<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

القول في تأويل قوله تعالى : ( { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين } ( 52 ) { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين } ( 53 ) )

يقول - تعالى ذكره - مخبرا عن قيل فرعون لقومه بعد احتجاجه عليهم بملكه وسلطانه ، وبيان لسانه وتمام خلقه ، وفضل ما بينه وبين موسى بالصفات التي وصف بها نفسه وموسى : أنا خير أيها القوم ، وصفتي هذه الصفة التي وصفت لكم ( { أم هذا الذي هو مهين } ) لا شيء له من الملك والأموال مع العلة التي في جسده ، والآفة التي بلسانه ، فلا يكاد من أجلها يبين كلامه ؟ .

وقد اختلف في معنى قوله : ( أم ) في هذا الموضع ، فقال بعضهم : معناها : بل أنا خير ، وقالوا . ذلك خير ، لا استفهام .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد : قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : ( { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين } ) قال : بل أنا خير من هذا . وبنحو ذلك كان يقول بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة .

وقال بعض نحويي الكوفة ، هو من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله . قال : وإن شئت رددته على قوله : ( { أليس لي ملك مصر } ) ؟ وإذا وجه الكلام إلى أنه استفهام ، وجب أن يكون في الكلام محذوف استغني بذكر ما ذكر مما ترك ذكره ، ويكون معنى الكلام حينئذ : أنا خير أيها القوم من هذا الذي هو مهين ، أم هو ؟ .

وذكر عن بعض القراء أنه كان يقرأ ذلك " أما أنا خير " .

حدثنا بذلك عن الفراء قال : أخبرني بعض المشيخة أنه بلغه أن بعض القراء قرأ كذلك ، ولو كانت هذه القراءة قراءة مستفيضة في قراءة الأمصار لكانت صحيحة ، وكان معناها حسنا ، غير أنها خلاف ما عليه قراء الأمصار ، فلا أستجيز القراءة بها ، وعلى هذه القراءة لو صحت لا كلفة له في معناها ولا مؤنة .

والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار . وأولى التأويلات بالكلام إذ كان ذلك كذلك ، تأويل من جعل : أم أنا ( خير ) ؟ من الاستفهام الذي جعل بأم ، لاتصاله بما قبله من الكلام ، ووجهه إلى أنه بمعنى : أأنا خير من هذا الذي هو مهين ؟ أم هو ؟ ثم ترك ذكر أم هو ، لما في الكلام من الدليل عليه .

وعنى بقوله : ( { من هذا الذي هو مهين } ) : من هذا الذي هو ضعيف لقلة ماله ، وأنه ليس له من الملك والسلطان ما له .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين } ) قال : ضعيف .

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( { من هذا الذي هو مهين } ) قال : المهين : الضعيف .

وقوله : ( { ولا يكاد يبين } ) يقول : ولا يكاد يبين الكلام من عي لسانه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { ولا يكاد يبين } ) : أي عيي اللسان .

حدثنا محمد قال : ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( { ولا يكاد يبين } ) الكلام .

وقوله : ( { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب } ) يقول : فهلا ألقي على موسى إن كان صادقا أنه رسول رب العالمين أسورة من ذهب ، وهو جمع سوار ، وهو القلب الذي يجعل في اليد .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( { أسورة من ذهب } ) يقول : أقلبة من ذهب .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { أسورة من ذهب } ) : أي أقلبة من ذهب .

واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة والكوفة " فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب " . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه ( { أسورة من ذهب } ) .

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي ما عليه قرأة الأمصار ، وإن كانت الأخرى صحيحة المعنى .

واختلف أهل العربية في واحد الأساورة ، والأسورة ، فقال بعض نحويي البصرة : الأسورة جمع إسوار قال : والأساورة جمع الأسورة؛ وقال : ومن قرأ ذلك أساورة ، فإنه أراد أساوير والله أعلم ، فجعل الهاء عوضا من الياء ، مثل الزنادقة صارت الهاء فيها عوضا من الياء التي في زناديق . وقال بعض نحويي الكوفة : من قرأ ( أساورة ) جعل واحدها إسوارا؛ ومن قرأ ( أسورة ) جعل واحدها سوارا؛ وقال : قد تكون الأساورة جمع أسورة كما يقال في جمع الأسقية الأساقي ، وفي جمع الأكرع الأكارع . وقال آخر منهم قد قيل في سوار اليد : يجوز فيه أسوار وإسوار؛ قال : فيجوز على هذه اللغة أن يكون أساورة جمعه . وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : واحد الأساورة إسوار؛ قال : وتصديقه في قراءة أبي بن كعب " فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب " فإن كان ما حكي من الرواية من أنه يجوز أن يقال في سوار اليد إسوار ، فلا مؤنة في جمعه أساورة ، ولست أعلم ذلك صحيحا عن العرب برواية عنها ، وذلك أن المعروف في كلامهم من معنى الإسوار : الرجل الرامي ، الحاذق بالرمي من رجال العجم . وأما الذي يلبس في اليد ، فإن المعروف من أسمائه عندهم سوارا . فإذا كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بالأساورة أن يكون جمع أسورة على ما قاله الذي ذكرنا قوله في ذلك .

وقوله : ( { أو جاء معه الملائكة مقترنين } ) يقول : أو هلا إن كان صادقا جاء معه الملائكة مقترنين قد اقترن بعضهم ببعض ، فتتابعوا يشهدون له بأنه لله رسول إليهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في العبارة على تأويله ، فقال بعضهم : يمشون معا .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال أبو عاصم قال ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( { الملائكة مقترنين } ) قال : يمشون معا .

وقال آخرون : متتابعين .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا زيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { أو جاء معه الملائكة مقترنين } ) : أي متتابعين .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله .

وقال آخرون : يقارن بعضهم بعضا .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد قال ثنا أحمد قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( { أو جاء معه الملائكة مقترنين } ) قال : يقارن بعضهم بعضا .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 21-21 , الصفحة 618 - 621
counter free hit invisible