<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية .

قال القرطبي : في قول جميعهم . وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس ، وابن الزبير ، قالا : نزلت سورة ( حم الأحقاف ) بمكة .

وأخرج ابن الضريس ، والحاكم ، وصححه عن ابن مسعود قال : ( أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سورة الأحقاف وأقرأها آخر فخالف قراءته ، فقلت من أقرأكها ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقلت : والله لقد أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - غير ذا ، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فقلت يا رسول الله ، ألم تقرئني كذا وكذا ؟ قال : بلى ، وقال الآخر : ألم تقرئني كذا وكذا ؟ قال : بلى ، فتمعر وجه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فقال : ليقرأ كل واحد منكما ما سمع ، فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { حم } { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون } { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين } { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون } { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين } { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم } { قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين } ( 9 ) قوله : 1 - { حم } { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } قد تقدم الكلام على هذا في سورة غافر وما بعدها مستوفى ، وذكرنا وجه الإعراب وبيان ما هو الحق من أن فواتح السور من المتشابه الذي يجب أن يوكل علمه إلى من أنزله .

{ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما } من المخلوقات بأسرها إلا بالحق هو استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي : إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه المشيئة الإلهية ، وقوله : { وأجل مسمى } معطوف على الحق : أي إلا بالحق ، وبأجل مسمى على تقدير مضاف محذوف : أي وبتقدير أجل مسمى ، وهذا الأجل هو يوم القيامة ، فإنها تنتهي فيه السماوات والأرض وما بينهما وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات .

وقيل المراد بالأجل المسمى هو انتهاء أجل كل فرد من أفراد المخلوقات ، والأول أولى . وهذا إشارة إلى قيام الساعة وانقضاء مدة الدنيا ، وأن الله لم يخلق خلقه باطلا وعبثا لغير شيء ، بل خلقه للثواب والعقاب { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } أي : عما أنذروا وخوفوا به في القرآن من البعث والحساب والجزاء معرضون مولون غير مستعدين له . والجملة في محل نصب على الحال ، أي والحال أنهم معرضون عنه غير مؤمنين به ، و " ما " في قوله : ما أنذروا يجوز أن تكون الموصولة ، ويجوز أن تكون المصدرية .

{ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } أي أخبروني ما تعبدون من دون الله من الأصنام { أروني ماذا خلقوا من الأرض } أي أي شيء خلقوا منها ، وقوله : أروني يحتمل أن يكون تأكيدا لقوله " أرأيتم " : أي أخبروني أروني والمفعول الثاني ل أرأيتم ماذا خلقوا ، ويحتمل أن لا يكون تأكيدا ، بل يكون هذا من باب التنازع ؛ لأن " أرأيتم " يطلب مفعولا ثانيا ، و ( أروني ) كذلك { أم لهم شرك في السماوات } " أم " هذه هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة ، والمعنى : بل ألهم شركة مع الله فيها ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع { ائتوني بكتاب من قبل هذا } هذا تبكيت لهم وإظهار لعجزهم وقصورهم عن الإتيان بذلك ، والإشارة بقوله : هذا ، إلى القرآن ، فإنه قد صرح ببطلان الشرك ، وأن الله واحد لا شريك له ، وأن الساعة حق لا ريب فيها ، فهل للمشركين من كتاب يخالف هذا الكتاب ، أو حجة تنافي هذه الحجة

{ أو أثارة من علم } قال في الصحاح : " أو أثارة من علم " بقية منه ، وكذا الأثرة بالتحريك .

قال ابن قتيبة : أي : بقية من علم الأولين .

وقال الفراء ، والمبرد : يعني ما يؤثر عن كتب الأولين .

قال الواحدي : وهو معنى قول المفسرين .

قال عطاء : أو شيء تأثرونه عن نبي كان قبل محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - .

قال مقاتل : أو رواية من علم عن الأنبياء .

وقال الزجاج : أو أثارة : أي : علامة ، والأثارة : مصدر كالسماحة والشجاعة . وأصل الكلمة من الأثر وهي الرواية . يقال أثرت الحديث آثره أثرة وأثارة وأثرا : إذا ذكرته عن غيرك .

قرأ الجمهور ( أثارة ) على المصدر كالسماحة والغواية .

وقرأ ابن عباس ، وزيد بن علي ، وعكرمة ، والسلمي ، والحسن ، وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف .

وقرأ الكسائي " أثرة " بضم الهمزة وسكون الثاء { إن كنتم صادقين } في دعواكم التي تدعونها ، وهي قولكم : إن لله شريكا ولم تأتوا بشيء من ذلك فتبين بطلان قولهم لقيام البرهان العقلي والنقلي على خلافه .

{ ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له } أي لا أحد أضل منه ولا أجهل ، فإنه دعا من لا يسمع ، فكيف يطمع في الإجابة فضلا عن جلب نفع أو دفع ضر ؟ فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين وأضل الضالين ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، وقوله : { إلى يوم القيامة } غاية لعدم الاستجابة { وهم عن دعائهم غافلون } الضمير الأول للأصنام ، والثاني لعابديها ، والمعنى : والأصنام التي يدعونها عن دعائهم إياها غافلون عن ذلك ، لا يسمعون ولا يعقلون لكونهم جمادات ، والجمع في الضميرين باعتبار معنى من ، وأجرى على الأصنام ما هو للعقلاء لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل .

{ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء } أي : إذا حشر الناس العابدين للأصنام كان الأصنام لهم أعداء يتبرأ بعضهم من بعض ، ويلعن بعضهم بعضا ، وقد قيل إن الله يخلق الحياة في الأصنام ، فتكذبهم .

وقيل المراد أنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال .

وأما الملائكة ، والمسيح ، وعزير ، والشياطين ، فإنهم يتبرءون ممن عبدهم يوم القيامة كما في قوله تعالى : { تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون } [ القصص : 63 ] { وكانوا بعبادتهم كافرين } أي كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم كافرين : أي جاحدين مكذبين ، وقيل الضمير في ( كانوا ) للعابدين كما في قوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } [ الأنعام : 23 ] والأول أولى .

{ وإذا تتلى عليهم آياتنا } أي : آيات القرآن حال كونها بينات واضحات المعاني ظاهرات الدلالات { قال الذين كفروا للحق } أي لأجله ، وفي شأنه ، وهو عبارة عن الآيات { لما جاءهم } أي وقت أن جاءهم { هذا سحر مبين } أي ظاهر السحرية .

{ أم يقولون افتراه } " أم " هي المنقطعة : أي بل أيقولون افتراه ، والاستفهام للإنكار والتعجب من صنيعهم ، وبل للانتقال عن تسميتهم الآيات سحرا إلى قولهم : إن رسول الله افترى ما جاء به ، وفي ذلك من التوبيخ والتقريع ما لا يخفى .

ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم ، فقال : { قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا } أي قل إن افتريته على سبيل الفرض والتقدير - كما تدعون - فلا تقدرون على أن تردوا عني عقاب الله ، فكيف أفتري على الله لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي تخوضون فيه من التكذيب ، والإفاضة في الشيء الخوض فيه والاندفاع فيه ، يقال أفاضوا في الحديث : أي اندفعوا فيه ، وأفاض البعير : إذا دفع جرته من كرشه .

والمعنى : الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب له والقول بأنه سحر وكهانة { كفى به شهيدا بيني وبينكم } فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده ، وأني قد بلغتكم ، ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود ، وفي هذا وعيد شديد { وهو الغفور الرحيم } لمن تاب وآمن وصدق بالقرآن ، وعمل بما فيه : أي كثير المغفرة ، والرحمة بليغهما .

{ قل ما كنت بدعا من الرسل } البدع من كل شيء المبدأ : أي : ما أنا بأول رسول ، قد بعث الله قبلي كثيرا من الرسل .

قيل : البدع بمعنى البديع ، كالخف والخفيف ، والبديع ما لم ير له مثل ، من الابتداع وهو الاختراع ، وشيء بدع بالكسر : أي : مبتدع ، وفلان بدع في هذا الأمر : أي : بديع ، كذا قال الأخفش ، وأنشد قطرب : فما أنا بدع من حوادث تعتري رجالا غدت من بعد موسى وأسعدا وقرأ عكرمة ، وأبو حيوة ، وابن أبي عبلة " بدعا " بفتح الدال على تقدير حذف المضاف : أي : ما كنت ذا بدع ، وقرأ مجاهد بفتح الباء وكسر الدال على الوصف { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } أي ما يفعل بي فيما يستقبل من الزمان هل أبقى في مكة أو أخرج منها ؟ وهل أموت أو أقتل ؟ وهل تعجل لكم العقوبة أم تمهلون ؟ وهذا إنما هو في الدنيا .

وأما في الآخرة فقد علم أنه وأمته في الجنة وأن الكافرين في النار .

وقيل إن المعنى : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة ، وإنها لما نزلت فرح المشركون وقالوا : كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا ، وأنه لا فضل له علينا ؟ فنزل قوله تعالى : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] والأول أولى { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } قرأ الجمهور ( يوحى ) مبنيا للمفعول : أي : ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا ، والمعنى : قصر أفعاله - صلى الله عليه وآله وسلم - على الوحي لا قصر اتباعه على الوحي { وما أنا إلا نذير مبين } أي أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على وجه الإيضاح .

وقد أخرج أحمد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن ابن عباس { أو أثارة من علم } قال : الخط .

قال سفيان : لا أعلم إلا عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، يعني أن الحديث مرفوع لا موقوف على ابن عباس .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ( كان نبي من الأنبياء يخط ، فمن صادف مثل خطه علم ) ومعنى هذا ثابت في الصحيح ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة .

ومن أين لنا أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط ، وأين السند الصحيح إلى ذلك النبي ، أو إلى نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - ، أن هذا الخط هو على صورة كذا ، فليس ما يفعله أهل الرمل إلا جهالات وضلالات .

وأخرج ابن مردويه ، عن أبي سعيد ( عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : { أو أثارة من علم } قال : حسن الخط ) .

وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم من طريق الشعبي ، عن ابن عباس : { أو أثارة من علم } قال : خط كان يخطه العرب في الأرض .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس { أو أثارة من علم } يقول : بينة من الأمر .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عنه في قوله : { قل ما كنت بدعا من الرسل } يقول : لست بأول الرسل { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم } فأنزل الله بعد هذا { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] وقوله : { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات } [ الفتح : 5 ] الآية ، فأعلم سبحانه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين جميعا .

وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضا أن هذه الآية منسوخة بقوله : { ليغفر لك الله } وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت : ( لما مات عثمان بن مظعون قلت : رحمك الله أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : وما يدريك أن الله أكرمه ؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم ، قالت أم العلاء : فوالله لا أزكي بعده أحدا ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1361 - 1363
counter free hit invisible