<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ( 36 ) { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ( 37 ) { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } ( 38 ) { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ( 39 ) )

يقول تعالى محقرا بشأن الحياة الدنيا وزينتها ، وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني ، بقوله : ( { فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا } ) أي : مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به ، فإنما هو متاع الحياة الدنيا ، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة ، ( { وما عند الله خير وأبقى } ) أي : وثواب الله خير من الدنيا ، وهو باق سرمدي ، فلا تقدموا الفاني على الباقي ; ولهذا قال : ( { للذين آمنوا } ) أي : للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا ، ( { وعلى ربهم يتوكلون } ) أي : ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات .

ثم قال : ( { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } ) وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش في " سورة الأعراف " ( { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ) أي : سجيتهم [ وخلقهم وطبعهم ] تقتضي الصفح والعفو عن الناس ، ليس سجيتهم الانتقام من الناس .

وقد ثبت في الصحيح ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما انتقم لنفسه قط ، إلا أن تنتهك حرمات الله ) وفي حديث آخر : ( " كان يقول لأحدنا عند المعتبة : ما له ؟ تربت جبينه " ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن زائدة ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا ، وكانوا إذا قدروا عفوا .

وقوله : ( { والذين استجابوا لربهم } ) أي : اتبعوا رسله وأطاعوا أمره ، واجتنبوا زجره ، ( { وأقاموا الصلاة } ) وهي أعظم العبادات لله عز وجل ، ( { وأمرهم شورى بينهم } ) أي : لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها ، كما قال تعالى : ( { وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله } ) [ آل عمران : 159 ] ولهذا كان عليه [ الصلاة ] والسلام ، يشاورهم في الحروب ونحوها ، ليطيب بذلك قلوبهم . وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] الوفاة حين طعن ، جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر ، وهم : عثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وعبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنهم أجمعين ، فاجتمع رأي الصحابة كلهم على تقديم عثمان عليهم ، رضي الله عنهم ، ( { ومما رزقناهم ينفقون } ) وذلك بالإحسان إلى خلق الله ، الأقرب إليهم منهم فالأقرب .

وقوله : ( { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ) أي : فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم ، ليسوا بعاجزين ولا أذلة ، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم ، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا ، كما قال يوسف ، عليه السلام ، لإخوته : ( { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم [ وهو أرحم الراحمين ] } ) [ يوسف : 92 ] ، مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه ، وكما عفا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ، ونزلوا من جبل التنعيم ، فلما قدر عليهم من عليهم مع قدرته على الانتقام ، وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث ، الذي أراد الفتك به [ عليه السلام ] حين اخترط سيفه وهو نائم ، فاستيقظ ، عليه السلام ، وهو في يده صلتا ، فانتهره فوضعه من يده ، وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السيف من يده ، ودعا أصحابه ، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل ، وعفا عنه . وكذلك عفا عن لبيد بن الأعصم ، الذي سحره ، عليه السلام ، ومع هذا لم يعرض له ، ولا عاتبه ، مع قدرته عليه . وكذلك عفوه ، عليه السلام ، عن المرأة اليهودية - وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمود بن مسلمة - التي سمت الذراع يوم خيبر ، فأخبره الذراع بذلك ، فدعاها فاعترفت فقال : ( " ما حملك على ذلك ) " قالت : أردت إن كنت نبيا لم يضرك ، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك ، فأطلقها ، عليه الصلاة والسلام ، ولكن لما مات منه بشر بن البراء قتلها به ، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا ، والحمد لله .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 7-7 , الصفحة 211
counter free hit invisible