<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

هي مدنية . قال القرطبي : بالإجماع .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي ، عن ابن عباس ، وابن الزبير ، أنها نزلت بالمدينة .

بسم الله الرحمن الرحيم { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم } { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم } { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم } { ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } { فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم } ( 8 ) قوله : { ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قرأ الجمهور تقدموا بضم المثناة الفوقية وتشديد الدال مكسورة .

وفيه وجهان : أحدهما أنه متعد وحذف مفعوله لقصد التعميم ، أو ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل كقولهم : هو يعطي ويمنع .

والثاني : أنه لازم نحو : وجه وتوجه ، ويعضده قراءة ابن عباس ، والضحاك ، ويعقوب ( تقدموا ) بفتح التاء والقاف والدال .

قال الواحدي : ( قدم ) هاهنا بمعنى تقدم ، وهو لازم .

قال أبو عبيدة : العرب تقول : لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب : أي لا تعجل بالأمر دونه والنهي ؛ لأن المعنى : لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما ، وبين يدي الإمام عبارة عن الإمام لا ما بين يدي الإنسان ، ومعنى الآية : لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله ولا تعجلوا به .

وقيل : المراد معنى بين يدي فلان بحضرته ؛ لأن ما يحضره الإنسان فهو بين يديه { واتقوا الله } في كل أموركم ، ويدخل تحتها الترك للتقدم بين يدي الله ورسوله دخولا أوليا .

ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله : { إن الله سميع } لكل مسموع عليم بكل معلوم .

{ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت ؛ لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام ، وترك الاحترام ؛ لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوقير .

ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام ومزيد اللغط ، والأول أولى .

والمعنى : لا ترفعوا أصواتكم إلى حد يكون فوق ما يبلغه صوت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - .

قال المفسرون : المراد من الآية تعظيم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وتوقيره وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } أي لا تجهروا بالقول إذا كلمتموه كما تعتادونه من الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضا .

قال الزجاج : أمرهم الله بتجليل نبيه وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار ، وقيل : المراد بقوله : { ولا تجهروا له بالقول } لا تقولوا يا محمد ، ويا أحمد ، ولكن يا نبي الله ، ويا رسول الله ، توقيرا له ، والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف : أي : جهرا مثل جهر بعضكم لبعض ، وليس المراد برفع الصوت وبالجهر في القول هو ما يقع على طريقة الاستخفاف ، فإن ذلك كفر ، وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما يقع في مواقف من يجب تعظيمه وتوقيره .

والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور : الأول عن التقدم بين يديه بما لا يأذن به من الكلام .

والثاني : عن رفع الصوت البالغ إلى حد يكون فوق صوته ، سواء كان في خطابه أو في خطاب غيره .

والثالث : ترك الجفاء في مخاطبته ولزوم الأدب في مجاورته ؛ لأن المقاولة المجهورة إنما تكون بين الأكفاء الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب احترامه وتوقيره .

ثم علل سبحانه ما ذكره بقوله : { أن تحبط أعمالكم } قال الزجاج : ( { أن تحبط أعمالكم } ) التقدير لأن تحبط أعمالكم ، أي فتحبط ، فاللام المقدرة لام الصيرورة كذا قال ، وهذه العلة يصح أن تكون للنهي : أي نهاكم الله عن الجهر خشية أن تحبط ، أو كراهة أن تحبط ، أو علة للمنهي : أي لا تفعلوا الجهر فإنه يؤدي إلى الحبوط ، فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني لا إلى الوجه الأول ، وجملة { وأنتم لا تشعرون } في محل نصب على الحال ، وفيه تحذير شديد ووعيد عظيم .

قال الزجاج : وليس المراد ( { وأنتم لا تشعرون } ) يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم ، فكما لا يكون الكافر مؤمنا إلا باختياره الإيمان على الكفر ، كذلك لا يكون الكافر كافرا من حيث لا يعلم .

ثم رغب سبحانه في امتثال ما أمر به ، فقال : { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } أصل الغض النقص من كل شيء ، ومنه نقص الصوت { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } قال الفراء : أخلص قلوبهم للتقوى كما يمتحن الذهب بالنار ، فيخرج جيده من رديئه ، ويسقط خبيثه .

وبه قال مقاتل ، ومجاهد ، وقتادة .

وقال الأخفش : اختصها للتقوى ، وقيل : طهرها من كل قبيح ، وقيل : وسعها وسرحها ، من محنت الأديم : إذا وسعته .

وقال أبو عمرو : كل شيء جهدته فقد محنته ، واللام في ( للتقوى ) متعلقة بمحذوف : أي : صالحة للتقوى ، كقولك : أنت صالح لكذا ، أو للتعليل الجاري مجرى بيان السبب ، كقولك : جئتك لأداء الواجب : أي ليكون مجيئي سببا لأداء الواجب { لهم مغفرة وأجر عظيم } أي : أولئك لهم ، فهو خبر آخر لاسم الإشارة ، ويجوز أن يكون مستأنفا لبيان ما أعد الله لهم في الآخرة .

{ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } هم جفاة بني تميم كما سيأتي بيانه ، و ( { وراء الحجرات } ) خارجها وخلفها : والحجرات جمع حجرة ، كالغرفات جمع غرفة ، والظلمات جمع ظلمة ، وقيل : الحجرات جمع حجر ، والحجر جمع حجرة ، فهو جمع الجمع : والحجرة الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة .

قرأ الجمهور الحجرات بضم الجيم .

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ، وشيبة بفتحها تخفيفا ، وقرأ ابن أبي عبلة بإسكانها ، وهي لغات ، و ( من ) في ( من وراء ) لابتداء الغاية ، ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى { أكثرهم لا يعقلون } لغلبة الجهل عليهم وكثرة الجفاء في طباعهم .

{ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم } أي : لو انتظروا خروجك ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم ، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ورعاية جانبه الشريف ، والعمل بما يستحقه من التعظيم والتجليل .

وقيل : إنهم جاءوا شفعاء في أسارى ، فأعتق رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نصفهم وفادى نصفهم ، ولو صبروا لأعتق الجميع ، ذكر معناه مقاتل { والله غفور رحيم } كثير المغفرة والرحمة بليغهما لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب .

{ ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } قرأ الجمهور فتبينوا من التبين ، وقرأ حمزة ، والكسائي ( فتثبتوا ) من التثبت ، والمراد من التبين التعرف والتفحص ، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة ، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر .

قال المفسرون : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما سيأتي بيانه إن شاء الله .

وقوله : { أن تصيبوا قوما بجهالة } مفعول له : أي : كراهة أن تصيبوا ، أو لئلا تصيبوا ، أو لئلا تصيبوا لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة ؛ لأنه لم يصدر عن علم ، والمعنى : ملتبسين بجهالة بحالهم { فتصبحوا على ما فعلتم } بهم من إصابتهم بالخطأ { نادمين } على ذلك مغتمين له مهتمين به .

ثم وعظهم الله سبحانه ، فقال : { واعلموا أن فيكم رسول الله } فلا تقولوا قولا باطلا ولا تتسرعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين ، و ( أن ) وما في حيزها سادة مسد مفعولي ( اعلموا ) ، وجملة { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } في محل نصب على الحال من ضمير ( فيكم ) ، أو مستأنفة ، والمعنى : لو يطيعكم في كثير مما تخبرونه به من الأخبار الباطلة ، وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب لوقعتم في العنت ، وهو التعب ، والجهد ، والإثم ، والهلاك ، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له ، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } أي : جعله أحب الأشياء إليكم ، أو محبوبا لديكم فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة وترك التسرع في الأخبار وعدم التثبت فيها ، قيل : والمراد بهؤلاء من عدا الأولين لبيان براءتهم عن أوصاف الأولين ، والظاهر أنه تذكير للكل بما يقتضيه الإيمان وتوجبه محبته التي جعلها الله في قلوبهم { وزينه في قلوبكم } أي : حسنه بتوفيقه حتى جروا على ما يقتضيه في الأقوال والأفعال { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } أي : جعل كل ما هو من جنس الفسوق ومن جنس العصيان مكروها عندكم .

وأصل الفسق الخروج عن الطاعة ، والعصيان جنس ما يعصى الله به ، وقيل : أراد بذلك الكذب خاصة ، والأول أولى { أولئك هم الراشدون } أي الموصوفون بما ذكرهم الراشدون . والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب ، من الرشادة : وهي الصخرة .

{ فضلا من الله ونعمة } أي لأجل فضله وإنعامه ، والمعنى : أنه حبب إليكم ما حبب ، وكره ما كره لأجل فضله وإنعامه ، أو جعلكم راشدين لأجل ذلك ، وقيل : النصب بتقدير فعل : أي تبتغون فضلا ونعمة { والله عليم } بكل معلوم حكيم في كل ما يقضي به بين عباده ويقدر لهم .

وقد أخرج البخاري ، وغيره ، عن عبد الله بن الزبير قال : ( قدم ركب من بني تميم على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد ، وقال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي ، فقال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فأنزل الله : { ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } حتى انقضت الآية ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قال : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه .

وأخرج ابن مردويه ، عن عائشة في الآية قالت : لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم .

وأخرج البخاري في تاريخه ، عنها قالت : ( كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام : يعني يوما أو يومين ، فأنزل الله : { ياأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } ) .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه عنها أيضا ( أن ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فأنزل الله : { ياأيها الذين آمنوا } الآية ) .

وأخرج البزار ، وابن عدي ، والحاكم ، وابن مردويه ، عن أبي بكر الصديق قال : ( أنزلت هذه الآية { ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } قلت : يا رسول الله ، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار ) . وفي إسناده حصين بن عمر ، وهو ضعيف ، ولكنه يؤيده ما أخرجه عبد بن حميد ، والحاكم ، وصححه من طريق أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : ( لما نزلت { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } قال أبو بكر : والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله ) .

وأخرج البخاري ، ومسلم ، وغيرهما عن أنس قال : ( لما نزلت { ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } إلى قوله : { وأنتم لا تشعرون } وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، حبط عملي ، أنا من أهل النار ، وجلس في بيته حزينا ، ففقده رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فانطلق بعض القوم إليه ، فقالوا : فقدك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ما لك ؟ قال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر له بالقول ، حبط عملي ، أنا من أهل النار ، فأتوا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فأخبروه بذلك ، فقال : لا ، بل هو من أهل الجنة ، فلما كان يوم اليمامة قتل ) .

وفي الباب أحاديث بمعناه .

وأخرج ابن مردويه ، عن ابن مسعود في قوله : { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } الآية : قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس . وأخرج ابن مردويه ، عن أبي هريرة في قوله : ( { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - : منهم ثابت بن قيس بن شماس ) .

وأخرج أحمد ، وابن جرير ، وأبو القاسم البغوي ، والطبراني ، وابن مردويه قال السيوطي : بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن الأقرع بن حابس ( أنه أتى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال : يا محمد ، اخرج إلينا ، فلم يجبه ، فقال : يا محمد ، إن حمدي زين ، وإن ذمي شين ، فقال : ذاك الله ، فأنزل الله : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } ) .

قال ابن منيع : لا أعلم روى الأقرع مسندا غير هذا .

وأخرج الترمذي ، وحسنه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن البراء بن عازب ( في قوله : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } قال : جاء رجل ، فقال : يا محمد ، إن حمدي زين ، وإن ذمي شين ، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : ذاك الله ) .

وأخرج ابن راهويه ، ومسدد ، وأبو يعلى ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه قال السيوطي : بإسناد حسن عن زيد بن أرقم قال : ( اجتمع ناس من العرب ، فقالوا : انطلقوا إلى هذا الرجل ، فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به ، وإن يك ملكا نعش بجناحه ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فأخبرته بما قالوا ، فجاءوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه يا محمد ، يا محمد ، فأنزل الله : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بأذني وجعل يقول : لقد صدق الله قولك يا زيد ، لقد صدق الله قولك يا زيد ) .

وفي الباب أحاديث .

وأخرج أحمد ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن منده ، وابن مردويه ، قال السيوطي بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال : ( قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فدعاني إلى الإسلام ، فدخلت فيه وأقررت به ، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها ، وقلت : يا رسول الله ، أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة ، فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إلي يا رسول الله رسولا لإبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة ، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت ، فظن الحارث أن قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله ، فدعا سروات قومه فقال لهم : إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة ، وليس من رسول الله الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة ، فانطلقوا فنأتي رسول الله ، وبعث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة ، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال : إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي ، فضرب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - البعث إلى الحارث ، فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقل البعث ، وفصل عن المدينة لقيهم الحارث ، فقالوا هذا الحارث ؟ فلما غشيهم قال لهم : إلى من بعثتم ؟ قالوا إليك . قال : ولم ؟ قالوا : إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بعث إليك الوليد بن عقبة ، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله ، قال : لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني ، فلما دخل الحارث على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟ قال : لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني ، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله ، فنزل : { ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ } إلى قوله : { حكيم } ) قال ابن كثير : هذا من أحسن ما روي في سبب نزول الآية .

وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية ، وأنه المراد بها وإن اختلفت القصص .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1390 - 1391
counter free hit invisible