<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت { حم } { عسق } [ أي سورة الشورى ] بمكة . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله ، وكذا قال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر .

وروي عن ابن عباس ، وقتادة أنها مكية إلا أربع آيات منها أنزلت بالمدينة { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } [ الشورى : 23 26 ] إلى آخرها .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، ونعيم بن حماد والخطيب عن أرطاة بن المنذر قال : جاء رجل إلى ابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان فقال : أخبرني عن تفسير { حم } { عسق } ، فأعرض عنه ، ثم كرر مقالته فأعرض عنه وكرر مقالته ، ثم كررها الثالثة فلم يجبه ، فقال له حذيفة : أنا أنبئك بها لم كرهها ؟ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد إله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق ، يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا ، يجتمع فيهما كل جبار عنيد ، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث الله على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها ، وتصبح صاحبتها متعجبة كيف افتلتت ، فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم ، ثم يخسف الله بها وبهم جميعا ، فذلك قوله : { حم } { عسق } يعني : عزيمة من الله وفتنة وقضاء جمع يعني : عدلا منه ، سين : يعني سيكون ، ق لهاتين المدينتين .

أقول : هذا الحديث لا يصح ولا يثبت وما أظنه إلا من الموضوعات المكذوبات ، والحامل لواضعه عليه ما يقع لكثير من الناس من عداوة الدول والحط من شأنهم والإزراء عليهم .

وأخرج أبو يعلى وابن عساكر قال السيوطي بسند ضعيف : قلت : بل بسند موضوع ومتن مكذوب عن أبي معاوية قال : صعد عمر بن الخطاب المنبر فقال : أيها الناس هل سمع منكم أحد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يفسر { حم } { عسق } فوثب ابن عباس فقال : إن حم اسم من أسماء الله ، قال : فعين قال : عاين المذكور عذاب يوم بدر ، قال : فسين ، قال : { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } [ الشعراء : 227 ] قال : فقاف فسكت ، فقام أبو ذر ففسر كما قال ابن العباس وقال : قاف قارعة من السماء تصيب الناس .

قال ابن كثير في الحديث الأول : إنه غريب عجيب منكر ، وفي الحديث الثاني : إنه أغرب من الحديث الأول . وعندي أنهما موضوعان مكذوبان .

بسم الله الرحمن الرحيم { حم } { عسق } { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } { له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم } { تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم } { والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير } { ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } { أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب } { فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } { له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم }

قوله : { حم } { عسق } قد تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح ، وسئل الحسن بن الفضل لم قطع { حم } { عسق } ولم يقطع { كهيعص } فقال : لأنها سور أولها حم فجرت مجرى نظائرها ، فكأن حم مبتدأ وعسق خبره ، ولأنهما عدا آيتين . وأخواتهما مثل : كهيعص والمر والمص آية واحدة .

وقيل : لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير ، واختلفوا في حم فقيل : معناها حم أي : قضى كما تقدم .

وقيل : إن ح حلمه وم مجده ، وع علمه ، وس سناه ، وق قدرته ، أقسم الله بها .

وقيل غير ذلك مما هو متكلف متعسف لم يدل عليه دليل ولا جاءت به حجة ولا شبهة حجة ، وقد ذكرنا قبل هذا ما روي في ذلك مما لا أصل له ، والحق ما قدمناه لك في فاتحة سورة البقرة .

وقيل : هما اسمان للسورة ، وقيل : اسم واحد لها ، فعلى الأول يكونان خبرين لمبتدأ محذوف ، وعلى الثاني يكون خبرا لذلك المبتدأ المحذوف .

وقرأ ابن مسعود وابن عباس " حم سق " .

{ كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } هذا كلام مستأنف غير متعلق بما قبله أي : مثل ذلك الإيحاء الذي أوحي إلى سائر الأنبياء من كتب الله المنزلة عليهم المشتملة على الدعوة إلى التوحيد والبعث يوحى إليك يا محمد في هذه السورة .

وقيل : إن حم عسق أوحيت إلى من قبله من الأنبياء ، فتكون الإشارة بقوله كذلك إليها .

قرأ الجمهور " يوحي " بكسر الحاء مبنيا للفاعل وهو الله . وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن بفتحها مبنيا للمفعول ، والقائم مقام الفاعل ضمير مستتر يعود على كذلك ، والتقدير : مثل ذلك الإيحاء يوحي هو إليك ، أو القائم مقام الفاعل إليك ، أو الجملة المذكورة أي : يوحى إليك هذا اللفظ أو القرآن أو مصدر يوحي ، وارتفاع الاسم الشريف على أنه فاعل لفعل محذوف كأنه قيل : من يوحي ؟ فقيل : الله العزيز الحكيم .

وأما قراءة الجمهور فهي واضحة اللفظ والمعنى ، وقد تقدم مثل هذا في قوله : { يسبح له فيها بالغدو والآصال } { رجال } [ النور : 37 ، 36 ] وقرأ أبو حيوة ، والأعمش وأبان " نوحي " بالنون فيكون قوله : { الله العزيز الحكيم } في محل نصب ، والمعنى : نوحي إليك هذا اللفظ .

{ له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم } ذكر - سبحانه - لنفسه هذا الوصف وهو ملك جميع ما في السماوات والأرض لدلالته على كمال قدرته ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته .

{ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } قرأ الجمهور تكاد بالفوقية ، وكذلك تتفطرن قرءوه بالفوقية مع تشديد الطاء . وقرأ نافع والكسائي ، وابن وثاب تكاد السماوات يتفطرن بالتحتية فيهما ، وقرأ أبو عمرو والمفضل ، وأبو بكر وأبو عبيد يتفطرن بالتحتية والنون من الانفطار كقوله { إذا السماء انفطرت } والتفطر : التشقق . قال الضحاك والسدي : يتفطرن يتشققن من عظمة الله وجلاله من فوقهن .

وقيل : المعنى : تكاد كل واحدة منها تتفطر فوق التي تليها من قول المشركين اتخذ الله ولدا ، وقيل : من فوقهن : من فوق الأرضين ، والأول أولى .

ومن في { من فوقهن } لابتداء الغاية أي : يبتدئ التفطر من جهة الفوق .

وقال الأخفش الصغير : إن الضمير يعود إلى جماعات الكفار أي : من فوق جماعات الكفار وهو بعيد جدا ، ووجه تخصيص جهة الفوق أنها أقرب إلى الآيات العظيمة والمصنوعات الباهرة ، أو على طريق المبالغة كأن كلمة الكفار مع كونها جاءت من جهة التحت أثرت في جهة الفوق ، فتأثيرها في جهة التحت بالأولى { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } أي : ينزهونه عما لا يليق به ولا يجوز عليه متلبسين بحمده .

وقيل : إن التسبيح موضوع موضع التعجب أي : يتعجبون من جراءة المشركين على الله .

وقيل : معنى بحمد ربهم بأمر ربهم قاله السدي { ويستغفرون لمن في الأرض } من عباد الله المؤمنين .

كما في قوله { ويستغفرون للذين آمنوا } [ غافر : 7 ] وقيل : الاستغفار منهم بمعنى السعي فيما يستدعي المغفرة لهم وتأخير عقوبتهم طمعا في إيمان الكافر وتوبة الفاسق ، فتكون الآية عامة كما هو ظاهر اللفظ غير خاصة بالمؤمنين وإن كانوا داخلين فيها دخولا أوليا { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } أي : كثير المغفرة والرحمة لأهل طاعته وأوليائه أو لجميع عباده فإن تأخير عقوبة الكفار والعصاة نوع من أنواع مغفرته ورحمته .

{ والذين اتخذوا من دونه أولياء } أي : أصناما يعبدونها { الله حفيظ عليهم } أي : يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها { وما أنت عليهم بوكيل } أي : لم يوكلك بهم حتى تؤاخذ بذنوبهم ، ولا وكل إليك هدايتهم ، وإنما عليك البلاغ قيل : وهذه الآية منسوخة بآية السيف .

{ وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } أي : مثل ذلك الإيحاء أوحينا إليك ، وقرآنا مفعول أوحينا ، والمعنى : أنزلنا عليك قرآنا عربيا بلسان قومك كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه { لتنذر أم القرى } وهي مكة ، والمراد أهلها ومن حولها من الناس والمفعول الثاني محذوف أي : لتنذرهم العذاب { وتنذر يوم الجمع } أي : ولتنذر بيوم الجمع : وهو يوم القيامة لأنه مجمع الخلائق .

وقيل : المراد : جمع الأرواح بالأجساد ، وقيل : جمع الظالم والمظلوم ، وقيل : جمع العامل والعمل { لا ريب فيه } أي : لا شك فيه ، والجملة معترضة مقررة لما قبلها أو صفة ليوم الجمع أو حال منه { فريق في الجنة وفريق في السعير } قرأ الجمهور برفع فريق في الموضعين ، إما على أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور ، وساغ الابتداء بالنكرة لأن المقام مقام تفصيل ، أو على أن الخبر مقدر قبله أي : منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير ، أو أنه خبر مبتدأ محذوف وهو ضمير عائد إلى المجموعين المدلول عليهم بذكر الجمع أي : هم فريق في الجنة وفريق في السعير .

وقرأ زيد بن علي " فريقا " بالنصب في الموضعين على الحال من جملة محذوفة أي : افترقوا حال كونهم كذلك ، وأجاز الفراء والكسائي النصب على تقدير : لتنذر فريقا .

{ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة } قال الضحاك : أهل دين واحد ، إما على هدى وإما على ضلالة ، ولكنهم افترقوا على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية ، وهو معنى قوله : { ولكن يدخل من يشاء في رحمته } في الدين الحق : وهو الإسلام { والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } أي : المشركون ما لهم من ولي يدفع عنهم العذاب ، ولا نصير ينصرهم في ذلك المقام ، ومثل هذا قوله : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } [ الأنعام : 35 ] وقوله : { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } [ السجدة : 13 ] وهاهنا مخاصمات بين المتمذهبين المحامين على ما درج عليه أسلافهم فدبوا عليه من بعدهم وليس بنا إلى ذكر شيء من ذلك فائدة كما هو عادتنا في تفسيرنا هذا ، فهو تفسير سلفي يمشي مع الحق ويدور مع مدلولات النظم الشريف ، وإنما يعرف ذلك من رسخ قدمه ، وتبرأ من التعصب قلبه ولحمه ودمه .

وجملة { أم اتخذوا من دونه أولياء } مستأنفة مقررة لما قبلها من انتفاء كون للظالمين وليا ونصيرا ، و أم هذه هي المنقطعة المقدرة ببل المفيدة للانتقال وبالهمزة المفيدة للإنكار أي : بل أأتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها ؟ { فالله هو الولي } أي : هو الحقيق بأن يتخذوه وليا ، فإنه الخالق الرازق الضار النافع ، وقيل : الفاء جواب شرط محذوف أي : إن أرادوا أن يتخذوا وليا في الحقيقة فالله هو الولي وهو أي ومن شأنه أنه { يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير } أي : يقدر على كل مقدور ، فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية وإفراده بالعبادة .

{ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } هذا عام في كل ما اختلف فيه العباد من أمر الدين .

فإن حكمه ومرجعه إلى الله يحكم فيه يوم القيامة بحكمه ويفصل خصومة المختصمين فيه ، وعند ذلك يظهر المحق من المبطل ، ويتميز فريق الجنة وفريق النار .

قال الكلبي : وما اختلفتم فيه من شيء أي : من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه .

وقال مقاتل : إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن وآمن به بعضهم فنزلت ، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

ويمكن أن يقال : معنى حكمه إلى الله : أنه مردود إلى كتابه ، فإنه قد اشتمل على الحكم بين عباده فيما يختلفون فيه فتكون الآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين أنه يرد إلى كتاب الله ، ومثله قوله : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [ النساء : 59 ] وقد حكم - سبحانه - بأن الدين هو الإسلام ، وأن القرآن حق ، وأن المؤمنين في الجنة والكافرين في النار ، ولكن لما كان الكفار لا يذعنون لكون ذلك حقا إلا في الدار الآخرة وعدهم الله بذلك يوم القيامة ذلكم الحاكم بهذا الحكم { الله ربي عليه توكلت } اعتمدت عليه في جميع أموري ، لا على غيره وفوضته في كل شئوني { وإليه أنيب } أي : أرجع في كل شيء يعرض لي لا إلى غيره { فاطر السماوات والأرض } قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر آخر ل ذلكم ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ وخبره ما بعده ، أو نعت لربي لأن الإضافة محضة ، ويكون { عليه توكلت وإليه أنيب } معترضا بين الصفة والموصوف .

وقرأ زيد بن علي " فاطر " بالجر على أنه نعت للاسم الشريف في قوله " إلى الله " وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في عليه أو إليه ، وأجاز الكسائي النصب على النداء وأجاز غيره على المدح ، والفاطر : الخالق المبدع ، وقد تقدم تحقيقه .

{ جعل لكم من أنفسكم أزواجا } أي : خلق لكم من جنسكم نساء ، أو المراد حواء لكونها خلقت من ضلع آدم .

وقال مجاهد : نسلا بعد نسل { ومن الأنعام أزواجا } أي : وخلق للأنعام من جنسها إناثا ، أو خلق لكم من الأنعام أصنافا من الذكور والإناث ، وهي الثمانية التي ذكرها في الأنعام { يذرؤكم فيه } أي : يبثكم فيه ، من الذرء : وهو البث ، أو يخلقكم وينشئكم ، والضمير في يذرؤكم للمخاطبين والأنعام إلا أنه غلب فيه العقلاء ، وضمير فيه راجع إلى الجعل المدلول عليه بالفعل ، وقيل : راجع إلى ما ذكر من التدبير .

وقال الفراء والزجاج وابن كيسان : معنى يذرؤكم فيه : يكثركم به أي : يكثركم بجعلكم أزواجا لأن ذلك سبب النسل .

وقال ابن قتيبة : يذرؤكم فيه : أي : في الزوج ، وقيل : في البطن ، وقيل : في الرحم { ليس كمثله شيء } المراد بذكر المثل هنا المبالغة في النفي بطريق الكناية ، فإنه إذا نفي عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى : كقولهم : مثلك لا يبخل ، وغيرك لا يجود ، وقيل : إن الكاف زائدة للتوكيد أي : ليس مثله شيء ، وقيل : إن مثل زائدة قاله ثعلب وغيره كما في قوله { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به } [ البقرة : 137 ] أي : بما آمنتم به ، ومنه قول أوس بن حجر : وقتلى كمثل جذوع النخي ل يغشاهم مطر منهمر

أي : كجذوع ، والأول أولى ، فإن الكناية باب مسلوك للعرب ومهيع مألوف لهم ، ومنه قول الشاعر : ليس كمثل الفتى زهير خلق يوازيه في الفضائل وقال آخر : على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن بات من ليلى على اليأس طاويا وقال آخر : سعد بن زيد إذا أبصرت فضلهم فما كمثلهم في الناس من أحد قال ابن قتيبة : العرب تقيم المثل مقام النفس ، فتقول : مثلي لا يقال له هذا ، أي : أنا لا يقال لي .

وقال أبو البقاء مرجحا لزيادة الكاف : إنها لو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال ، إذ يكون المعنى : أن له مثلا وليس لمثله مثل ، وفي ذلك تناقض ؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل ، وهو : هو مع أن إثبات المثل لله - سبحانه - محال ، وهذا تقرير حسن ، ولكنه يندفع ما أورده بما ذكرنا من كون الكلام خارجا مخرج الكناية ، ومن فهم هذه الآية الكريمة حق فهمها وتدبرها حق تدبرها مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة ، ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله : { وهو السميع البصير } فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي للمماثل قد اشتمل على برد اليقين وشفاء الصدور وانثلاج القلوب فاقدر يا طالب الحق قدر هذه الحجة النيرة والبرهان القوي ، فإنك تحطم بها كثيرا من البدع وتهشم بها رءوسا من الضلالة ، وترغم بها آناف طوائف من المتكلفين ، ولا سيما إذا ضممت إليه قول الله - سبحانه - : { ولا يحيطون به علما } [ طه : 110 ] فإنك حينئذ قد أخذت بطرفي حبل ما يسمونه علم الكلام وعلم أصول الدين : ودع عنك نهبا صيح في حجراته ولكن حديثا ما حديث الرواحل

{ له مقاليد السماوات والأرض } أي : خزائنهما أو مفاتيحهما ، وقد تقدم تحقيقه في سورة الزمر ، وهي جمع إقليد ، وهو المفتاح جمع على خلاف القياس . قال النحاس : والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن .

ثم لما ذكر - سبحانه - أن بيده مقاليد السماوات ذكر بعده البسط والقبض فقال : { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } أي : يوسعه لمن يشاء من خلقه ويضيقه على من يشاء { إنه بكل شيء } من الأشياء عليم فلا تخفى عليه خافية ، وإحاطة علمه بكل شيء يندرج تحتها علمه بطاعة المطيع ومعصية العاصي ، فهو يجازي كلا بما يستحقه من خير وشر .

وقد أخرج أحمد ، والترمذي وصححه ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال : ( خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وفي يده كتابان ، فقال : أتدرون ما هذان الكتابان ؟ قلنا لا ، إلا أن تخبرنا يا رسول الله ، قال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ، ثم قال للذي في شماله : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ، فقال أصحابه : ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه ؟ فقال : سددوا وقاربوا ، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل ، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل له قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بيديه فنبذهما ، ثم قال : فرغ ربكم من العباد { فريق في الجنة وفريق في السعير } ) .

قال الترمذي بعد إخراجه : حديث حسن صحيح غريب .

وروى ابن جرير طرفا منه عن ابن عمرو موقوفا عليه . قال ابن جرير : وهذا الموقوف أشبه بالصواب .

قلت : بل المرفوع أشبه بالصواب ، فقد رفعه الثقة ، ورفعه زيادة ثابتة من وجه صحيح . ويقوي الرفع ما أخرجه ابن مردويه عن البراء قال : ( خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في يده كتاب ينظر فيه قالوا : انظروا إليه كيف وهو أمي لا يقرأ ، قال : فعلمها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء قبائلهم لا يزاد منهم ولا ينقص منهم ، وقال : { فريق في الجنة وفريق في السعير } ، فرغ ربكم من أعمال العباد ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1322 - 1324
counter free hit invisible