<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير }

افتتاحها بـ { الحمد لله } مؤذن بأن صفات من عظمة الله ستذكر فيها ، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة من خلقه السماوات والأرض وأفضل ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأن السورة جاءت لإثبات التوحيد وتصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإيذان " الحمد لله " باستحقاق الله إياه دون غيره تقدم في أول سورة الفاتحة . والفاطر : فاعل الفطر ، وهو الخلق ، وفيه معنى التكون سريعا لأنه مشتق من الفطر وهو الشق ، ومنه { تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } { إذا السماء انفطرت } ، وعن ابن عباس كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض أي : لعدم جريان هذا اللفظ بينهم في زمانه حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي أنا ابتدأتها . وأحسب أن وصف الله بـ { فاطر السماوات والأرض } مما سبق به القرآن ، وقد تقدم عند قوله تعالى { فاطر السماوات والأرض } في سورة الأنعام ، وقوله { وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض } في آخر سورة يوسف ، فضمه إلى ما هنا .

وأما " جاعل " فيطلق بمعنى مكون ، وبمعنى مصير ، وعلى الاعتبارين يختلف موقع قوله " رسلا " بين أن يكون مفعولا ثانيا لـ " جاعل " أي جعل الله من الملائكة ، أي ليكونوا رسلا منه تعالى لما يريد أن يفعلوه بقوتهم الذاتية ، وبين أن يكون حالا من الملائكة ، أي يجعل من أحوالهم أن يرسلوا . ولصلاحية المعنيين أوثرت مادة الجعل دون أن يعطف على معمول " فاطر " .

وتخصيص ذكر الملائكة من بين مخلوقات السماوات والأرض لشرفهم بأنهم سكان السماوات ، وعظيم خلقهم .

وأجرى عليهم صفة أنهم رسل لمناسبة المقصود من إثبات الرسالة ، أي جاعلهم رسلا منه إلى المرسلين من البشر للوحي بما يراد تبليغهم إياه للناس .

وقوله { أولي أجنحة } يجوز أن يكون حالا من الملائكة ، فتكون الأجنحة ذاتية لهم من مقومات خلقهم ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في رسلا فيكون خاصة بحالة مرسوليتهم .

وأجنحة : جمع جناح بفتح الجيم وهو ما يكون للطائر في موضع اليد للإنسان فيحتمل أن إثبات الأجنحة للملائكة في هذه الآية وفي بعض الأحاديث المروية عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حقيقة ، ويحتمل أنه استعارة للقوة التي يخترقون بها الآفاق السماوية صعودا ونزولا لا يعلم كنهها إلا الله تعالى .

و " مثنى " وأخواته كلمات دالة على معنى التكرير لاسم العدد التي تشتق منه ابتداء من الاثنين بصيغة مثنى ثم الثلاثة والأربعة بصيغة ثلاث ورباع . والأكثر أنهم لا يتجاوزون بهذه الصيغة مادة الأربعة ، وقيل يجوز إلى العشرة . والمعنى : اثنين اثنين الخ . وتقدم قوله { أن تقوموا لله مثنى وفرادى } في سورة سبأ .

والكلام على " أولي " تقدم .

والمعنى : أنهم ذوو أجنحة بعضها مصففة جناحين جناحين في الصف ، وبعضها ثلاثة ثلاثة ، وبعضها أربعة أربعة ، وذلك قد تتعدد صفوفه فتبلغ أعدادا كثيرة فلا ينافي هذا ما ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ( رأى جبريل له ستمائة جناح ) .

ويجوز أن تكون أعداد الأجنحة متغيرة لكل ملك في أوقات متغيرة على حسب المسافات التي يؤمرون باختراقها من السماوات والأرضين . والأظهر أن الأجنحة للملائكة من أحوال التشكل الذي يتشكلون به ، وفي رواية الزهري ( أن جبريل قال للنبيء - صلى الله عليه وسلم - لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح وإن العرش لعلى كاهله ) .

واعلم أن ماهية الملائكة تتحصل فيما ذكره سعد الدين في كتاب المقاصد " إنهم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة ، شأنهم الخير والطاعة ، والعلم ، والقدرة على الأعمال الشاقة ، ومسكنهم السماوات ، وقال : هذا ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة اهـ . ومعنى الأجسام اللطيفة أنها من قبيل الجوهر لا العرض وأنها جواهر مما يسمى عند الحكماء بالمجردات .

وعندي : أن تعريف صاحب المقاصد لحقيقة الملائكة لا يخلو عن تخليط في ترتيب التعريف لأنه خلط في التعريف بين الذاتيات والعرضيات .

والوجه عندي في ترتيب التعريف أن يقال : أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة ، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة ، والعلم بما تتوقف عليه أعمالهم ، ومقرهم السماوات ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض .

وهذا التشكل انكماش وتقبض في ذرات نورانيتهم وإعطاء صورة من صور الجسمانيات الكثيفة لذواتهم . دل على تشكلهم قوله تعالى لهم يوم بدر { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } ، وثبت تشكل جبريل - عليه السلام - للنبيء - صلى الله عليه وسلم - في صورة دحية الكلبي ، وتشكله له ولعمر بن الخطاب في ( حديث السؤال عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد أي من أهل المدينة حتى جلس إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه إلى فخذيه ) الحديث ، وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فارقهم الرجل ( هل تدرون من السائل ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) كما في الصحيحين عن عمر بن الخطاب . وثبت حلول جبريل في غار حراء في بدء الوحي ، وظهوره للنبيء - صلى الله عليه وسلم - على كرسي بين السماء والأرض بصورته التي رآه فيها في غار حراء كما ذلك في حديث نزول سورة المدثر ، ورأى كثير من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ناسا لا يعرفونهم على خيل يقاتلون معهم .

وجملة { يزيد في الخلق ما يشاء } مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ما ذكر من صفات الملائكة يثير تعجب السامع أن يتساءل عن هذه الصفة العجيبة ، فأجيب بهذا الاستئناف بأن مشيئة الله تعالى لا تنحصر ولا توقت . ولكل جنس من أجناس المخلوقات مقوماته وخواصه . فالمراد بالخلق : المخلوقات كلها ، أي يزيد الله في بعضها ما ليس في خلق آخر . فيشمل زيادة قوة بعض الملائكة على بعض ، وكل زيادة في شيء بين المخلوقات من المحاسن والفضائل من حصافة عقل وجمال صورة وشجاعة وذلقة لسان ولياقة كلام . ويجوز أن تكون جملة " { يزيد في الخلق ما يشاء } " صفة ثانية للملائكة ، أي أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في خلقهم ما يشاء كأنه قيل : مثنى وثلاث ورباع وأكثر ، فما في بعض الأحاديث من كثرة أجنحة جبريل يبين معنى { يزيد في الخلق ما يشاء } ، وعليه فالمراد بالخلق ما خلق عليه الملائكة من أن لبعضهم أجنحة زائدة على ما لبعض آخر .

وجملة { إن الله على كل شيء قدير } تعليل لجملة { يزيد في الخلق ما يشاء } ، وفي هذا تعريض بتسفيه عقول الذين أنكروا الرسالة وقالوا { إن أنتم إلا بشر مثلنا } فأجيبوا بقول الرسل { إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 23-23 , الصفحة 249 - 252
counter free hit invisible