<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

تفسير سورة الذاريات وهي مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم ( { والذاريات ذروا } ( 1 ) { فالحاملات وقرا } ( 2 ) { فالجاريات يسرا } ( 3 ) { فالمقسمات أمرا } ( 4 ) { إنما توعدون لصادق } ( 5 ) { وإن الدين لواقع } ( 6 ) { والسماء ذات الحبك } ( 7 ) { إنكم لفي قول مختلف } ( 8 ) { يؤفك عنه من أفك } ( 9 ) { قتل الخراصون } ( 10 ) { الذين هم في غمرة ساهون } ( 11 ) { يسألون أيان يوم الدين } ( 12 ) { يوم هم على النار يفتنون } ( 13 ) { ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون } ( 14 ) )

قال شعبة بن الحجاج ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة أنه سمع عليا وشعبة أيضا ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن أبي الطفيل ، سمع عليا . وثبت أيضا من غير وجه ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : أنه صعد منبر الكوفة فقال : لا تسألوني عن آية في كتاب الله ، ولا عن سنة عن رسول الله ، إلا أنبأتكم بذلك . فقام إليه ابن الكواء فقال : يا أمير المؤمنين ، ما معنى قوله تعالى : ( { والذاريات ذروا } ) ؟ قال : الريح [ قال ] : ( { فالحاملات وقرا } ) ؟ قال : السحاب . [ قال ] : ( { فالجاريات يسرا } ) ؟ قال : السفن . [ قال ] : ( { فالمقسمات أمرا } ) ؟ قال : الملائكة .

وقد روي في ذلك حديث مرفوع ، فقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إبراهيم بن هانئ ، حدثنا سعيد بن سلام العطار ، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : ( جاء صبيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرني عن ( { الذاريات ذروا } ) ؟ فقال : هي الرياح ، ولولا أنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوله ما قلته . قال : فأخبرني عن ( { المقسمات أمرا } ) قال : هي الملائكة ، ولولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوله ما قلته . قال : فأخبرني عن ( { الجاريات يسرا } ) قال : هي السفن ، ولولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوله ما قلته ) . ثم أمر به فضرب مائة ، وجعل في بيت ، فلما برأ [ دعا به و ] ضربه مائة أخرى ، وحمله على قتب ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري : امنع الناس من مجالسته . فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا . فكتب في ذلك إلى عمر ، فكتب عمر : ما إخاله إلا صدق ، فخل بينه وبين مجالسة الناس . قال أبو بكر البزار : فأبو بكر بن أبي سبرة لين ، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث .

قلت : فهذا الحديث ضعيف رفعه ، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر ، فإن قصة صبيغ بن عسل مشهورة مع عمر ، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنت وعناد ، والله أعلم .

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة . وهكذا فسرها ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، وغير واحد . ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك .

وقد قيل : إن المراد بالذاريات : الريح كما تقدم وبالحاملات وقرا : السحاب كما تقدم ; لأنها تحمل الماء ، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل : وأسلمت نفسي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا

فأما الجاريات يسرا ، فالمشهور عن الجمهور - كما تقدم - : أنها السفن ، تجري ميسرة في الماء جريا سهلا . وقال بعضهم : هي النجوم تجري يسرا في أفلاكها ، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى ، إلى ما هو أعلى منه ، فالرياح فوقها السحاب ، والنجوم فوق ذلك ، والمقسمات أمرا الملائكة فوق ذلك ، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية . وهذا قسم من الله عز جل على وقوع المعاد ; ولهذا قال : ( { إنما توعدون لصادق } ) أي : لخبر صدق ، ( { وإن الدين } ) ، وهو : الحساب ) لواقع ) أي : لكائن لا محالة .

ثم قال : ( { والسماء ذات الحبك } ) قال ابن عباس : ذات البهاء والجمال والحسن والاستواء . وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبو مالك ، وأبو صالح ، والسدي ، وقتادة ، وعطية العوفي ، والربيع بن أنس ، وغيرهم .

وقال الضحاك ، والمنهال بن عمرو ، وغيرهما : مثل تجعد الماء والرمل والزرع إذا ضربته الريح ، فينسج بعضه بعضا طرائق [ طرائق ] ، فذلك الحبك .

قال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; أنه قال : " ( إن من ورائكم الكذاب المضل ، وإن رأسه من ورائه حبك حبك ) " يعني بالحبك الجعودة .

وعن أبي صالح : ( { ذات الحبك } ) : الشدة . وقال خصيف : ( { ذات الحبك } ) : ذات الصفاقة . وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : ( { ذات الحبك } ) : حبكت بالنجوم .

وقال قتادة : عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن عمرو البكالي ، عن عبد الله بن عمرو : ( { والسماء ذات الحبك } ) : يعني السماء السابعة .

وكأنه - والله أعلم - أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة ، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع ، والله أعلم . وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد ، وهو الحسن والبهاء ، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة ، شديدة البناء ، متسعة الأرجاء ، أنيقة البهاء ، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات ، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات .

وقوله : ( { إنكم لفي قول مختلف } ) أي : إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب ، لا يلتئم ولا يجتمع .

وقال قتادة : إنكم لفي قول مختلف ، [ يعني ] ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به .

( { يؤفك عنه من أفك } ) أي : إنما يروج على من هو ضال في نفسه ; لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال غمر ، لا فهم له ، كما قال تعالى : ( { فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم } ) [ الصافات : 161 - 163 ] .

قال ابن عباس ، والسدي : ( { يؤفك عنه من أفك } ) : يضل عنه من ضل . وقال مجاهد : ( { يؤفك عنه من أفك } ) يؤفن عنه من أفن . وقال الحسن البصري : يصرف عن هذا القرآن من كذب به .

وقوله : ( { قتل الخراصون } ) قال مجاهد : الكذابون . قال : وهي مثل التي في عبس : ( { قتل الإنسان ما أكفره } ) [ عبس : 17 ] ، والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( { قتل الخراصون } ) أي : لعن المرتابون .

وهكذا كان معاذ - رضي الله عنه - يقول في خطبه : هلك المرتابون . وقال قتادة : الخراصون أهل الغرة والظنون .

وقوله : ( { الذين هم في غمرة ساهون } ) : قال ابن عباس وغير واحد : في الكفر والشك غافلون لاهون .

( { يسألون أيان يوم الدين } ) : وإنما يقولون هذا تكذيبا وعنادا وشكا واستبعادا . قال الله تعالى : ( { يوم هم على النار يفتنون } ) .

قال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وغير واحد : ( يفتنون ) : يعذبون [ قال مجاهد ] : كما يفتن الذهب على النار .

وقال جماعة آخرون كمجاهد أيضا ، وعكرمة ، وإبراهيم النخعي ، وزيد بن أسلم ، وسفيان الثوري : ( يفتنون ) : يحرقون .

( { ذوقوا فتنتكم } ) : قال مجاهد : حريقكم . وقال غيره : عذابكم . ( { هذا الذي كنتم به تستعجلون } ) : أي : يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 7-7 , الصفحة 413 - 416
counter free hit invisible