<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( سورة غافر )

ثمانون وخمس آيات مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { حم } { تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم } { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد } { كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب } { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } )

بسم الله الرحمن الرحيم

( { حم } { تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم } { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد } { كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب } { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } )

اعلم أن في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي "حم" بكسر الحاء ، والباقون بفتح الحاء ، ونافع في بعض الروايات وابن عامر ، بين الفتح والكسر وهو أن لا يفتحها فتحا شديدا ، قال صاحب "الكشاف" : قرئ بفتح الميم وتسكينها ، ووجه الفتح التحريك لالتقاء الساكنين وإيثار أخف الحركات نحو : أين وكيف ، أو النصب بإضمار اقرأ ، ومنع الصرف إما للتأنيث والتعريف ، من حيث أنها اسم للسورة وللتعريف ، وأنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل ، وأما السكون فلأنا بينا أن الأسماء تذكر موقوفة الأواخر . المسألة الثانية : الكلام المستقصى في هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة ، والأقرب هاهنا أن يقال : " { حم } " اسم للسورة ، فقوله : ( { حم } ) مبتدأ ، وقوله : ( { تنزيل الكتاب من الله } ) خبر ، والتقدير أن هذه السورة المسماة بحم تنزيل الكتاب ، فقوله : ( { تنزيل } ) مصدر ، لكن المراد منه المنزل .

وأما قوله : ( { من الله } ) فاعلم أنه لما ذكر أن ( { حم } { تنزيل الكتاب } ) وجب بيان أن المنزل من هو؟ فقال : ( { من الله } ) ثم بين أن الله تعالى موصوف بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير ذلك حاملا على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع ، وزجره عن التهاون والتواني فيه ، فبين أن المنزل هو ( { الله العزيز العليم } ) .

واعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم بالله ما هو؟ فقال جمع عظيم : إنه العلم بكونه قادرا وبعده العلم بكونه عالما ، إذا عرفت هذا فنقول : ( { العزيز } ) له تفسيران ؛ أحدهما : الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة . والثاني : الذي لا مثل له ، ولا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا القادر ؛ لأن قوله تعالى : ( { الله } ) يدل على كونه قادرا ، فوجب حمل ( { العزيز } ) على المعنى الثاني وهو الذي لا يوجد له مثل ، وما كان كذلك وجب أن لا يكون جسما ، والذي لا يكون جسما يكون منزها عن الشهوة والنفرة ، والذي يكون كذلك يكون منزها عن الحاجة . وأما ( { العليم } ) فهو مبالغة في العلم ، والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، فقوله : ( { من الله العزيز العليم } ) يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق ، الغني المطلق ، العالم المطلق ، ومن كان كذلك كان عالما بوجوه المصالح والمفاسد ، وكان عالما بكونه غنيا عن جر المصالح ودفع المفاسد ، ومن كان كذلك كان رحيما جوادا ، وكانت أفعاله حكمة وصوابا منزهة عن القبيح والباطل ، فكأنه سبحانه إنما ذكر عقيب قوله : ( { تنزيل } ) هذه الأسماء الثلاثة لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب ، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا التنزيل حقا وصوابا ، وقيل : الفائدة في ذكر ( { العزيز العليم } ) أمران ؛ أحدهما : أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن المصالح والإعجاز ، ولولا كونه عزيزا عليما لما صح ذلك . والثاني : أنه تكفل بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف ، وذلك لا يتم إلا بكونه عزيزا لا يغلب وبكونه عليما لا يخفى عليه شيء ، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد والترهيب والترغيب ، فقال : ( { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } ) فهذه ستة أنواع من الصفات :

الصفة الأولى : قوله : ( { غافر الذنب } ) قال الجبائي : معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه ، ومراده منه أن فاعل المعصية إما أن يقال : إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة كان ثوابها أعظم من عقاب هذه المعصية ، أو ما كان الأمر كذلك ، فإن كان الأول كانت هذه المعصية صغيرة فيحبط عقابها ، وإن كان الثاني كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا بالتوبة . ومذهب أصحابنا أن الله تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة ، وهذه الآية تدل على ذلك ، وبيانه من وجوه :

الأول : أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة من الأمور الواجبة على العبد ، وجميع الأنبياء والأولياء والصالحين من أوساط الناس مشتركون في فعل الواجبات ، فلو حملنا كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبق بينه وبين أقل الناس من زمرة المطيعين فرق في المعنى الموجب لهذا المدح ، وذلك باطل ، فثبت أنه يجب أن يكون المراد منه كونه غافر الكبائر قبل التوبة ، وهو المطلوب .

الثاني : أن الغفران عبارة عن الستر ومعنى الستر إنما يعقل في الشيء الذي يكون باقيا موجودا فيستر ، والصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها ، فمعنى الغفر فيها غير معقول ، ولا يمكن حمل قوله : ( { غافر الذنب } ) على الكبيرة بعد التوبة ؛ لأن معنى كونه قابلا للتوب ليس إلا ذلك ، فلو كان المراد بكونه غافر الذنب هذا المعنى لزم التكرار وإنه باطل ، فثبت أن كونه غافر الذنب يفيد كونه غافرا للذنوب الكبائر قبل التوبة . الثالث : أن قوله : ( { غافر الذنب } ) مذكور في معرض المدح العظيم ، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح ، وذلك هو كونه غافرا للكبائر قبل التوبة ، وهو المطلوب .

الصفة الثانية : قوله تعالى : ( { قابل التوب } ) وفيه بحثان :

الأول : في لفظ التوب قولان ؛ الأول : أنه مصدر وهو قول أبي عبيدة . والثاني : أنه جماعة التوبة وهو قول الأخفش . قال المبرد : يجوز أن يكون مصدرا ، يقال : تاب يتوب توبا وتوبة ، مثل قال يقول قولا وقولة ، ويجوز أن يكون جمعا لتوبة ، فيكون : توبة وتوب ، مثل تمرة وتمر ، إلا أن المصدر أقرب لأن على هذا التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل .

الثاني : مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل ، وليس بواجب على الله ، وقالت المعتزلة : إنه واجب على الله ، واحتج أصحابنا بأنه تعالى ذكر كونه قابلا للتوب على سبيل المدح والثناء ، ولو كان ذلك من الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل ، وهو القدر الذي يحصل لجميع الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات .



الصفة الثالثة : قوله ( { شديد العقاب } ) وفيه مباحث :

البحث الأول : في هذه الآية سؤال وهو أن قوله : ( { شديد العقاب } ) يصلح أن يكون نعتا للنكرة ولا يصلح أن يكون نعتا للمعرفة ، تقول : مررت برجل شديد البطش ، ولا تقول مررت بعبد الله شديد البطش ، وقوله : (الله) اسم علم ، فيكون معرفة ، فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفا للنكرة؟ قالوا : وهذا بخلاف قولنا : غافر الذنب وقابل التوب ؛ لأنه ليس المراد منهما حدوث هذين الفعلين ، وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غدا ، وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه ، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش ، وأما ( { شديد العقاب } ) فمشكل ؛ لأنه في تقدير : شديد عقابه ، فيكون نكرة ، فلا يصح جعله صفة للمعرفة ، وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه بوجوه :

الأول : أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله : ( { وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد } ) [البروج : 14- 16] .

والثاني : قال الزجاج : إن خفض ( { شديد العقاب } ) على البدل ؛ لأن جعل النكرة بدلا من المعرفة وبالعكس أمر جائز ، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلا من الصفات فيه نبوة ظاهرة .

الثالث : أنه لا نزاع في أن قوله : ( { غافر الذنب وقابل التوب } ) يحسن جعلهما صفة ، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام والاستمرار ، فكذلك قوله : ( { شديد العقاب } ) يفيد معنى الدوام والاستمرار ؛ لأن صفات الله تعالى منزهة عن الحدوث والتجدد ، فكونه شديد العقاب معناه كونه بحيث يشتد عقابه ، وهذا المعنى حاصل أبدا ، وغير موصوف بأنه حصل بعد أن لم يكن كذلك ، فهذا ما قيل في هذا الباب .

البحث الثاني : هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة والفضل ؛ لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسه بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد منهما يقتضي زوال العقاب ، وهو كونه غافر الذنب وقابل التوب ، وذكر بعده ما يدل على حصول الرحمة العظيمة ، وهو قوله : ( { ذي الطول } ) ، فكونه شديد العقاب لما كان مسبوقا بتينك الصفتين وملحوقا بهذه الصفة ، دل ذلك على أن جانب الرحمة والكرم أرجح .

البحث الثالث : لقائل أن يقول : ذكر الواو في قوله : ( { غافر الذنب وقابل التوب } ) ولم يذكرها في قوله : ( { شديد العقاب } ) فما الفرق؟ قلنا : إنه لو لم يذكر الواو في قوله : ( { غافر الذنب وقابل التوب } ) لاحتمل أن يقع في خاطر إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلا كونه قابل التوب ، أما لما ذكر الواو زال هذا الاحتمال ؛ لأن عطف الشيء على نفسه محال ، أما كونه شديد العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه ( { غافر الذنب وقابل التوب } ) فاستغنى به عن ذكر الواو .

الصفة الرابعة : ( { ذي الطول } ) أي ذي التفضل ، يقال : طال علينا طولا ؛ أي تفضل علينا تفضلا ، ومن كلامهم : طل علي بفضلك ، ومنه قوله تعالى : ( { أولو الطول منهم } ) [التوبة : 86] ومضى تفسيره عند قوله : ( { ومن لم يستطع منكم طولا } ) [النساء : 25] واعلم أنه لما وصف نفسه بكونه ( { شديد العقاب } ) لا بد وأن يكون المراد بكونه تعالى آتيا بالعقاب الشديد الذي لا يقبح منه إتيانه به ، بل لا يجوز وصفه تعالى بكونه آتيا لفعل القبيح ، وإذا ثبت هذا فنقول : ذكر بعده كونه ذا الطول وهو كونه ذا الفضل ، فيجب أن يكون معناه كونه ذا الفضل بسبب أن يترك العقاب الذي له أن يفعله ؛ لأنه ذكر كونه ذا الطول ولم يبين أنه ذو الطول في ماذا ، فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول في الأمر الذي سبق ذكره ، وهو فعل العقاب الحسن دفعا للإجمال ، وهذا يدل على أنه تعالى قد يترك العقاب الذي حسن منه تعالى فعله ، وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب الكبائر جائز ، وهو المطلوب .

الصفة الخامسة : التوحيد المطلق وهو قوله : ( { لا إله إلا هو } ) والمعنى أنه وصف نفسه بصفات الرحمة والفضل ، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة ، أما إذا كان واحدا وليس له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة ، فكان الترغيب والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد .

الصفة السادسة : قوله : ( { إليه المصير } ) وهذه الصفة أيضا مما يقوي الرغبة في الإقرار بعبوديته ؛ لأنه بتقدير أن يكون موصوفا بصفات الفضل والكرم وكان واحدا لا شريك له ، إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلا لم يكن الخوف الشديد حاصلا من عصيانه ، أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلا كان الخوف أشد والحذر أكمل ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الصفات ، واحتج أهل التشبيه بلفظة ( إلى ) وقالوا : إنها تفيد انتهاء الغاية ، والجواب عنه مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب .



واعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدى به في الدين ، ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره فقال : ( { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أن الجدال نوعان ، جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل ، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام ، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( { وجادلهم بالتي هي أحسن } ) [النحل : 125] وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام : ( { يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ) [هود : 32] وأما الجدال في تقرير الباطل فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال : ( { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } ) وقال : ( { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ) [الزخرف : 58] وقال : ( { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } ) وقال صلى الله عليه وسلم : " ( إن جدالا في القرآن كفر ) " فقوله : إن جدالا ، على لفظ التنكير يدل على التمييز بين جدال وجدال ، واعلم أن لفظ الجدال في الشيء مشعر بالجدال الباطل ، ولفظ الجدال عن الشيء مشعر بالجدال لأجل تقريره والذب عنه ، قال صلى الله عليه وسلم : " ( إن جدالا في القرآن كفر ) " وقال : " ( لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر ) " .

المسألة الثانية : الجدال في آيات الله هو أن يقال مرة : إنه سحر ومرة إنه شعر ومرة إنه قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر ، وأشباه هذا مما كانوا يقولون من الشبهات الباطلة ، فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا الذين كفروا وأعرضوا عن الحق .

ثم قال تعالى : ( { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } ) أي لا ينبغي أن تغتر بأني أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأموالهم يتقلبون في البلاد ، أي يتصرفون للتجارات وطلب المعاش ، فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت بأشكالهم من الأمم الماضية ، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ولهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها ويربحون ، ثم كشف عن هذا المعنى فقال : ( { كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم } ) فذكر من أولئك المكذبين قوم نوح ( { والأحزاب من بعدهم } ) أي الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد وثمود وغيرهم ، كما قال في سورة ص : ( { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد } { وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب } ) [ص : 13] وقوله : ( { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } ) أي وعزمت كل أمة من هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ليقتلوه ويعذبوه ويحبسوه ( { وجادلوا بالباطل } ) أي هؤلاء جادلوا رسلهم بالباطل ؛ أي بإيراد الشبهات ( { ليدحضوا به الحق } ) أي أن يزيلوا بسبب إيراد تلك الشبهات الحق والصدق ( { فأخذتهم فكيف كان عقاب } ) أي فأنزلت بهم من الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل ، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا ، فكيف كان عقابي إياهم ، أليس كان مهلكا مستأصلا مهيبا في الذكر والسماع ، فأنا أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله ، ثم كشف عن هذا المعنى فقال : ( { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } ) أي ومثل الذي حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت كلمتي أيضا على هؤلاء الذين كفروا من قومك ، فهم على شرف نزول العقاب بهم ، قال صاحب "الكشاف" : ( { أنهم أصحاب النار } ) في محل الرفع بدل من قوله : ( { كلمة ربك } ) أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار ، ومعناه : كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل ، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب النار في الآخرة ، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل .

واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشقاوة لازم لا يمكن تغييره ، فقالوا : إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم ، وذلك يدل على أنهم لا قدرة لهم على الإيمان ؛ لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه الكلمة الحقة ، ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته ، ضرورة أن المتمكن من الشيء يجب كونه متمكنا من كل ما هو من لوازمه ، ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم أن يؤمنوا بهذه الآية ، فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبدا ، وذلك تكليف ما لا يطاق . وقرأ نافع وابن عامر "حقت كلمات ربك" على الجمع ، والباقون على الواحد .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 27-27 , الصفحة 23 - 27
counter free hit invisible