<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية كلها في قول الحسن ، وجابر ، وعكرمة .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس ، وابن الزبير أنها نزلت بمكة ، وروي عن ابن عباس ، وقتادة أنهما قالا : إلا آية منها ، وهي قوله : ( { للذين آمنوا } ) إلى ( { أيام الله } ) [ الجاثية : 14 ] فإنها نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب كما سيأتي .

بسم الله الرحمن الرحيم { حم } { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } { إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } { وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون } { واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون } { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } { ويل لكل أفاك أثيم } { يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم } { وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين } { من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم } { هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم } { الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون } ( 15 ) قوله : حم قد تقدم الكلام في هذه الفاتحة وفي إعرابها في فاتحة سورة غافر وما بعدها ، فإن جعل اسما للسورة فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ ، وإن جعل حروفا مسرودة على نمط التعديد فلا محل له .

وقوله : { تنزيل الكتاب } على الوجه الأول خبر ثان ، وعلى الوجه الثاني خبر المبتدأ ، وعلى الوجه الثالث خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ وخبره { من الله العزيز الحكيم } .

ثم أخبر - سبحانه - بما يدل على قدرته الباهرة فقال : { إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } أي : فيها نفسها فإنها من فنون الآيات أو في خلقها .

قال الزجاج : ويدل على أن المعنى في خلق السماوات والأرض قوله : { وفي خلقكم } أي : في خلقكم أنفسكم على أطوار مختلفة .

قال مقاتل : من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانا { وما يبث من دابة آيات } أي : وفي خلق ما يبث من دابة ، وارتفاع آيات على أنها مبتدأ مؤخر وخبره الظرف قبله ، وبالرفع قرأ الجمهور ، وقرأ حمزة والكسائي ( آيات ) بالنصب عطفا على اسم إن ، والخبر قوله : { وفي خلقكم } كأنه قيل : وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات ، أو على أنها تأكيد لآيات الأولى .

وقرأ الجمهور أيضا آيات لقوم يعلمون بالرفع ، وقرأ حمزة والكسائي بنصبها مع اتفاقهم على الجر في اختلاف ، أما جر اختلاف فهو على تقدير حرف الجر أي : " و " في اختلاف الليل والنهار آيات ، فمن رفع ( آيات ) فعلى أنها مبتدأ ، وخبرها : في اختلاف ، وأما النصب فهو من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين .

قال الفراء : الرفع على الاستئناف بعد إن ، تقول العرب : إن لي عليك مالا وعلى أخيك مال ، ينصبون الثاني ويرفعونه وللنحاة في هذا الموضع كلام طويل .

والبحث في مسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين وحجج المجوزين له وجوابات المانعين له مقرر في علم النحو مبسوط في مطولاته .

ومعنى { وما يبث من دابة } ما يفرقه وينشره .

{ واختلاف الليل والنهار } تعاقبهما أو تفاوتهما في الطول والقصر ، وقوله : { وما أنزل الله من السماء من رزق } معطوف على ( اختلاف ) ، والرزق المطر ؛ لأنه سبب لكل ما يرزق الله العباد به ، وإحياء الأرض : إخراج نباتها ، وموتها خلوها عن النبات " و " معنى { تصريف الرياح } أنها تهب تارة من جهة ، وتارة من أخرى ، وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة ، وتارة نافعة وتارة ضارة .

{ تلك آيات الله نتلوها عليك } أي : هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه ، ومحل : ( نتلوها عليك ) النصب على الحال ، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر اسم الإشارة ، وآيات الله بيان له أو بدل منه ، وقوله : ( بالحق ) حال من فاعل ( نتلو ) ، أو من مفعوله أي : محقين ، أو ملتبسة بالحق ، ويجوز أن تكون الباء للسببية ، فتتعلق بنفس الفعل { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } أي : بعد حديث الله وبعد آياته ، وقيل : إن المقصود : فبأي حديث بعد آيات الله ، وذكر الاسم الشريف ليس إلا لقصد تعظيم الآيات ، فيكون من باب : أعجبني زيد ، وكرمه .

وقيل : المراد بعد حديث الله ، وهو القرآن كما في قوله : { الله نزل أحسن الحديث } [ الزمر : 23 ] وهو المراد بالآيات ، والعطف لمجرد التغاير العنواني .

قرأ الجمهور " تؤمنون " بالفوقية ، وقرأ حمزة ، والكسائي بالتحتية .

والمعنى : يؤمنون بأي حديث ، وإنما قدم عليه لأن الاستفهام له صدر الكلام .

{ ويل لكل أفاك أثيم } أي : لكل كذاب كثير الإثم مرتكب لما يوجبه ، والويل واد في جهنم .

ثم وصف هذا الأفاك بصفة أخرى فقال : { يسمع آيات الله تتلى عليه } وقيل : إن ( يسمع ) في محل نصب على الحال ، وقيل : استئناف ، والأول أولى ، وقوله : ( تتلى عليه ) في محل نصب على الحال ، ثم يصر على كفره ، ويقيم على ما كان عليه حال كونه مستكبرا أي : يتمادى على كفره متعظما في نفسه عن الانقياد للحق ، والإصرار مأخوذ من إصرار الحمار على العانة ، وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه .

قال مقاتل : إذا سمع من آيات القرآن شيئا اتخذها هزوا ، وجملة { كأن لم يسمعها } في محل نصب على الحال أو مستأنفة ، و " أن " هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف { فبشره بعذاب أليم } هذا من باب التهكم أي : فبشره على إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات بعذاب شديد الألم .

{ وإذا علم من آياتنا شيئا } قرأ الجمهور : ( علم ) بفتح العين وكسر اللام مخففة على البناء للفاعل . وقرأ قتادة ومطر الوراق على البناء للمفعول .

والمعنى : أنه إذا وصل إليه علم شيء من آيات الله اتخذها أي : الآيات هزوا ، وقيل : الضمير في ( اتخذها ) عائد إلى شيئا ؛ لأنه عبارة عن الآيات ، والأول أولى .

والإشارة بقوله : أولئك إلى كل أفاك متصف بتلك الصفات لهم عذاب مهين بسبب ما فعلوا من الإصرار ، والاستكبار عن سماع آيات الله ، واتخاذها هزوا ، والعذاب المهين هو المشتمل على الإذلال والفضيحة .

( { من ورائهم جهنم } ) أي : من وراء ما هم فيه من التعزز بالدنيا والتكبر عن الحق جهنم ، فإنها من قدامهم لأنهم متوجهون إليها ، وعبر بالوراء عن القدام ، كقوله : من ورائه جهنم [ إبراهيم : 16 ] وقول الشاعر : أليس ورائي إن تراخت منيتي

وقيل : جعلها باعتبار إعراضهم عنها كأنها خلفهم { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا } أي : لا يدفع عنهم ما كسبوا من أموالهم وأولادهم شيئا من عذاب الله ، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع { ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء } معطوف على ما كسبوا أي : ولا يغني عنهم ما اتخذوا من دون الله أولياء من الأصنام ، و " ما " في الموضعين إما مصدرية ، أو موصولة ، وزيادة " لا " في الجملة الثانية للتأكيد { ولهم عذاب عظيم } في جهنم التي هي من ورائهم .

( هذا هدى ) جملة مستأنفة من مبتدأ ، وخبر يعني : هذا القرآن هدى للمهتدين به { والذين كفروا بآيات ربهم } القرآنية { لهم عذاب من رجز أليم } الرجز أشد العذاب .

قرأ الجمهور ( أليم ) بالجر صفة للرجز . وقرأ ابن كثير ، وحفص ، وابن محيصن بالرفع صفة لعذاب .

{ الله الذي سخر لكم البحر } أي : جعله على صفة تتمكنون بها من الركوب عليه { لتجري الفلك فيه بأمره } أي : بإذنه وإقداره لكم { ولتبتغوا من فضله } بالتجارة تارة ، والغوص للدر ، والمعالجة للصيد ، وغير ذلك { ولعلكم تشكرون } أي : لكي تشكروا النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر .

{ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه } أي : سخر لعباده ما خلقه في سماواته وأرضه مما تتعلق به مصالحهم وتقوم به معايشهم .

ومما سخره لهم من مخلوقات السماوات : الشمس ، والقمر ، والنجوم النيرات ، والمطر ، والسحاب ، والرياح ، وانتصاب " جميعا " على الحال من ما في السماوات وما في الأرض ، أو تأكيد له ، وقوله : منه يجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة ل " جميعا " أي : كائنة منه ، ويجوز أن يتعلق بـ " سخر " ، ويجوز أن يكون حالا من " ما في السماوات " ، أو خبرا لمبتدأ محذوف .

والمعنى : أن كل ذلك رحمة منه لعباده إن في ذلك المذكور من التسخير { لآيات لقوم يتفكرون } وخص المتفكرين لأنه لا ينتفع بها إلا من تفكر فيها ، فإنه ينتقل من التفكر إلى الاستدلال بها على التوحيد .

{ قل للذين آمنوا يغفروا } أي : قل لهم اغفروا يغفروا { للذين لا يرجون أيام الله } وقيل : هو على حذف اللام ، والتقدير : قل لهم ليغفروا .

والمعنى : قل لهم يتجاوزوا عن الذين لا يرجون وقائع الله بأعدائه أي : لا يتوقعونها ، ومعنى الرجاء هنا الخوف ، وقيل : هو على معناه الحقيقي .

والمعنى : لا يرجون ثوابه في الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ، والأول أولى .

والأيام يعبر بها عن الوقائع كما تقدم في تفسير قوله : { وذكرهم بأيام الله } [ إبراهيم : 5 ] قال مقاتل : لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية ، وذلك أنهم لا يؤمنون به فلا يخافون عقابه .

وقيل : المعنى : لا يأملون نصر الله لأوليائه ، وإيقاعه بأعدائه ، وقيل : لا يخافون البعث .

قيل : والآية منسوخة بآية السيف { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } قرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي " لنجزي " بالنون أي : لنجزي نحن .

وقرأ باقي السبعة بالتحتية مبنيا للفاعل أي : ليجزي الله .

وقرأ أبو جعفر ، وشيبة ، وعاصم ، بالتحتية مبنيا للمفعول مع نصب " قوما " ، فقيل : النائب عن الفاعل مصدر الفعل أي : ليجزى الجزاء قوما ، وقيل : إن النائب الجار والمجرور كما في قول الشاعر : ولو ولدت فقيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا

وقد أجاز ذلك الأخفش ، والكوفيون ، ومنعه البصريون ، والجملة لتعليل الأمر بالمغفرة ، والمراد بالقوم : المؤمنون ، أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم القيامة بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار ، والإغضاء عنهم بكظم الغيظ ، واحتمال المكروه .

وقيل : المعنى : ليجزي الكفار بما عملوا من السيئات كأنه قال : لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن ، والأول أولى .

ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم فقال : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } والمعنى : أن عمل كل طائفة من إحسان أو إساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره وفيه ترغيب وتهديد { ثم إلى ربكم ترجعون } فيجازي كلا بعمله إن كان خيرا فخير ، وإن كان شرا فشر .

وقد أخرج عبد الرزاق ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( { جميعا منه } ) قال : منه النور والشمس والقمر .

وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : كل شيء هو من الله .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن طاوس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله : مم خلق الخلق ؟ قال : من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب ، قال : فمم خلق هؤلاء ؟ قال : لا أدري .

ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير ، فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو ، فأتى ابن عباس فسأله مم خلق الخلق ؟ فقال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب ، قال فمم خلق هؤلاء ؟ فقرأ ابن عباس { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه } فقال الرجل : ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه : عن ابن عباس في قوله : { قل للذين آمنوا يغفروا } الآية ، قال : كان نبي الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يعرض عن المشركين إذا آذوه ، وكانوا يستهزئون به ويكذبونه ، فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة ، فكان هذا من المنسوخ . { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين } { وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين } { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون } { وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون } { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون } { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( 26 ) قوله : { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة } المراد بالكتاب التوراة ، وبالحكم الفهم والفقه الذي يكون بهما الحكم بين الناس وفصل خصوماتهم ، وبالنبوة من بعثه الله من الأنبياء فيهم { ورزقناهم من الطيبات } أي : المستلذات التي أحلها الله لهم ، ومن ذلك المن والسلوى { وفضلناهم على العالمين } من أهل زمانهم حيث آتيناهم ما لم نؤت من عداهم من فلق البحر ونحوه .

وقد تقدم بيان هذا في سورة الدخان .

{ وآتيناهم بينات من الأمر } أي : شرائع واضحات في الحلال والحرام ، أو معجزات ظاهرات ، وقيل : العلم بمبعث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وشواهد نبوته ، وتعيين مهاجره { فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم } أي : فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلا بعد مجيء العلم إليهم ببيانه ، وإيضاح معناه ، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبا لثبوته ، وقيل : المراد بالعلم يوشع بن نون ، فإنه آمن به بعضهم وكفر بعضهم ، وقيل : نبوة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فاختلفوا فيها حسدا وبغيا ، وقيل : بغيا من بعضهم على بعض بطلب الرئاسة { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } من أمر الدين ، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .

{ ثم جعلناك على شريعة من الأمر } الشريعة في اللغة المذهب .

والملة والمنهاج ويقال : لمشرعة الماء وهي مورد شاربيه شريعة ، ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد ، فالمراد بالشريعة هنا ما شرعه الله لعباده من الدين ، والجمع شرائع أي : جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق فاتبعها فاعمل بأحكامها في أمتك { ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } توحيد الله وشرائعه لعباده ، وهم كفار قريش ومن وافقهم .

{ إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } أي : لا يدفعون عنك شيئا مما أراده الله بك إن اتبعت أهواءهم { وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض } أي : أنصار ينصر بعضهم بعضا قال ابن زيد : إن المنافقين أولياء اليهود { والله ولي المتقين } أي : ناصرهم ، والمراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك والمعاصي .

والإشارة بقوله : هذا ، إلى القرآن ، أو إلى اتباع الشريعة ، وهو مبتدأ ، وخبره " بصائر للناس " أي : براهين ، ودلائل لهم فيما يحتاجون إليه من أحكام الدين ، جعل ذلك بمنزلة البصائر في القلوب وقرئ " هذه بصائر " أي : هذه الآيات ؛ لأن القرآن بمعناها كما قال الشاعر : سائل بني أسد ما هذه الصوت

لأن الصوت بمعنى الصيحة ، ( وهدى ) أي : رشد ، وطريق يؤدي إلى الجنة لمن عمل به ، ورحمة من الله في الآخرة لقوم يوقنون أي : من شأنهم الإيقان وعدم الشك والتزلزل بالشبه .

{ أم حسب الذين اجترحوا السيئات } " أم " هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة ، وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني ، والهمزة لإنكار الحسبان ، والاجتراح الاكتساب ، ومنه الجوارح ، وقد تقدم في المائدة ، والجملة مستأنفة لبيان تباين حالي المسيئين ، والمحسنين ، وهو معنى قوله : { أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي : نسوي بينهم مع اجتراحهم السيئات ، وبين أهل الحسنات { سواء محياهم ومماتهم } في دار الدنيا وفي الآخرة ، كلا لا يستوون ، فإن حال أهل السعادة فيهما غير حال أهل الشقاوة .

وقيل : المراد إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة .

قرأ الجمهور " سواء " بالرفع على أنه خبر مقدم ، والمبتدأ " محياهم ومماتهم " ، والمعنى : إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص سواء بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله ( كالذين آمنوا ) ، أو على أنه مفعول ثان ل " حسب " ، واختار قراءة النصب أبو عبيد ، وقال معناه : نجعلهم سواء ، وقرأ الأعمش ، وعيسى بن عمر " مماتهم " بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم ، فلما سقط الخافض انتصب ، أو على البدل من مفعول نجعلهم بدل اشتمال { ساء ما يحكمون } أي : ساء حكمهم هذا الذي حكموا به .

{ وخلق الله السماوات والأرض بالحق } أي : بالحق المقتضي للعدل بين العباد ، ومحل " بالحق " النصب على الحال من الفاعل ، أو من المفعول ، أو الباء للسببية ، وقوله : { ولتجزى كل نفس بما كسبت } يجوز أن يكون على الحق ؛ لأن كلا منهما سبب ، فعطف السبب على السبب ، ويجوز أن يكون معطوفا على محذوف ، والتقدير : خلق الله السماوات والأرض ليدل بهما على قدرته ولتجزى ، ويجوز أن تكون اللام للصيرورة وهم لا يظلمون أي : النفوس المدلول عليها بكل نفس لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب .

ثم عجب - سبحانه - من حال الكفار ، فقال : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال الحسن ، وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه ، وقال عكرمة : يعبد ما يهواه أو يستحسنه ، فإذا استحسن شيئا وهواه اتخذه إلها .

قال سعيد بن جبير : كان أحدهم يعبد الحجر ، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر { وأضله الله على علم } أي : على علم قد علمه ، وقيل : المعنى : أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه ، وقال مقاتل : على علم منه أنه ضال لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضر .

قال الزجاج : على سوء في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه ، ومحل " على علم " النصب على الحال من الفاعل ، أو المفعول { وختم على سمعه وقلبه } أي : طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى { وجعل على بصره غشاوة } أي : غطاء حتى لا يبصر الرشد .

قرأ الجمهور ( غشاوة ) بالألف مع كسر الغين .

وقرأ حمزة ، والكسائي ( غشوة ) بغير ألف مع فتح الغين ، ومنه قول الشاعر : لئن كنت ألبستني غشوة لقد كنت أصغيتك الود حينا

وقرأ ابن مسعود ، والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين وهي لغة ربيعة .

وقرأ الحسن ، وعكرمة بضمها وهي لغة عكل { فمن يهديه من بعد الله } أي : من بعد إضلال الله له أفلا تذكرون تذكر اعتبار حتى تعلموا حقيقة الحال .

ثم بين - سبحانه - بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال : { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا } أي : ما الحياة إلا الحياة التي نحن فيها { نموت ونحيا } أي : يصيبنا الموت والحياة فيها ، وليس وراء ذلك حياة ، وقيل : نموت نحن ويحيا فيها أولادنا ، وقيل : نكون نطفا ميتة ، ثم نصير أحياء .

وقيل : في الآية تقديم وتأخير أي : نحيا ونموت وكذا قرأ ابن مسعود ، وعلى كل تقدير فمرادهم بهذه المقالة إنكار البعث ، وتكذيب الآخرة { وما يهلكنا إلا الدهر } أي : إلا مرور الأيام والليالي قال مجاهد : يعني السنين والأيام . وقال قتادة : إلا العمر ، والمعنى واحد . وقال قطرب : المعنى وما يهلكنا إلا الموت . وقال عكرمة : وما يهلكنا إلا الله .

{ وما لهم بذلك من علم } أي : ما قالوا هذه المقالة إلا شاكين غير عالمين بالحقيقة .

ثم بين كون ذلك صادرا منهم لا عن علم فقال : { إن هم إلا يظنون } أي : ما هم إلا قوم غاية ما عندهم الظن فما يتكلمون إلا به ، ولا يستندون إلا إليه .

{ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي : إذا تليت آيات القرآن على المشركين حال كونها بينات واضحات ظاهرة المعنى والدلالة على البعث { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين } أنا نبعث بعد الموت أي : ما كان لهم حجة ولا متمسك إلا هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شيء ، وإنما سماه حجة تهكما بهم .

قرأ الجمهور بنصب " حجتهم " على أنه خبر كان ، واسمهما { إلا أن قالوا } وقرأ زيد بن علي ، وعمرو بن عبيد ، وعبيد بن عمر برفع " حجتهم " على أنها اسم كان .

ثم أمر الله - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يرد عليهم ، فقال : ( { قل الله يحييكم } ) أي : في الدنيا ، ثم ( يميتكم ) عند انقضاء آجالكم { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة } بالبعث والنشور لا ريب فيه أي : في جمعكم ؛ لأن من قدر على ابتداء الخلق قدر على إعادته { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } بذلك ، فلهذا حصل معهم الشك في البعث ، وجاءوا في دفعه بما هو أوهن من بيت العنكبوت ، ولو نظروا حق النظر لحصلوا على العلم اليقين ، واندفع عنهم الريب وأراحوا أنفسهم من ورطة الشك والحيرة .

وقد أخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : { ثم جعلناك على شريعة من الأمر } يقول : على هدى من أمر دينه .

وأخرج ابن جرير ، عن مجاهد في قوله : { سواء محياهم ومماتهم } قال : المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن ، والكافر في الدنيا والآخرة كافر .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال : ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان { وأضله الله على علم } يقول : أضله في سابق علمه .

وأخرج النسائي ، وابن جرير وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه عنه قال : كان الرجل من العرب يعبد الحجر ، فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر ، فأنزل الله : { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : " كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار ، فقال الله في كتابه : { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } قال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ( يقول : قال الله - عز وجل - : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1356 - 1359
counter free hit invisible