<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } القيل مصدر قال ، والأظهر أنه اسم مراد به المفعول ، أي المقول مثل الذبح وأصله : قول ، بكسر القاف وسكون الواو . والمعنى : ومقوله .

والضمير المضاف إليه " قيل " ضمير الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقرينة سياق الاستدلال والحجاج من قوله { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } ، وبقرينة قوله " يا رب " وبقرينة أنه قال { إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } وبقرينة إجابته بقوله { فاصفح عنهم وقل سلام } ، والأولى أن يكون ضمير الغائب التفاتا عن الخطاب في قوله { ولئن سألتهم من خلقهم } ، فإنه بعد ما مضى من المحاجة ومن حكاية إقرارهم بأن الله الذي خلقهم ، ثم إنهم لم يتزحزحوا عن الكفر قيد أنملة ، حصل اليأس للرسول من إيمانهم فقال { يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } التجاء إلى الله فيهم وتفويضا إليه ليجري حكمه عليهم .

وهذا من استعمال الخبر في التحسر أو الشكاية وهو خبر بمعنى الإنشاء مثل قوله تعالى { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا } ، أي لم يعملوا به فلم يؤمنوا ، ويؤيد هذا تفريع { فاصفح عنهم } ، ففي ضمير الغيبة التفات لأن الكلام كان جاريا على أسلوب الخطاب من قوله { ولئن سألتهم من خلقهم } فمقتضى الظاهر : وقولك : يا رب إلخ . ويحسن هذا الالتفات أنه حكاية لشيء في نفس الرسول فجعل الرسول بمنزلة الغائب لإظهار أن الله لا يهمل نداءه وشكواه على حد قوله تعالى { عبس وتولى } . وإضافة القيل إلى ضمير الرسول مشعرة بأنه تكرر منه وعرف به عند ربه ، أي عرف بهذا وبما في معناه من نحو { يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرءان مهجورا } وقوله { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } .

وقرأ الجمهور " وقيله " بنصب اللام على اعتبار أنه مصدر نصب على أنه مفعول مطلق بدل من فعله .

والتقدير : وقال : الرسول قيله ، والجملة معطوفة على جملة { ولئن سألتهم من خلقهم } أو على جملة فأنى يؤفكون ، أي وقال الرسول حينئذ يا رب إلخ . ونظيره قول كعب بن زهير : تمشي الوشاة جنابيها وقيلهم إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول

على رواية قيلهم ونصبه ، أي ويقولون : قيلهم وهي رواية الأصمعي .

ويجوز أن يكون النصب على المفعول به لقوله لا نسمع ، والتقدير : بلى ونعلم قيله وهذا اختيار الفراء والأخفش ، وقال المبرد والزجاج : هو منصوب بفعل مقدر دل عليه قوله { وعنده علم الساعة } أي ويعلم قيله . وقرأ عاصم وحمزة بجر لام قيله ويجوز في جره وجهان : أحدهما : أن يكون عطفا على الساعة في قوله { وعنده علم الساعة } أي وعلم قيل الرسول : يا رب ، وهو على هذا وعد للرسول بالنصر وتهديد لهم بالانتقام .

وثانيهما : أن تكون الواو للقسم ويكون جواب القسم جملة { إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } على أن الله أقسم بقول الرسول : يا رب ، تعظيما للرسول ولقيله الذي هو تفويض للرب وثقة به .

ومقول قيله هو يا رب فقط ، أي أقسم بنداء الرسول ربه نداء مضطر .

وذكر ابن هشام في شرح الكعبية عن أبي حاتم السجستاني : أن من جر فقوله بظن وتخليط ، وأنكره عليه ابن هشام لإمكان تخريج الجر على وجه صحيح .

وقد حذف بعد النداء ما نودي لأجله مما دل عليه مقام من أعيته الحيلة فيهم ففوض أمره إلى ربه فأقسم الله بتلك الكلمة على أنهم لا يؤمنون ولكن الله سينتقم منهم فلذلك قال فسوف تعلمون .

والإشارة بـ " هؤلاء " إلى المشركين من أهل مكة كما هي عادة القرآن غالبا ووصفهم بأنهم قوم لا يؤمنون ، أدل على تمكن عدم الإيمان منهم من أن يقول : هؤلاء لا يؤمنون .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 26-26 , الصفحة 272 - 273
counter free hit invisible