<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

قال القرطبي هي مكية باتفاق إلا قوله : { إنا كاشفو العذاب } [ الدخان : 15 ] .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس ، وعبد الله بن الزبير أن سورة الدخان نزلت بمكة . وأخرج الترمذي ، والبيهقي في الشعب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك ) .

قال الترمذي بعد إخراجه : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وعمرو بن أبي خثعم ضعيف . قال البخاري : منكر الحديث .

وأخرج الترمذي ، ومحمد بن نصر ، وابن مردويه ، والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ ( حم ) الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفورا له ) .

قال الترمذي بعد إخراجه : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وهشام بن المقدام يضعف ، والحسن لم يسمع من أبي هريرة ، كذا قال أيوب ، ويونس بن عبيد ، وعلي بن زيد ، ويشهد له ما أخرجه ابن الضريس ، والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فذكره ، وما أخرجه ابن الضريس ، عن الحسن مرفوعا بنحوه ، وهو مرسل ، وما أخرجه الدارمي ، ومحمد بن نصر ، عن أبي رافع قال : من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفورا له وزوج من الحور العين .

وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( من قرأ سورة ( حم ) الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بها بيتا في الجنة ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { حم } { والكتاب المبين } { إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين } { فيها يفرق كل أمر حكيم } { أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين } { رحمة من ربك إنه هو السميع العليم } { رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } { لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين } { بل هم في شك يلعبون } { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } { يغشى الناس هذا عذاب أليم } { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } { أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين } { ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون } { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون } { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ( 16 )

قوله : { حم } { والكتاب المبين } قد تقدم - في السورتين المتقدمتين قبل هذه السورة - الكلام على هذا معنى وإعرابا . وقوله : { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } جواب القسم ، وإن جعلت الجواب ( حم ) كانت هذه الجملة مستأنفة ، وقد أنكر بعض النحويين أن تكون هذه الجملة جوابا للقسم لأنها صفة للمقسم به ولا تكون صفة المقسم به جوابا للقسم ، وقال : الجواب { إنا كنا منذرين } ، واختاره ابن عطية ، وقيل : إن قوله : { إنا كنا منذرين } جواب ثان ، أو جملة مستأنفة مقررة للإنزال ، وفي حكم العلة له كأنه قال : إنا أنزلناه لأن من شأننا الإنذار ، والضمير في أنزلناه راجع إلى الكتاب المبين وهو القرآن .

وقيل : المراد بالكتاب سائر الكتب المنزلة ، والضمير في ( أنزلناه ) راجع إلى القرآن على معنى أنه - سبحانه - أقسم بسائر الكتب المنزلة أنه أنزل القرآن ، والأول أولى .

والليلة المباركة : ليلة القدر كما في قوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } [ القدر : 1 ] ولها أربعة أسماء : الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصك ، وليلة القدر . قال عكرمة : الليلة المباركة هنا ليلة النصف من شعبان . وقال قتادة : أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ، ثم أنزله الله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة ، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا في البقرة عند قوله : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } [ البقرة : 185 ] وقال مقاتل : كان ينزل من اللوح كل ليلة قدر من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل في السنة إلى مثلها من العام ووصف الله - سبحانه - هذه الليلة بأنها مباركة لنزول القرآن فيها وهو مشتمل على مصالح الدين والدنيا ، ولكونها تتنزل فيها الملائكة والروح كما سيأتي في سورة القدر .

ومن جملة بركتها ما ذكره الله - سبحانه - هاهنا بقوله : { فيها يفرق كل أمر حكيم } ومعنى يفرق : يفصل ويبين من قولهم : فرقت الشيء أفرقه فرقا ، والأمر الحكيم : المحكم ، وذلك أن الله - سبحانه - يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة ، وموت ، وبسط ، وقبض ، وخير ، وشر ، وغير ذلك ، كذا قال مجاهد ، وقتادة ، والحسن ، وغيرهم : وهذه الجملة إما صفة أخرى لليلة وما بينهما اعتراض ، أو مستأنفة لتقرير ما قبلها .

قرأ الجمهور يفرق بضم الياء وفتح الراء مخففا ، وقرأ الحسن ، والأعمش ، والأعرج بفتح الياء وضم الراء ونصب ( كل أمر ) ورفع ( حكيم ) على أنه الفاعل .

والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان ؛ لأن الله - سبحانه - أجملها هنا وبينها في سورة البقرة بقوله : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } [ البقرة : 185 ] ، وبقوله في سورة القدر : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } [ القدر : 1 ] فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف ولا ما يقتضي الاشتباه .

{ أمرا من عندنا } قال الزجاج والفراء : انتصاب أمرا بـ ( يفرق ) أي : يفرق فرقا ؛ لأن أمرا بمعنى فرقا .

والمعنى : إنا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ ، فهو على هذا منتصب على المصدرية مثل قولك : يضرب ضربا . قال المبرد : أمرا في موضع المصدر ، والتقدير : أنزلناه إنزالا . وقال الأخفش : انتصابه على الحال أي : آمرين . وقيل : هو منصوب على الاختصاص أي : أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا ، وفيه تفخيم لشأن القرآن وتعظيم له .

وقد ذكر بعض أهل العلم في انتصاب أمرا اثني عشر وجها ، أظهرها ما ذكرناه .

وقرأ زيد بن علي ( أمر ) بالرفع : أي : هو أمر { إنا كنا مرسلين } هذه الجملة إما بدل من قوله : { إنا كنا منذرين } أو جواب ثالث للقسم ، أو مستأنفة .

قال الرازي : المعنى : إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا كنا مرسلين للأنبياء .

{ رحمة من ربك } انتصاب رحمة على العلة أي : أنزلناه للرحمة ، قاله الزجاج .

وقال المبرد : إنها منتصبة على أنها مفعول لمرسلين أي : إنا كنا مرسلين رحمة . وقيل : هي مصدر في موضع الحال أي : راحمين ، قاله الأخفش . وقرأ الحسن ( رحمة ) بالرفع على تقدير : هي رحمة { إنه هو السميع } لمن دعاه العليم بكل شيء .

ثم وصف - سبحانه - نفسه بما يدل على عظيم قدرته الباهرة ، فقال : { رب السماوات والأرض وما بينهما } قرأ الجمهور ( رب ) بالرفع عطفا على { السميع العليم } ، أو على أنه مبتدأ ، وخبره ( لا إله إلا هو ) ، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي : هو رب ، وقرأ الكوفيون رب بالجر على أنه بدل من ربك ، أو بيان له أو نعت { إن كنتم موقنين } بأنه رب السماوات والأرض وما بينهما ، وقد أقروه بذلك كما حكاه الله عنهم في غير موضع .

وجملة لا إله إلا هو مستأنفة مقررة لما قبلها ، أو خبر ( رب السماوات ) كما مر ، وكذلك جملة { يحيي ويميت } فإنها مستأنفة مقررة لما قبلها { ربكم ورب آبائكم الأولين } قرأ الجمهور بالرفع على الاستئناف بتقدير مبتدأ أي : هو ربكم ، أو على أنه بدل من ( رب السماوات ) ، أو بيان أو نعت له ، وقرأ الكسائي في رواية الشيرازي عنه ، وابن محيصن ، وابن أبي إسحاق ، وأبو حيوة ، والحسن بالجر ، ووجه الجر ما ذكرناه في قراءة من قرأ بالجر في رب السماوات .

{ بل هم في شك يلعبون } أضرب عن كونهم موقنين إلى كونهم في شك من التوحيد والبعث ، وفي إقرارهم بأن الله خالقهم ، وخالق سائر المخلوقات ، وأن ذلك منهم على طريقة اللعب والهزو ، ومحل ( يلعبون ) الرفع على أنه خبر ثان ، أو النصب على الحال .

{ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ؛ لأن كونهم في شك ولعب يقتضي ذلك ، والمعنى : فانتظر لهم يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين ، وقيل : المعنى : احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين .

وقد اختلف في هذا الدخان المذكور في الآية متى يأتي ؟ فقيل : إنه من أشراط الساعة ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوما .

وقد ثبت في الصحيح أنه من جملة العشر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة ، وقيل : إنه أمر قد مضى ، وهو ما أصاب قريشا بدعاء النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا ، وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما : وذلك حين دعا عليهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بسنين كسني يوسف ، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام ، وكان الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد ، وقيل : إنه يوم فتح مكة ، وسيأتي في آخر البحث بيان ما يدل على هذه الأقوال .

وقوله : { يغشى الناس } صفة ثانية لدخان أي : يشملهم ويحيط بهم { هذا عذاب أليم } أي : يقولون هذا عذاب أليم ، أو قائلين ذلك ، أو يقول الله لهم ذلك .

{ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } أي : يقولون ذلك ، وقد روي أنهم أتوا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وقالوا : إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا ، والمراد بالعذاب الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من الدخان ، أو يقولونه إذا رأوا الدخان الذي هو من آيات الساعة ، أو إذا رأوه يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال .

والراجح منها أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل بهم من الجهد وشدة الجوع ، ولا ينافي ترجيح هذا ما ورد أن الدخان من آيات الساعة ، فإن ذلك دخان آخر ولا ينافيه أيضا ما قيل : إنه الذي كان يوم فتح مكة ، فإنه دخان آخر على تقدير صحة وقوعه .

{ أنى لهم الذكرى } أي : كيف يتذكرون ويتعظون بما نزل بهم ، " و " الحال أن قد جاءهم رسول مبين يبين لهم كل شيء يحتاجون إليه من أمر الدين والدنيا .

{ ثم تولوا عنه } أي : أعرضوا عن ذلك الرسول الذي جاءهم ولم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه ، بل جاوزوه { وقالوا معلم مجنون } أي : قالوا : إنما يعلمه القرآن بشر ، وقالوا إنه مجنون ، فكيف يتذكر هؤلاء وأنى لهم الذكرى .

ثم لما دعوا الله بأن يكشف عنهم العذاب وأنه إذا كشفه عنهم آمنوا أجاب - سبحانه - عليهم بقوله : { إنا كاشفوا العذاب قليلا } أي : إنا نكشفه عنهم كشفا قليلا أو زمانا قليلا ، ثم أخبر الله - سبحانه - عنهم أنهم لا ينزجرون عما كانوا عليه من الشرك ، ولا يفون بما وعدوه به من الإيمان ، فقال : { إنكم عائدون } أي : إلى ما كنتم عليه من الشرك ، وقد كان الأمر هكذا ، فإن الله - سبحانه - لما كشف عنهم ذلك العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعناد ، وقيل : المعنى : إنكم عائدون إلينا بالبعث والنشور ، والأول أولى .

{ يوم نبطش البطشة الكبرى } الظرف منصوب بإضمار اذكر ، وقيل : هو بدل من { يوم تأتي السماء } ، وقيل : هو متعلق بـ منتقمون ، وقيل : بما دل عليه منتقمون وهو ننتقم .

والبطشة الكبرى : هي يوم بدر ، قاله الأكثر .

والمعنى : أنهم لما عادوا إلى التكذيب والكفر بعد رفع العذاب عنهم انتقم الله منهم بوقعة بدر .

وقال الحسن ، وعكرمة : المراد بها عذاب النار ، واختار هذا الزجاج : والأول أولى .

قرأ الجمهور ( نبطش ) بفتح النون وكسر الطاء أي : نبطش بهم ، وقرأ الحسن ، وأبو جعفر بضم الطاء وهي لغة ، وقرأ أبو رجاء ، وطلحة بضم النون وكسر الطاء .

وقد أخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس { في ليلة مباركة } قال : أنزل القرآن في ليلة القدر ، ونزل به جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نجوما لجواب الناس .

وأخرج محمد بن نصر ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عنه في قوله : { فيها يفرق كل أمر حكيم } قال : يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق وموت ، وحياة ومطر ، حتى يكتب الحاج : يحج فلان ، ويحج فلان .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عمر { فيها يفرق كل أمر حكيم } قال : أمر السنة إلى السنة إلا الشقاء والسعادة ، فإنه في كتاب الله لا يبدل ولا يغير .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم ، وصححه ، والبيهقي في الشعب قال : إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق ، وقد وقع اسمه في الموتى ، ثم قرأ { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } الآية ، يعني ليلة القدر ، قال : ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل من موت ، أو حياة ، أو رزق ، كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة إلى مثلها .

وأخرج ابن زنجويه ، والديلمي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ( تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان ، حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى ) .

وأخرجه ابن أبي الدنيا ، وابن جرير ، عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس ، وهذا مرسل ، ولا تقوم به حجة ، ولا تعارض بمثله صرائح القرآن .

وما روي في هذا فهو إما مرسل أو غير صحيح .

وقد أورد ذلك صاحب الدر المنثور ، وأورد ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان ، وذلك لا يستلزم أنها المراد بقوله في ليلة مباركة .

وأخرج البخاري ، ومسلم ، وغيرهما عن ابن مسعود ( أن قريشا لما استعصت على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبطئوا عن الإسلام قال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام ، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع ، فأنزل الله { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } الآية ، فأتي النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقيل : يا رسول الله ، استسق الله لمضر ، فاستسقى لهم فسقوا ، فأنزل الله { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم ، فأنزل الله { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } فانتقم الله منهم يوم بدر ، فقد مضى البطشة ، والدخان ، واللزام ) .

وقد روي عن ابن مسعود نحو هذا من غير وجه ، وروي نحوه عن جماعة من التابعين .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم عن ابن أبي مليكة قال : دخلت على ابن عباس فقال : لم أنم هذه الليلة ، فقلت لم ؟ قال : طلع الكوكب ، فخشيت أن يطرق الدخان .

قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح ، وكذا صححه السيوطي ولكن ليس فيه أنه سبب نزول الآية .

وقد عرفناك أنه لا منافاة بين كون هذه الآية نازلة في الدخان الذي كان يتراءى لقريش من الجوع ، وبين كون الدخان من آيات الساعة وعلاماتها وأشراطها .

فقد وردت أحاديث صحاح ، وحسان ، وضعاف بذلك ، وليس فيها أنه سبب نزول الآية ، فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها ، والواجب التمسك بما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن دخان قريش عند الجهد والجوع هو سبب النزول ، وبهذا تعرف اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان الذي هو من أشراط الساعة كابن كثير في تفسيره ، وغيره ، وهكذا يندفع قول من قال إنه الدخان الكائن يوم فتح مكة متمسكا بما أخرجه ابن سعد ، عن أبي هريرة قال : كان يوم فتح مكة دخان ، وهو قول الله { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } فإن هذا لا يعارض ما في الصحيحين على تقدير صحة إسناده مع احتمال أن يكون أبو هريرة - رضي الله عنه - ظن من وقوع ذلك الدخان يوم الفتح أنه المراد بالآية ، ولهذا لم يصرح بأنه سبب نزولها .

وأخرج ابن جرير ، عن عكرمة قال : قال ابن عباس قال ابن مسعود : البطشة الكبرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة . قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح .

وقال ابن كثير قبل هذا : فسر ذلك ابن مسعود بيوم بدر ، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدخان بما تقدم ، وروي أيضا عن ابن عباس من رواية العوفي عنه ، وعن أبي بن كعب وجماعة وهو محتمل .

والظاهر أن ذلك يوم القيامة وإن كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضا انتهى .

قلت : بل الظاهر أنه يوم بدر ، وإن كان يوم القيامة يوم بطشة أكبر من كل بطشة ، فإن السياق مع قريش ، فتفسيره بالبطشة الخاصة بهم أولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل عاص من الإنس والجن .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1349 - 1351
counter free hit invisible