<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

القول في تأويل قوله تعالى : ( { حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } ( 38 ) { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } ( 39 ) )

اختلفت القراء في قراءة قوله : ( { حتى إذا جاءنا } ) فقرأته عامة قراء الحجاز سوى ابن محيصن ، وبعض الكوفيين وبعض الشاميين " حتى إذا جاءنا " على التوحيد بمعنى : حتى إذا جاءنا هذا الذي عشي عن ذكر الرحمن ، وقرينه الذي قيض له من الشياطين . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وابن محيصن : ( { حتى إذا جاءنا } ) على التوحيد ، بمعنى : حتى إذا جاءنا هذا العاشي من بني آدم عن ذكر الرحمن .

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى وذلك أن في خبر الله تبارك وتعالى عن حال أحد الفريقين عند مقدمه عليه فيما أقرنا فيه في الدنيا ، الكفاية للسامع عن خبر الآخر ، إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلوما به خبر حال الآخر ، وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : حتى إذا جاءنا هو وقرينه جميعا .

وقوله : ( { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } ) يقول - تعالى ذكره - : قال أحد هذين القرينين لصاحبه الآخر : وددت أن بيني وبينك بعد المشرقين : أي بعد ما بين المشرق والمغرب ، فغلب اسم أحدهما على الآخر ، كما قيل : شبه القمرين ، وكما قال الشاعر ؟ أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع

وكما قال الآخر ؟ فبصرة الأزد منا والعراق لنا والموصلان ومنا مصر والحرم

يعني : الموصل والجزيرة ، فقال : الموصلان ، فغلب الموصل .

وقد قيل : عنى بقوله ( { بعد المشرقين } ) : مشرق الشتاء ، ومشرق الصيف ، وذلك أن الشمس تطلع في الشتاء من مشرق ، وفي الصيف من مشرق غيره؛ وكذلك المغرب تغرب في مغربين مختلفين ، كما قال - جل ثناؤه - : ( { رب المشرقين ورب المغربين } ) .

وذكر أن هذا قول أحدهما لصاحبه عند لزوم كل واحد منهما صاحبه حتى يورده جهنم .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن سعيد الجريري قال : بلغني أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره ، سفع بيده الشيطان ، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار ، فذلك حين يقول : { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ، فبئس القرين } . وأما المؤمن فيوكل به ملك فهو معه حتى قال : إما يفصل بين الناس ، أو نصير إلى ما شاء الله .

وقوله : ( { ولن ينفعكم اليوم } ) أيها العاشون عن ذكر الله في الدنيا ( { إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } ) يقول : لن يخفف عنكم اليوم من عذاب الله اشتراككم فيه ، لأن لكل واحد منكم نصيبه منه ، و " أن " من قوله ( أنكم ) في موضع رفع لما ذكرت أن معناه : لن ينفعكم اشتراككم .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 21-21 , الصفحة 606 - 607
counter free hit invisible