<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

القول في تأويل قوله تعالى : ( { حم } ( 1 ) { والكتاب المبين } ( 2 ) { إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين } ( 3 ) { فيها يفرق كل أمر حكيم } ( 4 ) { أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين } ( 5 ) { رحمة من ربك إنه هو السميع العليم } ( 6 ) )

قد تقدم بياننا في معنى قوله ( { حم والكتاب المبين } ) وقوله ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ) أقسم - جل ثناؤه - بهذا الكتاب أنه أنزله في ليلة مباركة .

واختلف أهل التأويل في تلك الليلة ، أي ليلة من ليالي السنة هي ؟ فقال بعضهم : هي ليلة القدر .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ) : ليلة القدر ، ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، ونزلت التوراة لست ليال مضت من رمضان ، ونزل الزبور لست عشرة مضت من رمضان ، ونزل الإنجيل لثمان عشرة مضت من رمضان ، ونزل الفرقان لأربع وعشرين مضت من رمضان .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في قوله ( { في ليلة مباركة } ) قال : هي ليلة القدر .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله - عز وجل - ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين } ) قال : تلك الليلة ليلة القدر ، أنزل الله هذا القرآن من أم الكتاب في ليلة القدر ، ثم أنزله على الأنبياء في الليالي والأيام ، وفي غير ليلة القدر .

وقال آخرون : بل هي ليلة النصف من شعبان .

والصواب من القول في ذلك قول من قال : عنى بها ليلة القدر ؛ لأن الله - جل ثناؤه - أخبر أن ذلك كذلك لقوله تعالى ( { إنا كنا منذرين } ) خلقنا بهذا الكتاب الذي أنزلناه في الليلة المباركة عقوبتنا أن تحل بمن كفر منهم ، فلم ينب إلى توحيدنا ، وإفراد الألوهة لنا .

وقوله ( { فيها يفرق كل أمر حكيم } ) اختلف أهل التأويل في هذه الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم نحو اختلافهم في الليلة المباركة ، وذلك أن الهاء التي في قوله ( فيها ) عائدة على الليلة المباركة ، فقال بعضهم : هي ليلة القدر ، يقضى فيها أمر السنة كلها من يموت ، ومن يولد ، ومن يعز ، ومن يذل ، وسائر أمور السنة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا مجاهد بن موسى قال : ثنا يزيد قال : أخبرنا ربيعة بن كلثوم قال : كنت عند الحسن فقال له رجل : يا أبا سعيد ليلة القدر في كل رمضان ؟ قال : إي والله ، إنها لفي كل رمضان ، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها .

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية قال : ثنا ربيعة بن كلثوم قال : قال رجل للحسن وأنا أسمع : أرأيت ليلة القدر ، أفي كل رمضان هي ؟ قال : نعم والله الذي لا إله إلا هو ، إنها لفي كل رمضان ، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ، يقضي الله كل أجل وخلق ورزق إلى مثلها .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال عبد الحميد بن سالم ، عن عمر مولى غفرة قال : يقال : ينسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها ؛ وذلك لأن الله - عز وجل - يقول : ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ) وقال ( { فيها يفرق كل أمر حكيم } ) قال : فتجد الرجل ينكح النساء ، ويغرس الغرس واسمه في الأموات .

حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان ، عن سلمة ، عن أبي مالك في قوله : ( { فيها يفرق كل أمر حكيم } ) قال : أمر السنة إلى السنة ما كان من خلق أو رزق أو أجل أو مصيبة ، أو نحو هذا .

قال : ثنا سفيان ، عن حبيب ، عن هلال بن يساف قال : كان يقال : انتظروا القضاء في شهر رمضان .

حدثنا الفضل بن الصباح قال : ثنا محمد بن فضيل ، عن حصين ، عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن في قوله ( { فيها يفرق كل أمر حكيم } ) قال : يدبر أمر السنة في ليلة القدر .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله ( { فيها يفرق كل أمر حكيم } ) قال : في ليلة القدر كل أمر يكون في السنة إلى السنة : الحياة والموت ، يقدر فيها المعايش والمصائب كلها .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ) ليلة القدر ( { فيها يفرق كل أمر حكيم } ) كنا نحدث أنه يفرق فيها أمر السنة إلى السنة .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قال : هي ليلة القدر فيها يقضى ما يكون من السنة إلى السنة .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن منصور قال : سألت مجاهدا فقلت : أرأيت دعاء أحدنا يقول : اللهم إن كان اسمي في السعداء ، فأثبته فيهم ، وإن كان في الأشقياء فامحه منهم ، واجعله بالسعداء ؟ فقال : حسن ، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك ، فسألته عن هذا الدعاء ، قال : ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم } ) قال : يقضى في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة ، ثم يقدم ما يشاء ، ويؤخر ما يشاء ، فأما كتاب السعادة والشقاء فهو ثابت لا يغير .

وقال آخرون : بل هي ليلة النصف من شعبان .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا الفضل بن الصباح ، والحسن بن عرفة قالا : ثنا الحسن بن إسماعيل البجلي ، عن محمد بن سوقة ، عن عكرمة في قول الله تبارك وتعالى ( { فيها يفرق كل أمر حكيم } ) قال : في ليلة النصف من شعبان يبرم فيه أمر السنة ، وتنسخ الأحياء من الأموات ، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد ، ولا ينقص منهم أحد .

حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس قال : ثنا أبي ، قال : ثنا الليث ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( " تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى " . )

حدثني محمد بن معمر قال : ثنا أبو هشام قال : ثنا عبد الواحد قال : ثنا عثمان بن حكيم قال : ثنا سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : إن الرجل ليمشي في الناس وقد رفع في الأموات . قال : ثم قرأ هذه الآية ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم } ) قال : ثم قال : يفرق فيها أمر الدنيا من السنة إلى السنة .

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : ذلك ليلة القدر لما قد تقدم من بياننا عن أن المعني بقوله ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ) ليلة القدر ، والهاء في قوله ( فيها ) من ذكر الليلة المباركة .

وعنى بقوله ( { فيها يفرق كل أمر حكيم } ) في هذه الليلة المباركة يقضى ويفصل كل أمر أحكمه الله تعالى في تلك السنة إلى مثلها من السنة الأخرى ، ووضع حكيم موضع محكم ، كما قال : ( { الم تلك آيات الكتاب الحكيم } ) يعني : المحكم .

وقوله ( { أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين } ) يقول - تعالى ذكره - : في هذه الليلة المباركة يفرق كل أمر حكيم ، أمرا من عندنا .

واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله ( أمرا ) فقال بعض نحويي الكوفة : نصب على : إنا أنزلناه أمرا ورحمة على الحال . وقال بعض نحويي البصرة : نصب على معنى يفرق كل أمر فرقا وأمرا . قال : وكذلك قوله ( { رحمة من ربك } ) قال : ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع مرسلين عليها ، فجعل الرحمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقوله ( { إنا كنا مرسلين } ) يقول - تعالى ذكره - : إنا كنا مرسلي رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى عبادنا رحمة من ربك يا محمد ( { إنه هو السميع العليم } ) يقول : إن الله - تبارك وتعالى - هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون فيما أنزلنا من كتابنا ، وأرسلنا من رسلنا إليهم ، وغير ذلك من منطقهم ومنطق غيرهم العليم بما تنطوي عليه ضمائرهم ، وغير ذلك من أمورهم وأمور غيرهم .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 22-22 , الصفحة 7 - 11
counter free hit invisible