<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

قال القرطبي : وهي مكية في قول الجميع . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ، وابن الزبير أنها نزلت بمكة . وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه ، وابن مردويه وأبو نعيم ، والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال ( " اجتمع قريش يوما فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا ، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ؟ فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة ، فقالوا ائت يا أبا الوليد ، فأتاه فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ، أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك ، أما والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك ، فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب ، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا ، والله ما تنتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف ، يا رجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا ، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجنك عشرا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : فرغت ؟ قال : نعم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : بسم الله الرحمن الرحيم { حم } { تنزيل من الرحمن الرحيم } { كتاب فصلت آياته } حتى بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } [ فصلت : 1 13 ] فقال عتبة : حسبك حسبك ما عندك غير هذا ؟ قال : لا ، فرجع إلى قريش فقالوا ما وراءك ؟ قال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته ، فقالوا : فهل أجابك قال : والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال ، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ، قالوا : ويلك يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال ؟ قال : لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة " ) .

وأخرج أبو نعيم ، والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عمر قال : " ( لما قرأ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على عتبة بن ربيعة { حم } { تنزيل من الرحمن الرحيم } أتى أصحابه فقال : يا قوم أطيعوني في هذا اليوم واعصوني بعده ، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذني قط كلاما مثله ، وما دريت ما أراد عليه ) " .

وفي هذا الباب روايات تدل على اجتماع قريش وإرسالهم عتبة بن ربيعة وتلاوته - صلى الله عليه وآله وسلم - أول هذه السورة عليه .

بسم الله الرحمن الرحيم { حم } { تنزيل من الرحمن الرحيم } { كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون } { بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون } { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين } { الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون } { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين } { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } { فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم } { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } { إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون }

قوله : { حم } قد تقدم الكلام على إعرابه ومعناه في السورة التي قبل هذه السورة فلا نعيده .

وكذلك تقدم الكلام على معنى تنزيل وإعرابه .

قال الزجاج والأخفش : تنزيل مرفوع بالابتداء وخبره { كتاب فصلت } وقال الفراء : يجوز أن يكون على إضمار هذا ويجوز أن يقال : كتاب بدل من قوله تنزيل ، و { من الرحمن الرحيم } متعلق بـ تنزيل .

ومعنى { فصلت آياته } بينت أو جعلت أساليب مختلفة ، قال قتادة : فصلت ببيان حلاله من حرامه وطاعته من معصيته . وقال الحسن : بالوعد والوعيد . وقال سفيان : بالثواب والعقاب ولا مانع من الحمل على الكل .

والجملة في محل نصب صفة لكتاب . وقرئ فصلت بالتخفيف أي : فرقت بين الحق والباطل ، وانتصاب { قرآنا عربيا } على الحال أي : فصلت آياته حال كونه قرآنا عربيا .

وقال الأخفش : نصب على المدح وقيل : على المصدرية أي : يقرأه قرآنا ، وقيل : مفعول ثان لفصلت ، وقيل : على إضمار فعل يدل عليه فصلت أي : فصلناه قرآنا عربيا { لقوم يعلمون } أي : يعلمون معانيه ويفهمونها : وهم أهل اللسان العربي .

قال الضحاك أي : يعلمون أن القرآن منزل من عند الله .

وقال مجاهد أي : يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل ، واللام متعلقة بمحذوف صفة أخرى لقرآن أي : كائنا لقوم أو متعلق بـ فصلت ، والأول أولى .

وكذلك بشيرا ونذيرا صفتان أخريان لقرآنا أو حالان من كتاب ، والمعنى بشيرا لأولياء الله ونذيرا لأعدائه .

وقرئ " بشير ونذير " بالرفع على أنهما صفة لكتاب أو خبر مبتدأ محذوف { فأعرض أكثرهم } المراد بالأكثر هنا الكفار أي : فأعرض الكفار عما اشتمل عليه من النذارة { فهم لا يسمعون } سماعا ينتفعون به لإعراضهم عنه .

{ وقالوا قلوبنا في أكنة } أي : في أغطية مثل الكنانة التي فيها السهام فهي لا تفقه ما تقول ولا يصل إليها قولك ، والأكنة جمع كنان وهو الغطاء ، قال مجاهد : الكنان للقلب كالجنة للنبل ، وقد تقدم بيان هذا في البقرة { وفي آذاننا وقر } أي : صمم وأصل الوقر الثقل .

وقرأ طلحة بن مصرف " وقر " بكسر الواو وقرئ بفتح الواو والقاف ، و " من " في { ومن بيننا وبينك حجاب } لابتداء الغاية ، والمعنى : أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك ، فالمسافة المتوسطة بين جهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها ، وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق ومج أسماعهم له وامتناع المواصلة بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - { فاعمل إننا عاملون } أي : اعمل على دينك إننا عاملون على ديننا .

وقال الكلبي : اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك . وقال مقاتل : اعمل لإلهك الذي أرسلك فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها ، وقيل : اعمل لآخرتك فإنا عاملون لدنيانا .

ثم أمره الله - سبحانه - أن يجيب عن قولهم هذا فقال : { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد } أي : إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي ، ولم أكن من جنس مغاير لكم حتى تكون قلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه وفي آذانكم وقر ومن بيني وبينكم حجاب ، ولم أدعكم إلى ما يخالف العقل ، وإنما أدعوكم إلى التوحيد قرأ الجمهور يوحى مبنيا للمفعول . وقرأ الأعمش والنخعي مبنيا للفاعل أي : يوحي الله إلي .

وقيل : ومعنى الآية : أني لا أقدر على أن أحملكم على الإيمان قسرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز لي عنكم إلا أني أوحي إلي التوحيد والأمر به ، فعلي البلاغ وحده فإن قبلتم رشدتم وإن أبيتم هلكتم .

وقيل : المعنى : إني لست بملك وإنما أنا بشر مثلكم وقد أوحي إلي دونكم ، فصرت بالوحي نبيا ووجب عليكم اتباعي .

وقال الحسن في معنى الآية : إن الله - سبحانه - علم رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - كيف يتواضع { فاستقيموا إليه } عداه بإلى لتضمنه معنى توجهوا ، والمعنى : وجهوا استقامتكم إليه بالطاعة ولا تميلوا عن سبيله واستغفروه لما فرط منكم من الذنوب .

ثم هدد المشركين وتوعدهم فقال : { وويل للمشركين } .

ثم وصفهم بقوله : { الذين لا يؤتون الزكاة } أي : يمنعونها ولا يخرجونها إلى الفقراء .

وقال الحسن ، وقتادة : لا يقرون بوجوبها .

وقال الضحاك ومقاتل : لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة .

وقيل : معنى الآية ، لا يشهدون أن لا إله إلا الله لأنها زكاة الأنفس وتطهيرها .

وقال الفراء : كان المشركون ينفقون النفقات ويسقون الحجيج ويطعمونهم فحرموا ذلك على من آمن بمحمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فنزلت فيهم هذه الآية .

{ وهم بالآخرة هم كافرون } معطوف على لا يؤتون داخل معه في حيز الصلة أي : منكرون للآخرة جاحدون لها والمجيء بضمير الفصل لقصد الحصر .

{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } أي : غير مقطوع عنهم ، يقال : مننت الحبل : إذا قطعته ، ومنه قول الأصبغ الأزدي : إني لعمرك ما آبى بذي علق على الصديق ولا خيري بممنون

وقيل : الممنون المنقوص ، قاله قطرب ، وأنشد قول زهير : فضل الجياد على الخيل البطاء فلا يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا

قال الجوهري : المن القطع ويقال : النقص ، ومنه قوله - تعالى - : { لهم أجر غير ممنون } وقال لبيد : غبس كواسب لا يمن طعامها

وقال مجاهد غير ممنون : غير محسوب ، وقيل : معنى الآية ، لا يمن عليهم به لأنه إنما يمن بالتفضل ، فأما الأجر فحق أداؤه .

وقال السدي : نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه .

ثم أمر الله - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يوبخهم ويقرعهم فقال : { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } أي : لتكفرون بمن شأنه هذا الشأن العظيم وقدرته هذه القدرة الباهرة .

قيل : اليومان هما يوم الأحد ويوم الاثنين ، وقيل : المراد مقدار يومين لأن اليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجود الأرض والسماء .

قرأ الجمهور " أإنكم " بهمزتين الثانية بين بين ، وقرأ ابن كثير بهمزة وبعدها ياء خفيفة { وتجعلون له أندادا } أي : أضدادا وشركاء ، والجملة معطوفة على تكفرون داخلة تحت الاستفهام والإشارة بقوله : ذلك إلى الموصول المتصف بما ذكر وهو مبتدأ وخبره رب العالمين ومن جملة العالمين ما تجعلونها أندادا لله فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته .

وقوله : { وجعل فيها رواسي } معطوف على خلق أي : كيف تكفرون بالذي خلق الأرض وجعل فيها رواسي أي : جبالا ثوابت من فوقها ، وقيل : جملة وجعل فيها رواسي مستأنفة غير معطوفة على خلق لوقوع الفصل بينهما بالأجنبي .

والأول أولى لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما قبلها فكانت بمنزلة التأكيد ، ومعنى من فوقها أنها مرتفعة عليها لأنها من أجزاء الأرض ، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع ، فكانت من هذه الحيثية كالمغايرة لها { وبارك فيها } أي : جعلها مباركة كثيرة الخير بما خلق فيها من المنافع للعباد .

قال السدي : أنبت فيها شجرها { وقدر فيها أقواتها } قال قتادة ومجاهد : خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها ، وقال الحسن وعكرمة ، والضحاك : قدر فيها أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع ، جعل في كل بلد ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد ، ومعنى { في أربعة أيام } أي : في تتمة أربعة أيام باليومين المتقدمين . قاله الزجاج وغيره .

قال ابن الأنباري : ومثاله قول القائل خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما أي : في تتمة خمسة عشر يوما ، فيكون المعنى أن حصول جميع ما تقدم من خلق الأرض وما بعدها في أربعة أيام .

وانتصاب سواء على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة للأيام أي : استوت سواء بمعنى : استواء ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من الأرض أو من الضمائر الراجعة إليها .

وقرأ الجمهور بنصب " سواء " وقرأ زيد بن علي وابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب وعمرو بن عبيد بخفضه على أنه صفة لأيام .

وقرأ أبو جعفر برفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف .

قال الحسن : المعنى في أربعة أيام مستوية تامة ، وقوله : للسائلين متعلق بـ سواء أي : مستويات للسائلين ، أو بمحذوف كأنه قيل : هذا الحصر للسائلين في كم خلقت الأرض وما فيها ؟ أو متعلق بـ قدر أي : قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين المحتاجين إليها .

قال الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين في أربعة أيام واختار هذا ابن جرير .

ثم لما ذكر - سبحانه - خلق الأرض وما فيها ذكر كيفية خلقه للسماوات فقال : { ثم استوى إلى السماء } أي : عمد وقصد نحوها قصدا سويا .

قال الرازي : هو من قولهم : استوى إلى مكان كذا : إذا توجه إليه توجها لا يلتفت معه إلى عمل آخر ، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج ، ونظيره قولهم : استقام إليه ، ومنه قوله - تعالى - : { فاستقيموا إليه } ، والمعنى : ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماوات بعد خلق الأرض وما فيها .

قال الحسن : معنى الآية صعد أمره إلى السماء وهي دخان ، الدخان ما ارتفع من لهب النار ، ويستعار لما يرى من بخار الأرض .

قال المفسرون : هذا الدخان هو بخار الماء ، وخص - سبحانه - الاستواء إلى السماء مع كون الخطاب المترتب على ذلك متوجها إليها وإلى الأرض كما يفيده قوله : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } استغناء بما تقدم من ذكر تقديرها وتقدير ما فيها ، ومعنى ائتيا : افعلا ما آمركما به وجيئا به ، كما يقال : ائت ما هو الأحسن أي : افعله .

قال الواحدي : قال المفسرون : إن الله - سبحانه - قال : أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك وأما أنت يا أرض فشققي أنهارك وأخرجي ثمارك و نباتك .

قرأ الجمهور { ائتيا } أمرا من الإتيان . وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد " آتيا قالتا آتينا " بالمد فيهما ، وهو إما من المؤاتاة ، وهي الموافقة أي : لتوافق كل منكما الأخرى أو من الإيتاء وهو الإعطاء فوزنه على الأول فاعلا كقاتلا ، وعلى الثاني أفعلا كأكرما { طوعا أو كرها } مصدران في موضع الحال أي : طائعتين أو مكرهتين ، وقرأ الأعمش " كرها " بالضم .

قال الزجاج : أطيعا طاعة أو تكرهان كرها .

قيل : ومعنى هذا الأمر لهما التسخير أي : كونا فكانتا ، كما قال - تعالى - : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [ النحل : 40 ] فالكلام من باب التمثيل لتأثير قدرته واستحالة امتناعها { قالتا أتينا طائعين } أي : أتينا أمرك منقادين وجمعهما جمع من يعقل لخطابهما بما يخاطب به العقلاء .

قال القرطبي : قال أكثر أهل العلم إن الله - سبحانه - خلق فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد - سبحانه - وقيل : هو تمثيل لظهور الطاعة منهما وتأثير القدرة الربانية فيهما .

{ فقضاهن سبع سماوات } أي : خلقهن وأحكمهن وفرغ منهن ، كما في قول الشاعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع

والضمير في قضاهن إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع سماوات ، أو مبهم مفسر بسبع سماوات ، وانتصاب { سبع سماوات } على التفسير أو على البدل من الضمير .

وقيل : إن انتصابه على أنه المفعول الثاني لقضاهن لأنه مضمن معنى صبرهن ، وقيل : على الحال أي : قضاهن حال كونهن معدودات بسبع ويكون قضى بمعنى صنع ، وقيل : على التمييز ، ومعنى في يومين كما سبق في قوله : { خلق الأرض في يومين } فالجملة ستة أيام ، كما في قوله - سبحانه - : { خلق السماوات والأرض في ستة أيام } [ الأعراف : 3 ] وقد تقدم بيانه في سورة الأعراف .

قال مجاهد : ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون .

قال عبد الله بن سلام : خلق الأرض في يوم الأحد ويوم الاثنين وقدر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق السماوات في يوم الخميس ويوم الجمعة ، وقوله : { وأوحى في كل سماء أمرها } عطف على قضاهن .

قال قتادة والسدي أي : خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها وما فيها من الملائكة والبحار والبرد والثلوج .

وقيل : المعنى : أوحى فيها ما أراده وما أمر به ، والإيحاء قد يكون بمعنى الأمر كما في قوله : { بأن ربك أوحى } [ الزلزلة : 5 ] وقوله : { وإذ أوحيت إلى الحواريين } [ المائدة : 111 ] أي : أمرتهم .

وقد استشكل الجمع بين هذه الآية وبين قوله : { والأرض بعد ذلك دحاها } [ النازعات : 30 ] فإن ما في هذه الآية من قوله : { ثم استوى إلى السماء } مشعر بأن خلقها متأخر عن خلق الأرض ، وظاهره يخالف قوله : { والأرض بعد ذلك دحاها } فقيل : إن " ثم " في { ثم استوى إلى السماء } ليست للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبي ، فيندفع الإشكال من أصله ، وعلى تقدير أنها للتراخي الزماني فالجمع ممكن بأن الأرض خلقها متقدم على خلق السماء ، ودحوها بمعنى بسطها هو أمر زائد على مجرد خلقها فهي متقدمة خلقا متأخرة دحوا وهذا ظاهر ، ولعله يأتي عند تفسيرنا لقوله : { والأرض بعد ذلك دحاها } زيادة إيضاح للمقام إن شاء الله { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } أي : بكواكب مضيئة متلألئة عليها كتلألؤ المصابيح ، " و " انتصاب حفظا على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف أي : وحفظناها حفظا أو على أنه مفعول لأجله على تقدير : وخلقنا المصابيح زينة وحفظا ، والأول أولى .

قال أبو حيان : في الوجه الثاني هو تكلف وعدول عن السهل البين ، والمراد بالحفظ حفظها من الشياطين الذين يسترقون السمع ، والإشارة بقوله : ذلك إلى ما تقدم ذكره { تقدير العزيز العليم } أي : البليغ القدرة الكثير العلم .

{ فإن أعرضوا } عن التدبر والتفكر في هذه المخلوقات { فقل أنذرتكم } أي : فقل لهم يا محمد أنذرتكم خوفتكم { صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } أي : عذابا مثل عذابهم ، والمراد بالصاعقة العذاب المهلك من كل شيء .

قال المبرد : الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان .

قرأ الجمهور " صاعقة " في الموضعين ، بالألف وقرأ ابن الزبير والنخعي والسلمي وابن محيصن " صعقة " في الموضعين وقد تقدم بيان معنى الصاعقة والصعقة في البقرة .

وقوله : { إذ جاءتهم الرسل } ظرف ل { أنذرتكم } ، أو ل صاعقة ، لأنها بمعنى العذاب أي : أنذرتكم العذاب الواقع وقت مجيء الرسل ، أو حال من صاعقة عاد .

وهذا أولى من الوجهين الأولين ؛ لأن الإنذار لم يقع وقت مجيء الرسل فلا يصح أن يكون ظرفا له ، وكذلك الصاعقة لا يصح أن يكون الوقت ظرفا لها ، وقوله : { من بين أيديهم ومن خلفهم } متعلق بـ جاءتهم أي : جاءتهم من جميع جوانبهم وقيل : المعنى جاءتهم الرسل المتقدمون والمتأخرون على تنزيل مجيء كلامهم منزلة مجيئهم أنفسهم ، فكأن الرسل قد جاءوهم وخاطبوهم بقولهم : { أن لا تعبدوا إلا الله } أي : بأن لا تعبدوا على أنها المصدرية ، ويجوز أن تكون التفسيرية أو المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف .

ثم ذكر - سبحانه - ما أجابوا به على الرسل فقال : { قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة } أي : لأرسلهم إلينا ولم يرسل إلينا بشرا من جنسنا .

ثم صرحوا بالكفر ولم يتلعثموا ، فقالوا { فإنا بما أرسلتم به كافرون } أي : كافرون بما تزعمونه من أن الله أرسلكم إلينا ، لأنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا ، فكيف اختصكم برسالته دوننا ، وقد تقدم دفع هذه الشبهة الداحضة التي جاءوا بها في غير موضع .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : { وويل للمشركين } { الذين لا يؤتون الزكاة } قال : لا يشهدون أن لا إله إلا الله ، وفي قوله : { لهم أجر غير ممنون } قال : غير منقوص .

وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه ، وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه ( " أن اليهود أتت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فسألته عن خلق السماوات والأرض فقال : خلق الله الأرض في يوم الأحد والاثنين ، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والحجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة أيام ، فقال - تعالى - : { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين } { وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه ، فخلق من أول ساعة من هذه الثلاث الآجال حين يموت من مات ، وفي الثانية ألقى فيها من كل شيء مما ينتفع به ، وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة ، قالت اليهود : ثم ماذا يا محمد ؟ قال : ثم استوى على العرش ، قالوا : قد أصبت لو أتممت ، قالوا : ثم استراح ، فغضب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - غضبا شديدا ، فنزل { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } { فاصبر على ما يقولون } [ ق : 39 ، 38 ] " ) .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : { وقدر فيها أقواتها } قال : شق الأنهار ، وغرس الأشجار ، ووضع الجبال ، وأجرى البحار ، وجعل في هذه ما ليس في هذه وفي هذه ما ليس في هذه .

وأخرج أبو الشيخ عنه أيضا قال : إن الله - تعالى - خلق يوما فسماه الأحد ، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين ، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء ، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء ، ثم خلق خامسا فسماه الخميس وذكر نحو ما تقدم .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : ( إن الله فرغ من خلقه في ستة أيام ) وذكر نحو ما تقدم .

وأخرج ابن جرير عن أبي بكر نحو ما تقدم عن ابن عباس .

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } قال : قال للسماء أخرجي شمسك وقمرك ونجومك ، وللأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك { قالتا أتينا طائعين } .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عنه في قوله : ائتيا قال أعطيا وفي قوله : قالتا أتينا قال : أعطينا .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1309 - 1312
counter free hit invisible