<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة الصافات )

وآياتها ثنتان وثمانون ومائة

بسم الله الرحمن الرحيم

( { والصافات صفا } { فالزاجرات زجرا } { فالتاليات ذكرا } { إن إلهكم لواحد } { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { والصافات صفا } { فالزاجرات زجرا } { فالتاليات ذكرا } { إن إلهكم لواحد } { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } ) وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وحمزة : " والصافات صفا " بإدغام التاء فيما يليه ، وكذلك في قوله : ( { فالزاجرات زجرا } { فالتاليات ذكرا } ) والباقون بالإظهار ، وقال الواحدي رحمه الله : إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين ، ألا ترى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس ، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير ، وإدغام الأنقص في الأزيد حسن ، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتا في الأنقص ، وأيضا إدغام التاء في الزاي في قوله : ( { فالزاجرات زجرا } ) حسن ؛ لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة ، وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد ، وأيضا حسن إدغام التاء في الذال في قوله : ( { فالتاليات ذكرا } ) لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا ، وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج ، والله أعلم .

المسألة الثانية : في هذه الأشياء الثلاثة المذكورة المقسم بها يحتمل أن تكون صفات ثلاثة لموصوف واحد ، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متباينة ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه :

الأول : أنها صفات الملائكة ، وتقديره أن الملائكة يقفون صفوفا . إما في السماوات لأداء العبادات كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا : ( { وإنا لنحن الصافون } ) [ الصافات : 165 ] وقيل : إنهم يصفون أجنحتهم في الهواء يقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم ، ويحتمل أيضا أن يقال معنى كونهم صفوفا أن لكل واحد منهم مرتبة معينة ودرجة معينة في الشرف والفضيلة أو في الذات والعلية ، وتلك الدرجة المرتبة باقية غير متغيرة وذلك يشبه الصفوف .

وأما قوله : ( { فالزاجرات زجرا } ) فقال الليث : يقال زجرت البعير فأنا أزجره زجرا إذا حثثته ليمضي ، وزجرت فلانا عن سوء فانزجر أي نهيته فانتهى ، فعلى هذا الزجر للبعير كالحث وللإنسان كالنهي ، إذا عرفت هذا فنقول في وصف الملائكة بالزجر وجوه :

الأول : قال ابن عباس : يريد الملائكة الذين وكلوا بالسحاب يزجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع .

الثاني : المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل الإلهامات فهم يزجرونهم عن المعاصي زجرا .

الثالث : لعل الملائكة أيضا يزجرون الشياطين عن التعرض لبني آدم بالشر والإيذاء ، وأقول : قد ثبت في العلوم العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يقبل الأثر وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الموجودات ، ومتأثر لا يؤثر وهم عالم الأجسام وهو أخس الموجودات ، وموجود يؤثر في شيء ويتأثر عن شيء آخر وهو عالم الأرواح ، وذلك لأنها تقبل الأثر عن عالم كبرياء الله ، ثم إنها تؤثر في عالم الأجسام ، واعلم أن الجهة التي باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة التي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام وتقدر على التصرف فيها ، وقوله : ( { فالتاليات ذكرا } ) إشارة إلى الأشرف من الجهة التي باعتبارها تقوى على التأثير في عالم الأجسام ، إذا عرفت هذا فقوله : ( { والصافات صفا } ) إشارة إلى وقوفها صفا صفا في مقام العبودية والطاعة بالخشوع والخضوع ، وهي الجهة التي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية والكمالات الصمدية ، وقوله تعالى : ( { فالزاجرات زجرا } ) إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية في تنوير الأرواح القدسية البشرية وإخراجها من القوة إلى الفعل ، وذلك لما ثبت أن هذه الأرواح النطقية البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية إنما تنتقل من القول إلى الفعل في المعارف الإلهية والكمالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة ، ونظيره قوله تعالى : ( { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده } ) [ النحل : 2 ] وقوله : ( { نزل به الروح الأمين } { على قلبك } ) [ الشعراء : 193 ] وقوله تعالى : ( { فالملقيات ذكرا } ) [ المرسلات : 5 ] إذا عرفت هذا فنقول في هذه الآية دقيقة أخرى وهي أن الكمال المطلق للشيء إنما يحصل إذا كان تاما وفوق التام ، والمراد بكونه تاما أن تحصل جميع الكمالات اللائقة به حصولا بالفعل ، والمراد بكونه فوق التام أن تفيض منه أصناف الكمالات والسعادات على غيره ، ومن المعلوم أن كونه كاملا في ذاته مقدم على كونه مكملا لغيره ، إذا عرفت هذا فقوله : ( { والصافات صفا } ) إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبودية وصفوف الخدمة والطاعة ، وقوله تعالى : ( { فالزاجرات زجرا } ) إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي عن جواهر الأرواح البشرية ، وقوله تعالى : ( { فالتاليات ذكرا } ) إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الناطقة البشرية ، فهذه مناسبات عقلية واعتبارات حقيقية تنطبق عليها هذه الألفاظ الثلاثة ، قال أبو مسلم الأصفهاني : لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة ؛ لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة مبرءون عن هذه الصفة ، والجواب من وجهين :

الأول : أن الصافات جمع الجمع ، فإنه يقال : جماعة صافة ثم يجمع على صافات .

والثاني : أنهم مبرءون عن التأنيث المعنوي ، أما التأنيث في اللفظ فلا ، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة في هذا الوجه .

الثاني : أن تحمل هذه الصافات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على عبودية الله - تعالى -الذين هم ملائكة الأرض وبيانه من وجهين :

الوجه الأول : أن قوله تعالى : ( { والصافات صفا } ) المراد الصفوف الحاصلة عند أداء الصلوات بالجماعة وقوله : ( { فالزاجرات زجرا } ) إشارة إلى قراءة : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصلاة ، وقوله : ( { فالتاليات ذكرا } ) إشارة إلى قراءة القرآن في الصلاة وقيل : ( { فالزاجرات زجرا } ) إشارة إلى رفع الصوت بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت ، روي ( أنه - صلى الله عليه وسلم - طاف على بيوت أصحابه في الليالي ، فسمع أبا بكر يقرأ بصوت منخفض ، وسمع عمر يقرأ بصوت رفيع ، فسأل أبا بكر : لم تقرأ هكذا ؟ فقال : المعبود سميع عليم ، وسأل عمر : لم تقرأ هكذا ؟ فقال : أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان ) .

الوجه الثاني : في تفسير هذه الألفاظ الثلاث في هذه الآية أن المراد من قوله : ( { والصافات صفا } ) الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى ، والمراد من قوله : ( { فالزاجرات زجرا } ) اشتغالهم بالزجر عن الشبهات والشهوات ، والمراد من قوله تعالى : ( { فالتاليات ذكرا } ) اشتغالهم بالدعوة إلى دين الله والترغيب في العمل بشرائع الله .

الوجه الثالث : في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين في سبيل الله فقوله : ( { والصافات صفا } ) المراد منه صفوف القتال لقوله تعالى : ( { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } ) [ الصف : 4 ] وأما ( الزاجرات زجرا ) فالزجرة والصيحة سواء ، والمراد منه رفع الصوت بزجر الخيل ، وأما ( التاليات ذكرا ) فالمراد اشتغال الغزاة وقت شروعهم في محاربة العدو بقراءة القرآن وذكر الله تعالى بالتهليل والتقديس .



الوجه الرابع : في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن نجعلها صفات لآيات القرآن فقوله : ( { والصافات صفا } ) المراد آيات القرآن فإنها أنواع مختلفة بعضها في دلائل التوحيد وبعضها في دلائل العلم والقدرة والحكمة ، وبعضها في دلائل النبوة ، وبعضها في دلائل المعاد ، وبعضها في بيان التكاليف والأحكام ، وبعضها في تعليم الأخلاق الفاضلة ، وهذه الآيات مرتبة ترتيبا لا يتغير ولا يتبدل فهذه الآيات تشبه أشخاصا واقفين في صفوف معينة ، وقوله : ( { فالزاجرات زجرا } ) المراد منه الآيات الزاجرة عن الأفعال المنكرة ، وقوله : ( { فالتاليات ذكرا } ) المراد منه الآيات الدالة على وجوب الإقدام على أعمال البر والخير ، وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر وكلام قائل قال تعالى : ( { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } ) [ الإسراء : 9 ] وقال : ( { يس } { والقرآن الحكيم } ) [ يس : 2 ] قيل : الحكيم بمعنى الحاكم فهذه جملة الوجوه المحتملة على تقدير أن تجعل هذه الألفاظ الثلاثة صفات لشيء واحد .

وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد بهذه الثلاثة أشياء متغايرة فقيل : المراد بقوله : ( { والصافات صفا } ) الطير من قوله تعالى : ( { والطير صافات } ) [ النور : 41 ] " { فالزاجرات } " كل ما زجر عن معاصي الله " { فالتاليات } " كل ما يتلى من كتاب الله وأقول فيه وجه آخر ، وهو أن مخلوقات الله إما جسمانية وإما روحانية ، أما الجسمانية فإنها مرتبة على طبقات ودرجات لا تتغير البتة ، فالأرض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء والماء محفوف بالهواء ، والهواء محفوف بالنار ، ثم هذه الأربعة محفوفة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسماني ، فهذه الأجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى ، وأما الجواهر الروحانية فهي على اختلاف درجاتها وتباين صفاتها مشتركة في صفتين :

إحداهما : التأثير في عالم الأجسام بالتحريك والتصريف وإليه الإشارة بقوله : ( { فالزاجرات زجرا } ) فإنا قد بينا أن المراد من هذا الزجر السوق والتحريك :

والثاني : الإدراك والاستغراق في معرفة الله تعالى والثناء عليه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( { فالتاليات ذكرا } ) ولما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلة فالتصرف في الجسمانيات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال : ( { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ) [ الأنبياء : 19 ] لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام فقال : ( { والصافات صفا } ) ثم ذكر في المرتبة الثانية الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ، ثم ذكر في هذه المرتبة الثالثة أعلى الدرجات وهي الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله والاستغراق في الثناء عليه ، فهذه احتمالات خطرت بالبال ، والعالم بأسرار كلام الله تعالى ليس إلا الله .

المسألة الثالثة : للناس في هذا الموضع قولان :

الأول : قول من يقول : المقسم به ههنا خالق هذه الأشياء لا أعيان هذه الأشياء ، واحتجوا عليه بوجوه :

الأول : أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحلف بغير الله فكيف يليق بحكمة الله أن يحلف بغير الله ؟ .

والثاني : أن الحلف بالشيء في مثل هذا الموضع تعظيم عظيم للمحلوف به ، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله .

والثالث : أن هذا الذي ذكرناه تأكد بما أنه تعالى صرح به في بعض السور وهو قوله تعالى : ( { والسماء وما بناها } { والأرض وما طحاها } { ونفس وما سواها } ) [ الشمس : 6 ] .

والقول الثاني : قول من يقول إن القسم واقع بأعيان هذه الأشياء واحتجوا عليه بوجوه .

الأول : أن القسم وقع بهذه الأشياء بحسب ظاهر اللفظ فالعدول عنه خلاف الدليل .

والثاني : أنه تعالى قال : ( { والسماء وما بناها } ) فعلق لفظ القسم بالسماء ، ثم عطف عليه القسم بالباني للسماء ، فلو كان المراد من القسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التكرار في موضع واحد وأنه لا يجوز .

الثالث : أنه لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم الله تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ذواتها وكمال حقائقها ، لا سيما إذا حملنا هذه الألفاظ على الملائكة فإنه تكون الحكمة في القسم بها التنبيه على جلالة درجاتها وكمال مراتبها والله أعلم ، فإن قيل : ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه :

الأول : أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو عند الكافر والأول باطل ؛ لأن المؤمن مقر به سواء حصل الحلف أو لم يحصل ، فهذا الحلف عديم الفائدة على كل التقديرات .

الثاني : أنه تعالى حلف في أول هذه السورة على أن الإله واحد ، وحلف في أول سورة والذاريات على أن القيامة حق فقال : ( { والذاريات ذروا } ) [ الذاريات : 1 ] إلى قوله : ( { إنما توعدون لصادق } { وإن الدين لواقع } ) [ الذاريات : 6 ] وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف واليمين لا يليق بالعقلاء ، والجواب من وجوه :

الأول : أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في سائر السور بالدلائل اليقينية ، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها فذكر القسم تأكيدا لما تقدم لا سيما والقرآن إنما أنزل بلغة العرب ، وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب .

والوجه الثاني : في الجواب أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى : ( { إن إلهكم لواحد } ) ذكر عقيبه ما هو كالدليل اليقيني في كون الإله واحدا ، وهو قوله تعالى : ( { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } ) وذلك لأنه تعالى بين في قوله : ( { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ) [ الأنبياء : 22 ] أن انتظام أحوال السماوات والأرض يدل على أن الإله واحد ، فههنا لما قال : ( { إن إلهكم لواحد } ) أردفه بقوله : ( { رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق } ) كأنه قيل : قد بينا أن النظر في انتظام هذا العالم دل على كون الإله واحدا فتأملوا في ذلك الدليل ليحصل لكم العلم بالتوحيد .

الوجه الثالث : في الجواب أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل : هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة والله أعلم .

المسألة الرابعة : أما دلالة أحوال السماوات والأرض على وجود الإله القادر العالم الحكيم ، وعلى كونه واحدا منزها عن الشريك فقد سبق تقريرها في هذا الكتاب مرارا وأطوارا وأما قوله تعالى : ( { ورب المشارق } ) فيحتمل أن يكون المراد مشارق الشمس . قال السدي : المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك المغارب فإنه تطلع الشمس كل يوم من مشرق وتغرب كل يوم في مغرب ، ويحتمل أن يكون المراد مشارق الكواكب ؛ لأن لكل كوكب مشرقا ومغربا ، فإن قيل : لم اكتفى بذكر المشارق ؟ قلنا لوجهين :

الأول : أنه اكتفى بذكر المشارق كقوله : ( { تقيكم الحر } ) [ النحل : 81 ] .

والثاني : أن الشرق أقوى حالا من الغروب وأكثر نفعا من الغروب ، فذكر الشرق تنبيها على كثرة إحسان الله تعالى على عباده ، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم عليه السلام بالمشرق فقال : ( { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق } ) [ البقرة : 258 ] .

المسألة الخامسة : احتج الأصحاب بقوله تعالى : ( { رب السماوات والأرض وما بينهما } ) على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد ، قالوا : لأن أعمال العباد موجودة فيما بين السماوات والأرض ، وهذه الآية دالة على أن كل ما حصل بين السماوات والأرض فالله ربه ومالكه ، فهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله ، وإن قالوا : الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السماوات والأرض ؛ لأن هذا الوصف إنما يليق بما يكون حاصلا في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك ، قلنا : إنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماوات والأرض فهي أيضا حاصلة بين السماء والأرض .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 26-26 , الصفحة 100 - 104
counter free hit invisible