<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

سورة الأحقاف

وهي ثلاثون وخمس آيات مكية

وقيل : أربع وثلاثون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { حم } { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } { ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون } { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين } )

بسم الله الرحمن الرحيم

( { حم } { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون } { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين } ) .

اعلم أن نظم أول هذه السورة كنظم أول سورة الجاثية ، وقد ذكرنا ما فيه .

وأما قوله : ( { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } ) فهذا يدل على إثبات الإله بهذا العالم ، ويدل على أن ذلك الإله يجب أن يكون عادلا رحيما بعباده ، ناظرا لهم محسنا إليهم ، ويدل على أن القيامة حق .

أما المطلوب الأول : وهو إثبات الإله بهذا العالم ، وذلك لأن الخلق عبارة عن التقدير ، وآثار التقدير ظاهرة في السماوات والأرض من الوجوه العشرة المذكورة في سورة الأنعام ، وقد بينا أن تلك الوجوه تدل على وجود الإله القادر المختار . وأما المطلوب الثاني : وهو إثبات أن إله العالم عادل رحيم فيدل عليه قوله تعالى : ( { إلا بالحق } ) لأن قوله : ( { إلا بالحق } ) معناه إلا لأجل الفضل والرحمة والإحسان ، وأن الإله يجب أن يكون فضله زائدا وأن يكون إحسانه راجحا ، وأن يكون وصول المنافع منه إلى المحتاجين أكثر من وصول المضار إليهم ، قال الجبائي : هذا يدل على أن كل ما بين السماوات والأرض من القبائح فهو ليس من خلقه بل هو من أفعال عباده ، وإلا لزم أن يكون خالقا لكل باطل ، وذلك ينافي قوله : ( { ما خلقناهما إلا بالحق } ) [ الدخان : 39 ] ، أجاب أصحابنا وقالوا : خلق الباطل غير ، والخلق بالباطل غير ، فنحن نقول : إنه هو الذي خلق الباطل إلا أنه خلق ذلك الباطل بالحق لأن ذلك تصرف من الله تعالى في ملك نفسه ، وتصرف المالك في ملك نفسه يكون بالحق لا بالباطل .

قالوا : والذي يقرر ما ذكرناه أن قوله تعالى : ( { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما } ) يدل على كونه تعالى خالقا لكل أعمال العباد ، لأن أعمال العباد من جملة ما بين السماوات والأرض ؛ فوجب كونها مخلوقة لله تعالى ، ووقوع التعارض في الآية الواحدة محال ، فلم يبق إلا أن يكون المراد ما ذكرناه ، فإن قالوا : أفعال العباد أعراض ، والأعراض لا توصف بأنها حاصلة بين السماوات والأرض ، فنقول : فعلى هذا التقدير سقط ما ذكرتموه من الاستدلال ، والله أعلم .

وأما المطلوب الثالث : فهو دلالة الآية على صحة القول بالبعث والقيامة ، وتقريره أنه لو لم توجد القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين ، ولتعطل توفية الثواب على المطيعين وتوفية العقاب على الكافرين ، وذلك يمنع من القول بأنه تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما لا بالحق .

وأما قوله تعالى : ( { وأجل مسمى } ) ، فالمراد أنه ما خلق هذه الأشياء ( { إلا بالحق } ) وإلا ( لأجل مسمى ) ، وهذا يدل على أن إله العالم ما خلق هذا العالم ليبقى مخلدا سرمدا ، بل إنما خلقه ليكون دارا للعمل ، ثم إنه سبحانه يفنيه ثم يعيده ، فيقع الجزاء في الدار الآخرة ، فعلى هذا الأجل المسمى هو الوقت الذي عينه الله تعالى لإفناء الدنيا .

ثم قال تعالى : ( { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } ) والمراد : أن مع نصب الله تعالى هذه الدلائل ، ومع إرسال الرسل وإنزال الكتب ، ومع مواظبة الرسل على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار ، بقي هؤلاء الكفار معرضين عن هذه الدلائل غير ملتفتين إليها ، وهذا يدل على وجوب النظر والاستدلال ، وعلى أن الإعراض عن الدليل مذموم في الدين والدنيا .

واعلم أنه تعالى لما قرر هذا الأصل الدال على إثبات الإله ، وعلى إثبات كونه عادلا رحيما ، وعلى إثبات البعث والقيامة بنى عليه التفاريع .

فالفرع الأول : الرد على عبدة الأصنام فقال : ( { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } ) وهي الأصنام ، ( { أروني } ) أي أخبروني ماذا خلقوا من الأرض ( { أم لهم شرك في السماوات } ) والمراد أن هذه الأصنام هل يعقل أن يضاف إليها خلق جزء من أجزاء هذا العالم ؟ فإن لم يصح ذلك ، فهل يجوز أن يقال : إنها أعانت إله العالم في خلق جزء من أجزاء هذا العالم ؟ ولما كان صريح العقل حاكما بأنه لا يجوز إسناد خلق جزء من أجزاء هذا العالم إليها ، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء ، ولا يجوز أيضا إسناد الإعانة إليها في أقل الأفعال وأذلها ، فحينئذ صح أن الخالق الحقيقي لهذا العالم هو الله سبحانه ، وأن المنعم الحقيقي بجميع أقسام النعم هو الله سبحانه .

والعبادة عبارة عن الإتيان بأكمل وجوه التعظيم ، وذلك لا يليق إلا بمن صدر عنه أكمل وجوه الإنعام ، فلما كان الخالق الحق والمنعم الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى وجب أن لا يجوز الإتيان بالعبادة والعبودية إلا له ولأجله ، بقي أن يقال : إنا لا نعبدها لأنها تستحق هذه العبادة ، بل إنما نعبدها لأجل أن الإله الخالق المنعم أمرنا بعبادتها ، فعند هذا ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذا السؤال ، فقال : ( { ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم } ) وتقرير هذا الجواب أن ورود هذا الأمر لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي والرسالة ، فنقول : هذا الوحي الدال على الأمر بعبادة هذه الأوثان إما أن يكون على محمد أو في سائر الكتب الإلهية المنزلة على سائر الأنبياء ، وإن لم يوجد ذلك في الكتب الإلهية لكنه من تقابل العلوم المنقولة عنهم ، والكل باطل ، أما إثبات ذلك بالوحي إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو معلوم البطلان ، وأما إثباته بسبب اشتمال الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء المتقدمين عليه فهو أيضا باطل ، لأنه علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب الإلهية على المنع من عبادة الأصنام ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : ( { ائتوني بكتاب من قبل هذا } ) .

وأما إثبات ذلك بالعلوم المنقولة عن الأنبياء سوى ما جاء في الكتب فهذا أيضا باطل ، لأن العلم الضروري حاصل بأن أحدا من الأنبياء ما دعا إلى عبادة الأصنام ، وهذا هو المراد من قوله : ( { أو أثارة من علم } ) ، ولما بطل الكل ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل وقول فاسد .

وبقي في قوله تعالى : ( { أو أثارة من علم } ) نوعان من البحث :

النوع الأول : البحث اللغوي ، قال أبو عبيدة والفراء والزجاج : ( { أثارة من علم } ) أي بقية ، وقال المبرد : ( { أثارة } ) ما يؤثر من علم أي بقية ، وقال المبرد : ( { أثارة } ) تؤثر ( { من علم } ) كقولك : هذا الحديث يؤثر عن فلان ، ومن هذا المعنى سميت الأخبار بالآثار ، يقال : جاء في الأثر كذا وكذا .

قال الواحدي : وكلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال :

الأول : البقية ، واشتقاقها من أثرت الشيء أثيره إثارة ، كأنها بقية تستخرج فتثار .

والثاني : من الأثر الذي هو الرواية .

والثالث : هو الأثر بمعنى العلامة ، قال صاحب " الكشاف " : وقرئ ( أثرة ) أي من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم .

وقرئ : ( أثرة ) بالحركات الثلاث مع سكون الثاء ، فالإثرة بالكسر بمعنى الأثر ، وأما الإثر فالمرأة ، من مصدر أثر الحديث إذا رواه ، وأما الأثرة بالضم فاسم ما يؤثر ؛ كالخطبة اسم لما يخطب به .

وههنا قول آخر في تفسير قوله تعالى : ( { أو أثارة من علم } ) وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال : ( { أو أثارة من علم } ) هو علم الخط الذي يخط في الرمل ، والعرب كانوا يخطونه ، وهو علم مشهور ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ( كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه ) ) ، وعلى هذا الوجه فمعنى الآية : ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام ، فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وبأقوالهم ودلائلهم ، والله تعالى أعلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 28-28 , الصفحة 3 - 5
counter free hit invisible