<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

القول في تأويل قوله عز ذكره ( { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } )

قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " { يا أيها الذين آمنوا أوفوا } " ، يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله ، وأذعنوا له بالعبودية ، وسلموا له الألوهة وصدقوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه " { أوفوا بالعقود } " ، يعني : أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم ، والعقود التي عاقدتموها إياه ، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا ، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا ، فأتموها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها ، ولمن عاقدتموه منكم ، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم ، ولا تنكثوها فتنقضوها بعد توكيدها .

واختلف أهل التأويل في "العقود" التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية ، بعد إجماع جميعهم على أن معنى"العقود " ، العهود .

فقال بعضهم : هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءا ، وذلك هو معنى"الحلف" الذي كانوا يتعاقدونه بينهم .

ذكر من قال : معنى"العقود" ، العهود .

10893 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : " { أوفوا بالعقود } " ، يعني : بالعهود .

10894 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل وعز : " { أوفوا بالعقود } " ، قال : العهود .

10895 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

10896 - حدثنا سفيان قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، مثله .

10897 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير وعنده رجل يحدثهم ، فقال : " { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } " ، قال : هي العهود .

10898 - حدثنا المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : " { أوفوا بالعقود } " ، قال : العهود .

10899 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ، عن الضحاك : " { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } " ، قال : هي العهود .

10900 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول : " { أوفوا بالعقود } " ، بالعهود .

10901 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : " { أوفوا بالعقود } " ، قال : بالعهود .

10902 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " { أوفوا بالعقود } " ، قال : هي العهود .

10903 - حدثني الحارث قال : حدثنا عبد العزيز قال : سمعت الثوري يقول : " { أوفوا بالعقود } " ، قال : بالعهود .

10904 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

قال أبو جعفر : و"العقود " جمع "عقد" ، وأصل "العقد" ، عقد الشيء بغيره ، وهو وصله به ، كما يعقد الحبل بالحبل ، إذا وصل به شدا . يقال منه : "عقد فلان بينه وبين فلان عقدا ، فهو يعقده" ، ومنه قول الحطيئة : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا

وذلك إذا واثقه على أمر وعاهده عليه عهدا بالوفاء له بما عاقده عليه ، من أمان وذمة ، أو نصرة ، أو نكاح ، أو بيع ، أو شركة ، أو غير ذلك من العقود .

ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله : " { أوفوا بالعقود } " .

10905 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : " { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } " ، أي : بعقد الجاهلية . ذكر لنا ( أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : أوفوا بعقد الجاهلية ، ولا تحدثوا عقدا في الإسلام ) . وذكر لنا ( أن فرات بن حيان العجلي ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم الله ؟ فقال : نعم ، يا نبي الله! قال : لا يزيده الإسلام إلا شدة . )

10906 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : حدثنا معمر ، عن قتادة : " { أوفوا بالعقود } " ، قال : عقود الجاهلية : الحلف .

وقال آخرون : بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته ، فيما أحل لهم وحرم عليهم .

ذكر من قال ذلك :

10907 - حدثني المثنى قال : أخبرنا عبد الله قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : " { أوفوا بالعقود } " ، يعني : ما أحل وما حرم ، وما فرض ، وما حد في القرآن كله ، فلا تغدروا ولا تنكثوا . ثم شدد ذلك فقال : ( { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } ) إلى قوله : ( { سوء الدار } ) [ سورة الرعد : 35 ] .

10908 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " { أوفوا بالعقود } " ، ما عقد الله على العباد مما أحل لهم وحرم عليهم .

وقال آخرون : بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ، ويعقدها المرء على نفسه .

ذكر من قال ذلك :

10909 - حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثني أبي ، عن موسى بن عبيدة ، عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال : العقود خمس : عقدة الأيمان ، وعقدة النكاح ، وعقدة العهد ، وعقدة البيع ، وعقدة الحلف .

10910 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة ، نحوه .

10911 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } " ، قال : عقد العهد ، وعقد اليمين وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد النكاح . قال : هذه العقود ، خمس .

10912 - حدثني المثنى قال : حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : حدثنا أبي في قول الله جل وعز : " { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } " ، قال : العقود خمس : عقدة النكاح ، وعقدة الشركة ، وعقد اليمين ، وعقدة العهد ، وعقدة الحلف .

وقال آخرون : بل هذه الآية أمر من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم ، من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله .

ذكر من قال ذلك :

10913 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : " { أوفوا بالعقود } " ، قال : العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب : أن يعملوا بما جاءهم .

10914 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني الليث قال : حدثني يونس قال : ( قال محمد بن مسلم : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم ، فيه : "هذا بيان من الله ورسوله : " { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } " ، فكتب الآيات منها حتى بلغ" { إن الله سريع الحساب } " . )

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، ما قاله ابن عباس ، وأن معناه : أوفوا ، يا أيها الذين آمنوا ، بعقود الله التي أوجبها عليكم ، وعقدها فيما أحل لكم وحرم عليكم ، وألزمكم فرضه ، وبين لكم حدوده .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال ، لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيان عما أحل لعباده وحرم عليهم ، وما أوجب عليهم من فرائضه . فكان معلوما بذلك أن قوله : " { أوفوا بالعقود } " ، أمر منه عباده بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك ، ونهي منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه ، مع أن قوله : " { أوفوا بالعقود } " ، أمر منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه ، فغير جائز أن يخص منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها . فإذ كان الأمر في ذلك كما وصفنا ، فلا معنى لقول من وجه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمر الله بالوفاء بها دون بعض .

وأما قوله : "أوفوا" فإن للعرب فيه لغتين :

إحداهما : "أوفوا" ، من قول القائل : "أوفيت لفلان بعهده ، أوفي له به" .

والأخرى من قولهم : "وفيت له بعهده أفي" .

و"الإيفاء بالعهد" ، إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة .



القول في تأويل قوله ( { أحلت لكم بهيمة الأنعام } )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في "بهيمة الأنعام" التي ذكر الله عز ذكره في هذه الآية أنه أحلها لنا .

فقال بعضهم : هي الأنعام كلها .

ذكر من قال ذلك :

10915 - حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا عبد الأعلى ، عن عوف ، عن الحسن قال : بهيمة الأنعام ، هي الإبل والبقر والغنم .

10916 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " ، قال : الأنعام كلها .

10917 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا ابن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " ، قال : الأنعام كلها .

10918 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " ، قال : الأنعام كلها .

10920 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " { بهيمة الأنعام } " ، هي الأنعام .

وقال آخرون : بل عنى بقوله : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " ، أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها - إذا نحرت أو ذبحت - ميتة .

ذكر من قال ذلك :

10921 - حدثني الحارث بن محمد قال : حدثنا عبد العزيز قال : أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري ، عن عطية العوفي ، عن ابن عمر في قوله : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } قال : ما في بطونها . قال قلت : إن خرج ميتا آكله ؟ قال : نعم .

10922 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا يحيى بن زكريا ، عن إدريس الأودي ، عن عطية ، عن ابن عمر نحوه وزاد فيه قال : نعم ، هو بمنزلة رئتها وكبدها .

10923 - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : الجنين من بهيمة الأنعام ، فكلوه .

10924 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن مسعر وسفيان ، عن قابوس عن أبيه ، عن ابن عباس : أن بقرة نحرت فوجد في بطنها جنين ، فأخذ ابن عباس بذنب الجنين فقال : هذا من بهيمة الأنعام التي أحلت لكم .

10925 - حدثنا أبو كريب قال : حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : هو من بهيمة الأنعام .

10926 - حدثنا ابن بشار قال : حدثنا أبو عاصم ومؤمل قالا حدثنا سفيان ، عن قابوس ، عن أبيه قال : ذبحنا بقرة ، فإذا في بطنها جنين ، فسألنا ابن عباس فقال : هذه بهيمة الأنعام .

قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في ذلك ، قول من قال : عنى بقوله : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " ، الأنعام كلها : أجنتها وسخالها وكبارها . لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك"بهيمة وبهائم" ، ولم يخصص الله منها شيئا دون شيء . فذلك على عمومه وظاهره ، حتى تأتي حجة بخصوصه يجب التسليم لها .

وأما "النعم" فإنها عند العرب ، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة ، كما قال جل ثناؤه : ( { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون } ) ، [ سورة النحل : 5 ] ، ثم قال : ( { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } ) [ سورة النحل : 8 ] ، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان .

وأما "بهائمها" ، فإنها أولادها . وإنما قلنا يلزم الكبار منها اسم "بهيمة" ، كما يلزم الصغار ، لأن معنى قول القائل : "بهيمة الأنعام" ، نظير قوله : "ولد الأنعام" . فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر ، فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر .

وقد قال قوم : "بهيمة الأنعام" ، وحشيها ، كالظباء وبقر الوحش والحمر .



القول في تأويل قوله ( { إلا ما يتلى عليكم } )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في الذي عناه الله بقوله : " { إلا ما يتلى عليكم } " . فقال بعضهم : عنى الله بذلك : أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنم ، إلا ما بين الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله : ( { حرمت عليكم الميتة والدم } ) ، الآية [ سورة المائدة : 3 ] .

ذكر من قال ذلك :

10927 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " { بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } " ، إلا الميتة وما ذكر معها .

10928 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } " ، أي : من الميتة التي نهى الله عنها ، وقدم فيها .

10929 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : " { إلا ما يتلى عليكم } " ، قال : إلا الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه . 10930 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " { إلا ما يتلى عليكم } " ، الميتة والدم ولحم الخنزير .

10931 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله قال : حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } " ، الميتة ولحم الخنزير .

10932 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله قال : حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم } " ، هي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به .

وقال آخرون : بل الذي استثنى الله بقوله : " { إلا ما يتلى عليكم } " ، الخنزير .

ذكر من قال ذلك .

10933 - حدثني عبد الله بن داود قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : " { إلا ما يتلى عليكم } قال : الخنزير .

10934 - حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " { إلا ما يتلى عليكم } " ، يعني : الخنزير .

قال أبو جعفر : وأولى التأويلين في ذلك بالصواب ، تأويل من قال : "عنى بذلك : إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرم عليكم بقوله : " { حرمت عليكم الميتة } " ، الآية . لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام ، ما حرم عليهم منها . والذي حرم عليهم منها ، ما بينه في قوله : ( { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } ) [ سورة المائدة : 3 ] . وإن كان حرمه الله علينا ، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها . فاستثناء ما حرم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء ، أشبه من استثناء ما حرم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء .



القول في تأويل قوله ( { غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد } )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال بعضهم : معنى ذلك : " { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } " " { غير محلي الصيد وأنتم حرم } " " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " فذلك ، على قولهم ، من المؤخر الذي معناه التقديم . ف"غير" منصوب على قول قائلي هذه المقالة على الحال مما في قوله : "أوفوا" من ذكر"الذين آمنوا" .

وتأويل الكلام على مذهبهم : أوفوا ، أيها المؤمنون ، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه ، لا محلين الصيد وأنتم حرم .

وقال آخرون : معنى ذلك : أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر "غير محلي الصيد" ، غير مستحلي اصطيادها ، وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم" . ف"غير" ، على قول هؤلاء ، منصوب على الحال من"الكاف والميم" اللتين في قوله : "لكم" ، بتأويل : أحلت لكم ، أيها الذين آمنوا ، بهيمة الأنعام ، لا مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم .

وقال آخرون : معنى ذلك : أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها " { إلا ما يتلى عليكم } " ، إلا ما كان منها وحشيا ، فإنه صيد ، فلا يحل لكم وأنتم حرم . فكأن من قال ذلك ، وجه الكلام إلى معنى : أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها " { إلا ما يتلى عليكم } " ، إلا ما يبين لكم من وحشيها ، غير مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم . فتكون"غير" منصوبة ، على قولهم ، على الحال من"الكاف والميم" في قوله : "إلا ما يتلى عليكم" .

ذكر من قال ذلك :

10935 - حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير ، وعنده رجل ، فحدثهم فقال : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " صيدا " { غير محلي الصيد وأنتم حرم } " ، فهو عليكم حرام . يعني بقر الوحش والظباء وأشباهه .

10936 - حدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم } " ، قال : الأنعام كلها حل ، إلا ما كان منها وحشيا ، فإنه صيد ، فلا يحل إذا كان محرما .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب على ما تظاهر به تأويل أهل التأويل في قوله : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام } " ، من أنها الأنعام وأجنتها وسخالها ، وعلى دلالة ظاهر التنزيل قول من قال : معنى ذلك : أوفوا بالعقود ، غير محلي الصيد وأنتم حرم ، فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم ، إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم ، وما أهل لغير الله به .

وذلك أن قوله : "إلا ما يتلى عليكم" ، لو كان معناه : "إلا الصيد" ، لقيل : "إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه" . وفي ترك الله وصل قوله : "إلا ما يتلى عليكم" بما ذكرت ، وإظهار ذكر الصيد في قوله : "غير محلي الصيد" ، أوضح الدليل على أن قوله : "إلا ما يتلى عليكم" ، خبر متناهية قصته ، وأن معنى قوله : " { غير محلي الصيد } " ، منفصل منه .

وكذلك لو كان قوله : ( { أحلت لكم بهيمة الأنعام } ) ، مقصودا به قصد الوحش ، لم يكن أيضا لإعادة ذكر الصيد في قوله : "غير محلي الصيد" وجه ، وقد مضى ذكره قبل ، ولقيل : " { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محليه وأنتم حرم } " . وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله : "غير محلي الصيد" ، أبين الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك .

فإن قال قائل : فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه ؟ قيل : ذلك من فعلها ضرورة شعر ، وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم . وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته ، أولى ما وجد إلى ذلك سبيل من صرفه إلى غير ذلك .

قال أبو جعفر : فمعنى الكلام إذا : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرم وأحل ، لا محلين الصيد في حرمكم ، ففيما أحل لكم من بهيمة الأنعام المذكاة دون ميتتها ، متسع لكم ومستغنى عن الصيد في حال إحرامكم .



القول في تأويل قوله ( { إن الله يحكم ما يريد } ( 1 ) )

قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله ، وتحريم ما أراد تحريمه ، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم ، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه فأوفوا ، أيها المؤمنون ، له بما عقد عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرم عليكم ، وغير ذلك من عقوده ، فلا تنكثوها ولا تنقضوها . كما : -

10937 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : "إن الله يحكم ما يريد" ، إن الله يحكم ما أراد في خلقه ، وبين لعباده ، وفرض فرائضه ، وحد حدوده ، وأمر بطاعته ، ونهى عن معصيته .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 9-9 , الصفحة 447 - 462
counter free hit invisible