<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

القول في تأويل قوله تعالى : ( { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما } ( 20 ) { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا } ( 21 ) )

يقول - تعالى ذكره - لأهل بيعة الرضوان : ( { وعدكم الله } ) أيها القوم ( { مغانم كثيرة تأخذونها } ) .

اختلف أهل التأويل في هذه المغانم التي ذكر الله أنه وعدها هؤلاء القوم أي المغانم هي ، فقال بعضهم : هي كل مغنم غنمها الله المؤمنين به من أموال أهل الشرك من لدن أنزل هذه الآية على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } ) قال : المغانم الكثيرة التي وعدوا : ما يأخذونها إلى اليوم .

وعلى هذا التأويل يحتمل الكلام أن يكون مرادا بالمغانم الثانية المغانم الأولى ، ويكون معناه عند ذلك ، فأثابهم فتحا قريبا ، ومغانم كثيرة يأخذونها ، وعدكم الله أيها القوم هذه المغانم التي تأخذونها ، وأنتم إليها واصلون عدة ، فجعل لكم الفتح القريب من فتح خيبر . ويحتمل أن تكون الثانية غير الأولى ، وتكون الأولى من غنائم خيبر ، والغنائم الثانية التي وعدهموها من غنائم سائر أهل الشرك سواهم .

وقال آخرون : هذه المغانم التي وعد الله هؤلاء القوم هي مغانم خيبر .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } ) قال : يوم خيبر ، قال : كان أبي يقول ذلك .

وقوله ( { فعجل لكم هذه } ) اختلف أهل التأويل في التي عجلت لهم ، فقال جماعة : غنائم خيبر والمؤخرة سائر فتوح المسلمين بعد ذلك الوقت إلى قيام الساعة .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( { فعجل لكم هذه } ) قال : عجل لكم خيبر .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( { فعجل لكم هذه } ) وهي خيبر .

وقال آخرون : بل عنى بذلك الصلح الذي كان بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( { فعجل لكم هذه } ) قال : الصلح .

وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ما قاله مجاهد ، وهو أن الذي أثابهم الله من مسيرهم ذلك مع الفتح القريب المغانم الكثيرة من مغانم خيبر ، وذلك أن المسلمين لم يغنموا بعد الحديبية غنيمة ، ولم يفتحوا فتحا أقرب من بيعتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية إليها من فتح خيبر وغنائمها .

وأما قوله ( { وعدكم الله مغانم كثيرة } ) فهي سائر المغانم التي غنمهموها الله بعد خيبر ، كغنائم هوازن ، وغطفان ، وفارس ، والروم .

وإنما قلنا ذلك كذلك دون غنائم خيبر ، لأن الله أخبر أنه عجل لهم هذه التي أثابهم من مسيرهم الذي ساروه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ، ولما علم من صحة نيتهم في قتال أهلها ، إذ بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن لا يفروا عنه ، ولا شك أن التي عجلت لهم غير التي لم تعجل لهم .

وقوله ( { وكف أيدي الناس عنكم } ) يقول - تعالى ذكره - لأهل بيعة الرضوان : وكف الله أيدي المشركين عنكم .

ثم اختلف أهل التأويل في الذين كفت أيديهم عنهم من هم ؟ فقال بعضهم : هم اليهود كف الله أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { وكف أيدي الناس عنكم } ) : عن بيوتهم ، وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر ، وكانت خيبر في ذلك الوجه .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في قوله ( { وكف أيدي الناس عنكم } ) قال : كف أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة . وقال آخرون : بل عني بذلك أيدي قريش إذ حبسهم الله عنهم ، فلم يقدروا له على مكروه .

والذي قاله قتادة في ذلك عندي أشبه بتأويل الآية ، وذلك أن كف الله أيدي المشركين من أهل مكة عن أهل الحديبية قد ذكره الله بعد هذه الآية في قوله ( { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } ) فعلم بذلك أن الكف الذي ذكره الله تعالى في قوله ( { وكف أيدي الناس عنكم } ) غير الكف الذي ذكر الله بعد هذه الآية في قوله ( { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة } ) .

وقوله ( { ولتكون آية للمؤمنين } ) يقول : وليكون كفه - تعالى ذكره - أيديهم عن عيالهم آية وعبرة للمؤمنين به فيعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وكلاءتهم في مشهدهم ومغيبهم ، ويتقوا الله في أنفسهم وأموالهم وأهليهم بالحفظ وحسن الولاية ما كانوا مقيمين على طاعته ، منتهين إلى أمره ونهيه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( { ولتكون آية للمؤمنين } ) يقول : وذلك آية للمؤمنين كف أيدي الناس عن عيالهم ( { ويهديكم صراطا مستقيما } ) يقول : ويسددكم أيها المؤمنون طريقا واضحا لا اعوجاج فيه ، فيبينه لكم ، وهو أن تثقوا في أموركم كلها بربكم ، فتتوكلوا عليه في جميعها ، ليحوطكم حياطته إياكم في مسيركم إلى مكة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أنفسكم وأهليكم وأموالكم ، فقد رأيتم أثر فعل الله بكم ، إذ وثقتم في مسيركم هذا .

وقوله ( { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها } ) يقول - تعالى ذكره - ووعدكم أيها القوم ربكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا على فتحها ، قد أحاط الله بها لكم حتى يفتحها لكم .

واختلف أهل التأويل في هذه البلدة الأخرى ، والقرية الأخرى التي وعدهم فتحها التي أخبرهم أنه محيط بها ، فقال بعضهم : هي أرض فارس والروم ، وما يفتحه المسلمون من البلاد إلى قيام الساعة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن المثنى قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : ثنا شعبة ، عن سماك الحنفي ، قال : سمعت ابن عباس يقول ( { وأخرى لم تقدروا عليها } ) فارس والروم .

قال : ثنا محمد بن جعفر قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبي ليلى أنه قال في هذه الآية ( { وأخرى لم تقدروا عليها } ) قال : فارس والروم .

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال : ثنا زيد بن حباب قال : ثنا شعبة بن الحجاج ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها } ) قال : حدث عن الحسن قال : هي فارس والروم .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن . قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله ( { وأخرى لم تقدروا عليها } ) ما فتحوا حتى اليوم .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله ( { وأخرى لم تقدروا عليها } ) قال : فارس والروم .

وقال آخرون : بل هي خيبر .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( { وأخرى لم تقدروا عليها } ) . . . الآية ، قال : هي خيبر .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك ، يقول في قوله ( { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها } ) يعني خيبر ، بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، فقال : ولا تمثلوا ولا تغلوا ، ولا تقتلوا وليدا .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها } ) قال : خيبر ، قال : لم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها حتى أخبرهم الله بها .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ( { وأخرى لم تقدروا عليها } ) يعني أهل خيبر . وقال آخرون : بل هي مكة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها } ) كنا نحدث أنها مكة .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( { وأخرى لم تقدروا عليها } ) قال : بلغنا أنها مكة .

وهذا القول الذي قاله قتادة أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل ، وذلك أن الله أخبر هؤلاء الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة ، أنه محيط بقرية لم يقدروا عليها ، ومعقول أنه لا يقال لقوم لم يقدروا على هذه المدينة ، إلا أن يكونوا قد راموها فتعذرت عليهم ، فأما وهم لم يروموها فتتعذر عليهم فلا يقال : إنهم لم يقدروا عليها .

فإذ كان ذلك كذلك ، وكان معلوما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد قبل نزول هذه الآية عليه خيبر لحرب ، ولا وجه إليها لقتال أهلها جيشا ولا سرية ، علم أن المعني بقوله ( { وأخرى لم تقدروا عليها } ) غيرها ، وأنها هي التي قد عالجها ورامها ، فتعذرت فكانت مكة وأهلها كذلك ، وأخبر الله - تعالى ذكره - نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين أنه أحاط بها وبأهلها ، وأنه فاتحها عليهم ، وكان الله على كل ما يشاء من الأشياء ذا قدرة ، لا يتعذر عليه شيء شاءه .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 22-22 , الصفحة 229 - 234
counter free hit invisible