الأمر بقضائه وقدره من السماء إلى الأرض والمعنى : ينزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة كما قال - سبحانه - : { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن } [ الطلاق : 12 ] ومسافة ما بين سماء الدنيا والأرض التي تحتها نزولا وطلوعا ألف سنة من أيام الدنيا .

وقيل : المراد بالأمور المأمور به من الأعمال أي : ينزله مدبرا من السماء إلى الأرض .

وقيل : يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية من الملائكة وغيرها نازلة أحكامها وآثارها إلى الأرض .

وقيل : ينزل الوحي مع جبريل .

وقيل : العرش موضع التدبير كما أن ما دون العرش موضع التفصيل كما في قوله : { ثم استوى على العرش } . . . . . . . . . . . . . . { يدبر الأمر يفصل الآيات } [ الرعد : 2 ] وما دون السماوات موضع التصرف .

قال الله : { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } [ الفرقان : 50 ] ثم لما ذكر - سبحانه - تدبير الأمر قال : { ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } أي : ثم يرجع ذلك الأمر ويعود ذلك التدبير إليه - سبحانه - في يوم مقداره ألف سنة من أيام الدنيا ، وذلك باعتبار مسافة النزول من السماء والطلوع من الأرض كما قدمنا .

وقيل : إن المراد أنه يعرج إليه في يوم القيامة الذي مقداره ألف سنة من أيام الدنيا ، وذلك حين ينقطع أمر الدنيا ويموت من فيها .

وقيل : هي أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع من يرسله إليها من الملائكة ، والمعنى : أنه يثبت ذلك عنده ويكتب في صحف ملائكته ما عمله أهل الأرض في كل وقت من الأوقات إلى أن تبلغ مدة الدنيا آخرها .

وقيل : معنى { يعرج إليه } : يثبت في علمه موجودا بالفعل في برهة من الزمان هي مقدار ألف سنة ، والمراد طول امتداد ما بين تدبير الحوادث وحدوثها من الزمان .

وقيل : يدبر أمر الحوادث اليومية بإثباتها في اللوح المحفوظ فتنزل بها الملائكة ، ثم تعرج إليه في زمان هو كألف سنة من أيام الدنيا .

وقيل : يقضي قضاء ألف سنة فتنزل به الملائكة ، ثم تعرج بعد الألف لألف آخر .

وقيل : المراد أن الأعمال التي هي طاعات يدبرها الله - سبحانه - وينزل بها ملائكته ثم لا يعرج إليها منها إلا الخالص بعد مدة متطاولة لقلة المخلصين من عباده .

وقيل : الضمير في يعرج يعود إليها منها إلا الخالص بعد مدة متطاولة لقلة المخلصين من عباده .

وقيل : الضمير في يعرج يعود إلى الملك وإن لم يجر له ذكر لأنه مفهوم من السياق ، وقد جاء صريحا في قوله : { تعرج الملائكة والروح إليه } [ المعارج : 4 ] والضمير في إليه يرجع إلى السماء على لغة من يذكرها ، أو إلى مكان الملك الذي يرجع إليه وهو الذي أقره الله فيه .

وقيل : المعنى : يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع في يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة ، وقيل : المعنى : أن الملك يعرج إلى الله في يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة ؛ لأن ما بين السماء والأرض مسافة خمسمائة عام ، فمسافة النزول من السماء إلى الأرض والرجوع من الأرض إلى السماء ألف عام ، وقد رجح هذا جماعة من المفسرين منهم ابن جرير .

وقيل : مسافة النزول ألف سنة ومسافة الطلوع ألف سنة ، روي ذلك عن الضحاك .

وهذا اليوم هو عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة ، وليس المراد به مسمى اليوم الذي هو مدة النهار بين ليلتين ، والعرب قد تعبر عن المدة باليوم كما قال الشاعر : يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأديب

فإن الشاعر لم يرد يومين مخصوصين ، وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين ، فعبر عن كل واحد من الشطرين بيوم .

قرأ الجمهور " يعرج " على البناء للفاعل .

وقرأ ابن أبي عبلة على البناء للمفعول ، والأصل يعرج به ، ثم حذف حرف الجار فاستتر الضمير .

وقد استشكل جماعة الجمع بين هذه الآية وبين قوله - سبحانه - : { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } [ المعارج : 4 ] .

فقيل : في الجواب إن يوم القيامة مقداره ألف سنة من أيام الدنيا ، ولكنه باعتبار صعوبته وشدة أهواله على الكفار كخمسين ألف سنة ، والعرب تصف كثيرا يوم المكروه بالطول كما تصف يوم السرور بالقصر كما قال الشاعر : ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطفاف المزاهر

وقول الآخر : ويوم كإبهام القطة قطعته

وقيل : إن يوم القيامة فيه أيام ، فمنها ما مقداره ألف سنة ، ومنها ما مقداره خمسون ألف سنة .

وقيل : هي أوقات مختلفة يعذب الكافر بنوع من أنواع العذاب ألف سنة ، ثم ينقل إلى نوع آخر ، فيعذب به خمسين ألف سنة .

وقيل : مواقف القيامة خمسون موقفا كل موقف ألف سنة ، فيكون معنى { يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة } أنه يعرج إليه في وقت من تلك الأوقات أو موقف من تلك المواقف .

وحكى الثعلبي عن مجاهد ، وقتادة ، والضحاك أنه أراد - سبحانه - في قوله : { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } [ المعارج : 4 ] المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل ، والمراد أنه يسير جبريل ومن معه من الملائكة في ذلك المقام إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا ، وأراد بقوله : { في يوم كان مقداره ألف سنة } المسافة التي بين الأرض وبين سماء الدنيا هبوطا وصعودا فإنها مقدار ألف سنة من أيام الدنيا .

وقيل : إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة ، فقوله : { في يوم كان مقداره ألف سنة } يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة . فكم يكون الشهر منه ؟ وكم تكون السنة منه ؟ وعلى هذا فلا فرق بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة . وقيل : غير ذلك .

وقد وقف حبر الأمة ابن عباس لما سئل عن الآيتين كما سيأتي في آخر البحث إن شاء الله .

قرأ الجمهور " مما تعدون " بالفوقية على الخطاب ، وقرأ الحسن ، والسلمي ، وابن وثاب ، والأعمش بالتحتية على الغيبة .

والإشارة بقوله : ذلك إلى الله - سبحانه - باعتبار اتصافه بتلك الأوصاف ، وهو مبتدأ وخبره { عالم الغيب والشهادة } أي : العالم بما غاب عن الخلق وما حضرهم .

وفي هذا معنى التهديد ؛ لأنه - سبحانه - إذا علم بما يغيب وما يحضر ، فهو مجاز لكل عامل بعمله .

أو فهو يدبر الأمر بما تقتضيه حكمته العزيز القاهر الغالب الرحيم بعباده ، وهذه أخبار لذلك المبتدأ .

وكذلك قوله : { الذي أحسن كل شيء خلقه } هو خبر آخر .

قرأ الجمهور خلقه بفتح اللام .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ، وابن عامر بإسكانها ، فعلى القراءة الأولى هو فعل ماض نعتا لشيء ، فهو في محل جر .

وقد اختار قراءة الجمهور أبو عبيدة وأبو حاتم ، ويجوز أن تكون صفة للمضاف ، فيكون في محل نصب .

وأما على القراءة الثانية ، ففي نصبه أوجه : الأول أن يكون بدلا من كل شيء بدل اشتمال ، والضمير عائد إلى كل شيء ، وهذا هو الوجه المشهور عند النحاة .

الثاني أنه بدل كل من كل ، والضمير راجع إلى الله - سبحانه - ؛ ومعنى أحسن : حسن ، لأنه ما من شيء إلا وهو مخلوق على ما تقتضيه الحكمة ، فكل المخلوقات حسنة .

الثالث أن يكون كل شيء هو المفعول الأول ، وخلقه هو المفعول الثاني على تضمين أحسن معنى أعطى ، والمعنى : أعطى كل شيء خلقه الذي خصه به .

وقيل : على تضمينه معنى ألهم .

قال الفراء : ألهم خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه .

الرابع أنه منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي : خلقه خلقا كقوله : { صنع الله } [ النمل : 88 ] وهذا قول سيبويه والضمير يعود إلى الله - سبحانه - .

والخامس أنه منصوب بنزع الخافض ، والمعنى أحسن كل شيء في خلقه ، ومعنى الآية : أنه أتقن وأحكم خلق مخلوقاته ، فبعض المخلوقات وإن لم تكن حسنة في نفسها ، فهي متقنة محكمة ، فتكون هذه الآية معناها معنى { أعطى كل شيء خلقه } أي : لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة ولا خلق البهيمة على خلق الإنسان ، وقيل : هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى : أي : أحسن خلق كل شيء حسن { وبدأ خلق الإنسان من طين } يعني : آدم خلقه من طين فصار على صورة بديعة وشكل حسن .

{ جعل نسله } أي : ذريته { من سلالة } سميت الذرية سلالة لأنها تسل من الأصل وتنفصل عنه ، وقد تقدم تفسيرها في سورة المؤمنين ، ومعنى { من ماء مهين } من ماء ممتهن لا خطر له عند الناس وهو المني .

وقال الزجاج : من ماء ضعيف .

{ ثم سواه } أي : الإنسان الذي بدأ خلقه من طين ، وهو : آدم ، أو جميع النوع ، والمراد أنه عدل خلقه وسوى شكله وناسب بين أعضائه { ونفخ فيه من روحه } الإضافة للتشريف والتكريم ، وهذه الإضافة تقوي أن الكلام في آدم لا في ذريته وإن أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع .

ثم خاطب جميع النوع فقال : { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } أي : خلق لكم هذه الأشياء تكميلا لنعمته عليكم وتتميما لتسويته لخلقكم حتى تجتمع لكم النعم ، فتسمعون كل مسموع وتبصرون كل مبصر ، وتتعقلون كل متعقل ، وتفهمون كل ما يفهم ، وأفرد السمع لكونه مصدرا يشمل القليل والكثير ، وخص السمع بذكر المصدر دون البصر والفؤاد فذكرهما بالاسم ولهذا جمعا ، لأن السمع قوة واحدة ولها محل واحد وهو الأذن ولا اختيار لها فيه ، فإن الصوت يصل إليها ولا تقدر على رده ، ولا على تخصيص السمع ببعض المسموعات دون بعض ، بخلاف الأبصار فمحلها العين وله فيه اختيار ، فإنها تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره ، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشيء ؛ وكذلك الفؤاد له نوع اختيار في إدراكه ، فيتعقل هذا دون هذا ، ويفهم هذا دون هذا .

قرأ الجمهور " وبدأ " بالهمز ، والزهري بألف خالصة بدون همز ، وانتصاب { قليلا ما تشكرون } على أنه صفة مصدر محذوف أي : شكرا قليلا ، أو صفة زمان محذوف أي : زمانا قليلا .

وفي هذا بيان لكفرهم لنعم الله ، وتركهم لشكرها إلا فيما ندر من الأحوال .

{ وقالوا أئذا ضللنا في الأرض } قد تقدم اختلاف القراء في هذه الهمزة وفي الهمزة التي بعدها ، والضلال الغيبوبة ، يقال : ضل الميت في التراب إذا غاب وبطل ، والعرب تقول للشيء إذا غلب عليه غيره حتى خفي أثره قد ضل . ومنه قول الأخطل : كنت القذى في موج أكدر مزبد قذف الأتي بها فضل ضلالا

قال قطرب : معنى ضللنا في الأرض : غبنا في الأرض .

قرأ الجمهور " ضللنا " بفتح ضاد معجمة ولام مفتوحة بمعنى ذهبنا وضعنا وصرنا ترابا وغبنا عن الأعين ، وقرأ يحيى بن يعمر وابن محيصن وأبو رجاء " ضللنا " بكسر اللام ، وهي لغة العالية من نجد . قال الجوهري : وأهل العالية يقولون ضللت بالكسر .

قال وأضله أي : أضاعه وأهلكه ، يقال : ضل الميت إذا دفن .

وقرأ علي بن أبي طالب ، والحسن ، والأعمش وأبان بن سعيد " صللنا " بصاد مهملة ولام مفتوحة أي : أنتنا .

قال النحاس : ولا يعرف في اللغة صللنا ، ولكن يقال : صل اللحم إذا أنتن .

قال الجوهري : صل اللحم يصل بالكسر صلولا إذا أنتن ، مطبوخا كان أو نيئا ، ومنه قول الحطيئة : ذاك فتى يبذل ذا قدرة لا يفسد اللحم لديه الصلول

{ أئنا لفي خلق جديد } أي : نبعث ونصير أحياء ، والاستفهام للاستنكار .

وهذا قول منكري البعث من الكفار ، فأضرب الله - سبحانه - من بيان كفرهم بإنكار البعث إلى بيان ما هو أبلغ منه ، وهو كفرهم بلقاء الله ، فقال : { بل هم بلقاء ربهم كافرون } أي : جاحدون له مكابرة وعنادا ، فإن اعترافهم بأنه المبتدئ للخلق يستلزم اعترافهم بأنه قادر على الإعادة .

ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يبين لهم الحق ويرد عليهم ما زعموه من الباطل ، فقال : { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } يقال : توفاه الله واستوفى روحه إذا قبضه إليه ، وملك الموت هو عزرائيل ، ومعنى وكل بكم : وكل بقبض أرواحكم عند حضور آجالكم { ثم إلى ربكم ترجعون } أي : تصيرون إليه أحياء بالبعث والنشور لا إلى غيره ، فيجازيكم بأعمالكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : { يدبر الأمر } الآية قال : هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة .

وأخرج الفريابي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عنه في قوله : { في يوم كان مقداره ألف سنة } .

قال : من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض .

وأخرج ، عبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة قال : دخلت على عبد الله بن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان ، فقال له ابن فيروز : يا أبا عباس ، قوله : { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة } فكأن ابن عباس اتهمه فقال : ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ؟ قال : إنما سألتك لتخبرني ، فقال ابن عباس : هما يومان ذكرهما الله في كتابه ، الله أعلم بهما ، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم ، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب ، فسأله عنهما إنسان فلم يخبره ولم يدر .

فقلت : ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس ؟ قال : بلى ، فأخبرته فقال للسائل : هذا ابن عباس قد أبى أن يقول فيها ، وهو أعلم مني .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { كان مقداره ألف سنة } قال : لا ينتصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم حتى يقضي بين العباد ، فينزل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ولو كان إلى غيره لم يفرغ في خمسين ألف سنة .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله : { ثم يعرج إليه في يوم } من أيامكم هذه ، ومسيرة ما بين السماء والأرض خمسمائة عام .

وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ { الذي أحسن كل شيء خلقه } قال : ما رأيت القردة ليست بحسنة ، ولكنه أحكم خلقها .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية أنه قال : أما إن است القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها ، وقال : خلقه : صورته .

وقال : { أحسن كل شيء } القبيح ، والحسن والعقارب والحيات وكل شيء مما خلق ، وغيره لا يحسن شيئا من ذلك .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال " ( بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - إذ لقينا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل ، فأخذ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بناحية ثوبه ، فقال : يا رسول الله إني أحمش الساقين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : يا عمرو بن زرارة إن الله - عز وجل - قد أحسن كل شيء خلقه ، يا عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبلين ) " .

وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال " ( أبصر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - رجلا قد أسبل إزاره ، فقال : ارفع إزارك ، فقال : يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي ، فقال : ارفع إزارك كل خلق الله حسن ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1148 - 1150
counter free hit invisible