<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

تفسير سورة الصافات

وهي مكية . قال القرطبي : في قول الجميع . وأخرج ابن الضريس ، وابن النحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : نزلت بمكة .

وأخرج النسائي ، والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات ) . قال ابن كثير : تفرد به النسائي .

وأخرج ابن أبي داود في فضائل القرآن ، وابن النجار في تاريخه من طريق نهشل بن سعيد الورداني عن الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ يس والصافات يوم الجمعة ثم سأل الله أعطاه سؤله ) .

وأخرج أبو نعيم في الدلائل ، والسلفي في الطيوريات عن ابن عباس : ( " أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما سأله ملوك حضرموت عند قدومهم عليه أن يقرأ عليهم شيئا مما أنزل الله قرأ { والصافات صفا } حتى بلغ { ورب المشارق } ) [ أي : سورة الصافات ] الحديث .

بسم الله الرحمن الرحيم { والصافات صفا } ( 1 ) { فالزاجرات زجرا } ( 2 ) { فالتاليات ذكرا } ( 3 ) { إن إلهكم لواحد } ( 4 ) { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } ( 5 ) { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } ( 6 ) { وحفظا من كل شيطان مارد } ( 7 ) { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب } ( 8 ) { دحورا ولهم عذاب واصب } ( 9 ) { إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب } ( 10 ) { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب } ( 11 ) { بل عجبت ويسخرون } ( 12 ) { وإذا ذكروا لا يذكرون } ( 13 ) { وإذا رأوا آية يستسخرون } ( 14 ) { وقالوا إن هذا إلا سحر مبين } ( 15 ) { أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون } ( 16 ) { أوآباؤنا الأولون } ( 17 ) { قل نعم وأنتم داخرون } ( 18 ) { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون } ( 19 )

قوله : { والصافات صفا } قرأ أبو عمرو ، وحمزة ، وقيل : حمزة فقط بإدغام التاء من الصافات في صاد صفا ، وإدغام التاء من الزاجرات في زاي زجرا ، وإدغام التاء من التاليات في ذال ذكرا ، وهذه القراءة قد أنكرها أحمد بن حنبل لما سمعها .

قال النحاس : وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات : الجهة الأولى أن التاء ليست من مخرج الصاد ولا من مخرج الزاي ولا من مخرج الدال ولا من أخواتهن .

الجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى .

الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين ، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة .

وقال الواحدي : إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين ، ألا ترى أنهما من طرف اللسان .

وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك ، والواو للقسم ، والمقسم به الملائكة : الصافات ، والزاجرات ، والتاليات والمراد بالصافات : التي تصف في السماء من الملائكة كصفوف الخلق في الدنيا ، قاله ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ، وقتادة .

وقيل : إنها تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد .

وقال الحسن : صفا كصفوفهم عند ربهم في صلاتهم .

وقيل : المراد بالصافات هنا الطير كما في قوله : { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات } [ الملك : 19 ] .

والأول أولى ، والصف : ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة .

وقيل : الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد ، ذكره القشيري .

والمراد بـ الزاجرات الفاعلات للزجر من الملائكة ، إما لأنها تزجر السحاب كما قال السدي ، وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح . وقال قتادة : المراد بالزاجرات الزواجر من القرآن ، وهي كل ما ينهى ويزجر عن القبيح . والأول أولى .

وانتصاب { صفا } و { زجرا } على المصدرية لتأكيد ما قبلهما .

وقيل : المراد بالزاجرات العلماء ، لأنهم الذين يزجرون أهل المعاصي ، والزجر في الأصل : الدفع بقوة ، وهو هنا قوة التصويت ، ومنه قول الشاعر : زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم

ومنه زجرت الإبل والغنم : إذا أفزعتها بصوتك .

والمراد بـ { فالتاليات ذكرا } الملائكة التي تتلو القرآن كما قال ابن مسعود ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وابن جبير والسدي .

وقيل : المراد جبريل وحده ، فذكر بلفظ الجمع تعظيما له مع أنه لا يخلو من أتباع له من الملائكة . وقال قتادة : المراد كل من تلا ذكر الله وكتبه .

وقيل : المراد آيات القرآن ، ووصفها بالتلاوة وإن كانت متلوة كما في قوله : { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } [ النمل : 76 ] وقيل : لأن بعضهم يتلو بعضا ويتبعه .

وذكر الماوردي أن التاليات هم الأنبياء يتلون الذكر على أممهم ، وانتصاب " ذكرا " على أنه مفعول به ويجوز أن يكون مصدرا كما قبله من قوله " صفا ، وزجرا " .

قيل : وهذه الفاء في قوله " فالزاجرات ، فالتاليات " إما لترتيب الصفات أنفسها في الوجود أو لترتيب موصوفاتها في الفضل ، وفي الكل نظر .

وقوله : { إن إلهكم لواحد } جواب القسم أي : أقسم الله بهذه الأقسام إنه واحد ليس له شريك . وأجاز الكسائي فتح إن الواقعة في جواب القسم .

{ رب السماوات والأرض } يجوز أن يكون خبرا ثانيا ، وأن يكون بدلا من " لواحد " وأن يكون خبر مبتدأ محذوف .

قال ابن الأنباري : الوقف على " لواحد " وقف حسن ، ثم يبتدئ " رب السماوات والأرض " على معنى هو رب السماوات والأرض .

قال النحاس : ويجوز أن يكون بدلا من " لواحد " .

والمعنى في الآية : أن وجود هذه المخلوقات على هذا الشكل البديع من أوضح الدلائل على وجود الصانع وقدرته ، وأنه رب ذلك كله أي : خالقه ومالكه .

والمراد بـ " ما بينهما " : ما بين السماوات والأرض من المخلوقات .

والمراد بـ { المشارق } مشارق الشمس . قيل : إن الله - سبحانه - خلق للشمس كل يوم مشرقا ومغربا بعدد أيام السنة ، تطلع كل يوم من واحد منها وتغرب من واحد ، كذا قال ابن الأنباري وابن عبد البر .

وأما في قوله في سورة الرحمن { رب المشرقين ورب المغربين } [ الرحمن : 17 ] فالمراد بالمشرقين : أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال ، وأقصر يوم في الأيام القصار ، وكذلك في المغربين .

وأما ذكر المشرق والمغرب بالإفراد فالمراد به الجهة التي تشرق منها الشمس ، والجهة التي تغرب منها ، ولعله قد تقدم لنا في هذا كلام أوسع من هذا .

{ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } المراد بالسماء الدنيا التي تلي الأرض ، من الدنو وهو القرب ، فهي أقرب السماوات إلى الأرض .

قرأ الجمهور " بزينة الكواكب " بإضافة " زينة " إلى الكواكب . والمعنى : زيناها بتزيين الكواكب أي : بحسنها .

وقرأ مسروق ، والأعمش ، والنخعي ، وحمزة بتنوين " زينة " وخفض " الكواكب " على أنها بدل من الزينة على أن المراد بالزينة الاسم لا المصدر ، والتقدير بعد طرح المبدل منه : إنا زينا السماء بالكواكب ، فإن الكواكب في أنفسها زينة عظيمة ، فإنها في أعين الناظرين لها كالجواهر المتلألئة .

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه بتنوين " زينة " ونصب " الكواكب " على أن الزينة مصدر وفاعله محذوف ، والتقدير : بأن الله زين الكواكب بكونها مضيئة حسنة في أنفسها ، أو تكون الكواكب منصوبة بإضمار أعني ، أو بدلا من السماء بدل اشتمال ، وانتصاب " حفظا " على المصدرية بإضمار فعل أي : حفظناها حفظا ، أو على أنها مفعول لأجله أي : زيناها بالكواكب للحفظ ، أو بالعطف على محل زينة كأنه قال : إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء .

{ وحفظا من كل شيطان مارد } أي : متمرد خارج عن الطاعة يرمى بالكواكب ، كقوله : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } [ الملك : 5 ] .

وجملة { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } مستأنفة لبيان حالهم بعد حفظ السماء منهم .

وقال أبو حاتم أي : لئلا يسمعوا ، ثم حذف إن فرفع الفعل ، وكذا قال الكلبي ، والملأ الأعلى : أهل السماء الدنيا فما فوقها ، وسمي الكل منهم أعلى بإضافته إلى ملأ الأرض ، والضمير في " يسمعون " إلى الشياطين .

وقيل : إن جملة " لا يسمعون " صفة لكل شيطان ، وقيل : جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل : فما كان حالهم بعد حفظ السماء عنهم ؟ فقال : { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } قرأ الجمهور " يسمعون " بسكون السين وتخفيف الميم . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص عنه بتشديد الميم والسين ، والأصل " يتسمعون " فأدغم التاء في السين ، فالقراءة الأولى تدل على انتفاء سماعهم دون استماعهم ، والقراءة الثانية تدل على انتفائهما وفي معنى القراءة الأولى قوله - تعالى - : { إنهم عن السمع لمعزولون } [ الشعراء : 212 ] قال مجاهد : كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون .

واختار أبو عبيدة القراءة الثانية ، قال : لأن العرب لا تكاد تقول : سمعت إليه ، وتقول تسمعت إليه .

{ ويقذفون من كل جانب دحورا } أي : يرمون من كل جانب من جوانب السماء بالشهب إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع ، وانتصاب " دحورا " على أنه مفعول لأجله والدحور الطرد ، تقول دحرته دحرا ودحورا : طردته .

قرأ الجمهور { دحورا } بضم الدال ، وقرأ علي ، والسلمي ، ويعقوب الحضرمي ، وابن أبي عبلة بفتحها .

وروي عن أبي عمرو أنه قرأ " يقذفون " مبنيا للفاعل ، وهي قراءة غير مطابقة لما هو المراد من النظم القرآني ، وقيل : إن انتصاب " دحورا " على الحال : أي : مدحورين ، وقيل : هو جمع داحر نحو قاعد وقعود فيكون حالا أيضا . وقيل : إنه مصدر لمقدر أي : يدحرون دحورا .

وقال الفراء : إن المعنى يقذفون بما يدحرهم أي : بدحور ، ثم حذفت الباء فانتصب بنزع الخافض .

واختلف هل كان هذا الرمي لهم بالشهب قبل المبعث أو بعده ، فقال بالأول طائفة ، وبالآخر آخرون وقالت طائفة بالجمع بين القولين : إن الشياطين لم تكن ترمى قبل المبعث رميا يقطعها عن السمع ، ولكن كانت ترمى وقتا ولا ترمى وقتا آخر وترمى من جانب ولا ترمى من جانب آخر ، ثم بعد المبعث رميت في كل وقت ومن كل جانب حتى صارت لا تقدر على استراق شيء من السمع إلا من اختطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ، ومعنى { ولهم عذاب واصب } ولهم عذاب دائم لا ينقطع ، والمراد به العذاب في الآخرة غير العذاب الذي لهم في الدنيا من الرمي بالشهب .

وقال مقاتل : يعني دائما إلى النفخة الأولى ، والأول أولى .

وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الواصب الدائم .

وقال السدي وأبو صالح والكلبي : هو الموجع الذي يصل وجعه إلى القلب ، مأخوذ من الوصب وهو المرض ، وقيل : هو الشديد .

والاستثناء في قوله : { إلا من خطف الخطفة } هو من قوله { لا يسمعون } أو من قوله { ويقذفون } .

وقيل : الاستثناء راجع إلى غير الوحي لقوله : { إنهم عن السمع لمعزولون } [ الشعراء : 212 ] بل يخطف الواحد منهم خطفة مما يتفاوض فيه الملائكة ويدور بينهم مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض .

والخطف الاختلاس مسارقة وأخذ الشيء بسرعة .

قرأ الجمهور { خطف } بفتح الخاء وكسر الطاء مخففة ، وقرأ قتادة ، والحسن بكسرهما وتشديد الطاء ، وهي لغة تميم بن مر وبكر بن وائل . وقرأ عيسى بن عمر بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة . وقرأ ابن عباس بكسرهما مع تخفيف الطاء .

وقيل : إن الاستثناء منقطع { فأتبعه شهاب ثاقب } أي : لحقه وتبعه شهاب ثاقب : نجم مضيء فيحرقه ، وربما لا يحرقه فيلقي إلى إخوانه ما خطفه ، وليست الشهب التي يرجم بها هي من الكواكب الثوابت بل من غير الثوابت ، وأصل الثقوب الإضاءة .

قال الكسائي : ثقبت النار تثقب ثقابة وثقوبا : إذا اتقدت ، وهذه الآية هي كقوله : { إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } [ الحجر : 18 ] .

{ فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا } أي : اسأل الكفار المنكرين للبعث أهم أشد خلقا وأقوى أجساما وأعظم أعضاء ، أم من خلقنا من السماوات والأرض والملائكة ؟ قال الزجاج : المعنى : فاسألهم سؤال تقرير أهم أشد خلقا أي : أحكم صنعة أم من خلقنا قبلهم من الأمم السالفة ؟ يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بالتكذيب فما الذي يؤمنهم من العذاب ؟ ثم ذكر خلق الإنسان فقال : { إنا خلقناهم من طين لازب } أي : إنا خلقناهم في ضمن خلق أبيهم آدم من طين لازب أي : لاصق ، يقال : لزب يلزب لزوبا : إذا لصق . وقال قتادة وابن زيد : اللازب اللازق . وقال عكرمة : اللازب اللزج . وقال سعيد بن جبير : اللازب الجيد الذي يلصق باليد . وقال مجاهد : هو اللازم ، والعرب تقول : طين لازب ولازم تبدل الباء من الميم ، واللازم الثابت كما يقال : صار الشيء ضربة لازب ، ومنه قول النابغة : لا تحسبون الخير لا شر بعده ولا تحسبون الشر ضربة لازب

وحكى الفراء عن العرب : طين لاتب بمعنى لازم ، واللاتب الثابت . قال الأصمعي واللاتب اللاصق مثل اللازب .

والمعنى في الآية : أن هؤلاء كيف يستبعدون المعاد وهم مخلوقون من هذا الخلق الضعيف ولم ينكره من هو مخلوق خلقا أقوى منهم وأعظم وأكمل وأتم . وقيل : اللازب هو المنتن قاله مجاهد ، والضحاك .

قرأ الجمهور { أم من خلقنا } بتشديد الميم وهي أم المتصلة ، وقرأ الأعمش بالتخفيف ، وهو استفهام ثان على قراءته .

قيل : وقد قرئ " لازم ولاتب " ، ولا أدري من قرأ بذلك .

ثم أضرب - سبحانه - عن الكلام السابق فقال : { بل عجبت } يا محمد من قدرة الله - سبحانه - { ويسخرون } منك بسبب تعجبك ، أو ويسخرون منك بما تقوله من إثبات المعاد .

قرأ الجمهور بفتح التاء من { عجبت } على الخطاب للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - . وقرأ حمزة والكسائي بضمها ، ورويت هذه القراءة عن علي وابن مسعود وابن عباس ، واختارها أبو عبيد والفراء .

قال الفراء : قرأها الناس بنصب التاء ورفعها ، والرفع أحب إلي لأنها عن علي وعبد الله وابن عباس .

قال : والعجب أن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد .

قال الهروي : وقال بعض الأئمة : معنى قوله : { بل عجبت } بل جازيتهم على عجبهم ، لأن الله أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الخلق كما قال : { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } [ ص : 4 ] وقالوا : { إن هذا لشيء عجاب } [ ص : 5 ] { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } [ يونس : 2 ] وقال علي بن سليمان : معنى القراءتين واحد ، والتقدير : قل يا محمد بل عجبت ; لأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مخاطب بالقرآن .

قال النحاس : وهذا قول حسن وإضمار القول كثير .

وقيل : إن معنى الإخبار من الله - سبحانه - عن نفسه بالعجب أنه ظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين .

قال الهروي : ويقال : معنى عجب ربكم أي : رضي ربكم وأثاب ، فسماه عجبا ، وليس بعجب في الحقيقة ، فيكون معنى " عجبت " هنا عظم فعلهم عندي . وحكى النقاش أن معنى " بل عجبت " : بل أنكرت . قال الحسن بن الفضل : التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه ، وهو لغة العرب ، وقيل : معناه : أنه بلغ في كمال قدرته وكثرة مخلوقاته إلى حيث عجب منها ، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها ، والواو في " ويسخرون " للحال أي : بل عجبت والحال أنهم يسخرون ، ويجوز أن تكون للاستئناف .

{ وإذا ذكروا لا يذكرون } أي : وإذا وعظوا بموعظة من مواعظ الله أو مواعظ رسوله لا يذكرون أي : لا يتعظون بها ولا ينتفعون بما فيها .

قال سعيد بن المسيب أي : إذا ذكر لهم ما حل بالمكذبين ممن كان قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا .

{ وإذا رأوا آية } أي : معجزة من معجزات رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - { يستسخرون } أي : يبالغون في السخرية .

قال قتادة : يسخرون ويقولون إنها سخرية ، يقال : سخر واستسخر بمعنى ، مثل قر واستقر ، وعجب واستعجب . والأول أولى ، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى .

وقيل : معنى " يستسخرون " : يستدعون السخرى من غيرهم . وقال مجاهد : يستهزئون .

{ وقالوا إن هذا إلا سحر مبين } أي : ما هذا الذي تأتينا به إلا سحر واضح ظاهر .

{ أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما } الاستفهام للإنكار أي : أنبعث إذا متنا ؟ فالعامل في إذا هو ما دل عليه { أئنا لمبعوثون } وهو أنبعث ، لأنفس مبعوثون لتوسط ما يمنع من عمله فيه ، وهذا الإنكار للبعث منهم هو السبب الذي لأجله كذبوا الرسل وما نزل عليهم واستهزءوا بما جاءوا به من المعجزات ، وقد تقدم تفسير معنى هذه الآية في مواضع .

{ أوآباؤنا الأولون } هو مبتدأ وخبره محذوف أي : أوآباؤنا الأولون مبعوثون ، وقيل : معطوف على محل إن واسمها ، وقيل : على الضمير في مبعوثون لوقوع الفصل بينهما والهمزة للإنكار داخلة على حرف العطف ، ولهذا قرأ الجمهور بفتح الواو ، وقرأ ابن عامر ، وقالون بسكونها على أن أو هي العاطفة ، وليست الهمزة للاستفهام .

ثم أمر الله - سبحانه - رسوله بأن يجيب عنهم تبكيتا لهم ، فقال : { قل نعم وأنتم داخرون } أي : نعم تبعثون وأنتم صاغرون ذليلون .

قال الواحدي : والدخور أشد الصغار ، وجملة " وأنتم داخرون " في محل نصب على الحال .

ثم ذكر - سبحانه - أن بعثهم يقع بزجرة واحدة فقال : { فإنما هي زجرة واحدة } الضمير للقصة أو البعثة المفهومة مما قبلها أي : إنما قصة البعث أو البعثة زجرة واحدة أي : صيحة واحدة من إسرافيل بنفخه في الصور عند البعث { فإذا هم ينظرون } أي : يبصرون ما يفعل الله بهم من العذاب .

وقال الحسن : هي النفخة الثانية ، وسميت الصيحة زجرة ، لأن المقصود منها الزجر ، وقيل : معنى ينظرون : ينتظرون ما يفعل بهم ، والأول أولى .

وقد أخرج عبد الرزاق ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود { والصافات صفا } قال : الملائكة { فالزاجرات زجرا } قال : الملائكة { فالتاليات ذكرا } قال : الملائكة .

وأخرج ، عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة مثله . وأخرج ابن المنذر ، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس مثله .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عنه أنه كان يقرأ " لا يسمعون إلى الملأ الأعلى " مخففة ، وقال : إنهم كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا في قوله : { عذاب واصب } قال : دائم .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ في العظمة عنه أيضا { فأتبعه شهاب ثاقب } .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عنه أيضا { فأتبعه شهاب ثاقب } قال : لا يقتلون بالشهاب ولا يموتون . ولكنها تحرق وتخبل وتجرح في غير قتل .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : { من طين لازب } قال : ملتصق .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، عنه أيضا { من طين لازب } قال : اللزج الجيد .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال : اللازب والحمأ والطين واحد : كان أوله ترابا ثم صار حمأ منتنا ، ثم صار طينا لازبا ، فخلق الله منه آدم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : اللازب الذي يلصق بعضه إلى بعض .

وأخرج الفريابي ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه كان يقرأ " بل عجبت ويسخرون " بالرفع للتاء من عجبت .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1235 - 1237
counter free hit invisible