<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ والطور } { وكتاب مسطور } { في رق منشور } { والبيت المعمور } { والسقف المرفوع } { والبحر المسجور } { إن عذاب ربك لواقع } { ما له من دافع } .

القسم للتأكيد وتحقيق الوعيد ، ومناسبة الأمور المقسم بها للمقسم عليه أن هذه الأشياء المقسم بها من شئون بعثة موسى عليه السلام إلى فرعون وكان هلاك فرعون ومن معه من جراء تكذيبهم موسى عليه السلام . والطور : الجبل باللغة السريانية قاله مجاهد . وأدخل في العربية وهو من الألفاظ المعربة الواقعة في القرآن .

وغلب علما على طور سيناء الذي ناجى فيه موسى عليه السلام ، وأنزل عليه فيه الألواح المشتملة على أصول شريعة التوراة .

فالقسم به باعتبار شرفه بنزول كلام الله فيه ونزول الألواح على موسى وفي ذكر الطور إشارة إلى تلك الألواح لأنها اشتهرت بذلك الجبل فسميت ( طور ) المعرب بتوراة .

وأما الجبل الذي خوطب فيه موسى من جانب الله فهو جبل حوريب ، واسمه في العربية ( الزبير ) ولعله بجانب الطور كما في قوله تعالى { آنس من جانب الطور نارا } ، وتقدم بيانه في سورة القصص ، وتقدم عند قوله تعالى { ورفعنا فوقكم الطور } في سورة البقرة .

والقسم بالطور توطئة للقسم بالتوراة التي أنزل أولها على موسى في جبل الطور .

والمراد ب { كتاب مسطور } { في رق منشور } التوراة كلها التي كتبها موسى عليه السلام بعد نزول الألواح ، وضمنها كل ما أوحى الله إليه مما أمر بتبليغه في مدة حياته إلى ساعات قليلة قبل وفاته . وهي الأسفار الأربعة المعروفة عند اليهود : سفر التكوين ، وسفر الخروج ، وسفر العدد ، وسفر التثنية ، وهي التي قال الله تعالى في شأنها { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } في سورة الأعراف . وتنكير كتاب للتعظيم . وإجراء الوصفين عليه لتميزه بأنه كتاب مشرف مراد بقاؤه مأمور بقراءته إذ المسطور هو المكتوب .

والسطر : كتابة طويلة ؛ لأنها تجعل سطورا ، أي : صفوفا من الكتابة قال تعالى { وما يسطرون } ، أي : يكتبون .

والرق : ( بفتح الراء بعدها قاف مشددة ) الصحيفة تتخذ من جلد مرقق أبيض ليكتب عليه . وقد جمعها المتلمس في قوله : فكأنما هي من تقادم عهدها رق أتيح كتابها مسطور والمنشور : المبسوط غير المطوي قال يزيد ابن الطثرية : صحائف عندي للعتاب طويتها ستنشر يوما ما والعتاب يطول ، أي : أقسم بحال نشره لقراءته وهي أشرف أحواله ؛ لأنها حالة حصول الاهتداء به للقارئ والسامع .

وكان اليهود يكتبون التوراة في رقروق ملصق بعضها ببعض أو مخيط بعضها ببعض ، فتصير قطعة واحدة ويطوونها طيا أسطوانيا لتحفظ ، فإذا أرادوا قراءتها نشروا مطويها ، ومنه ما في حديث الرجم فنشروا التوراة .

وليس مراد بكتاب مسطور القرآن ؛ لأن القرآن لم يكن يومئذ مكتوبا سطورا ولا هو مكتوبا في رق .

ومناسبة القسم بالتوراة أنها الكتاب الموجود الذي فيه ذكر الجزاء وإبطال الشرك وللإشارة إلى أن القرآن الذي أنكروا أنه من عند الله ليس بدعا فنزلت قبله التوراة وذلك ؛ لأن المقسم عليه وقوع العذاب بهم وإنما هو جزاء على تكذيبهم القرآن ومن جاء به بدليل قوله بعد ذكر العذاب { فويل يومئذ للمكذبين } { الذين هم في خوض يلعبون } .

والقسم بالتوراة يقتضي أن التوراة يومئذ لم يكن فيها تبديل لما كتبه موسى : فإما أن يكون تأويل ذلك على قول ابن عباس في تفسير معنى قوله تعالى { يحرفون الكلم عن مواضعه } أنه تحريف بسوء فهم وليس تبديلا لألفاظ التوراة ، وإما أن يكون تأويله أن التحريف وقع بعد نزول هذه السورة حين ظهرت الدعوة المحمدية وجبهت اليهود دلالة مواضع من التوراة على صفات النبيء محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أو يكون تأويله بأن القسم بما فيه من الوحي الصحيح .

" والبيت المعمور " : عن الحسن أنه الكعبة وهذا الأنسب بعطفه على الطور ، ووصفه ب { المعمور } ؛ لأنه لا يخلو من طائف به ، وعمران الكعبة هو عمرانها بالطائفين قال تعالى { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر } الآية .

ومناسبة القسم سبق القسم بكتاب التوراة فعقب ذلك بالقسم بمواطن نزول القرآن فإن ما نزل به من القرآن أنزل بمكة وما حولها مثل جبل حراء . وكان نزوله شريعة ناسخة لشريعة التوراة ، على أن الوحي كان ينزل حول الكعبة . وفي حديث الإسراء ( بينا أنا نائم عند المسجد الحرام إذ جاءني الملكان ) إلخ ، فيكون توسيط القسم بالكعبة في أثناء ما قسم به من شئون شريعة موسى عليه السلام إدماجا .

وفي الطبري : أن عليا سئل : ما البيت المعمور ؟ فقال : بيت في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا ، يقال له : الضراح . بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وحاء مهملة ، وأن مجاهدا والضحاك وابن زيد قالوا مثل ذلك . وعن قتادة أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال : ( هل تدرون ما البيت المعمور ؟ قال : فإنه مسجد في السماء تحته الكعبة ) إلى آخر الخبر . وثمة أخبار كثيرة متفاوتة في أن في السماء موضعا يقال له : البيت المعمور ، لكن الروايات في كونه المراد من هذه الآية ليست صريحة .

وأما " السقف المرفوع " : ففسروه بالسماء لقوله تعالى { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } وقوله { والسماء رفعها } فالرفع حقيقي ومناسبة القسم بها أنها مصدر الوحي كله التوراة والقرآن . وتسمية السماء على طريقة التشبيه البليغ .

" والبحر " : يجوز أن يراد به البحر المحيط بالكرة الأرضية . وعندي : أن المراد بحر القلزم ، وهو البحر الأحمر ومناسبة القسم به أنه أهلك به فرعون وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون .

و " المسجور " : قيل المملوء ، مشتقا من السجر وهو الملء والإمداد . فهو صفة كاشفة قصد منها التذكير بحال خلق الله إياه مملوءا ماء دون أن تملأه أودية أو سيول ، أو هي للاحتراز عن إرادة الوادي إذ الوادي ينقص فلا يبقى على ملئه ، وذلك دال على عظم القدرة . والظاهر عندي : أن وصفه بالمسجور للإيماء إلى الحالة التي كان بها هلاك فرعون بعد أن فرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل ثم أسجره ، أي : أفاضه على فرعون وملئه .

وعذاب الله المقسم على وقوعه وهو عذاب الآخرة لقوله { يوم تمور السماء مورا } إلى قوله " تكذبون " . وأما عذاب المكذبين في الدنيا فسيجيء في قوله تعالى { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } . وتحقيق وقوع عذاب الله يوم القيامة إثبات للبعث بطريقة الكناية القريبة ، وتهديد للمشركين بطريقة الكناية التعريضية .

والواوات التي في هذه الآية واوات قسم ؛ لأن شأن القسم أن يعاد ويكرر ، ولذلك كثيرا ما يعيدون المقسم به نحو قول النابغة : والله والله لنعم الفتى وإنما يعطفون بالفاء إذا أرادوا صفات المقسم به .

ويجوز صرف الواو الأولى للقسم واللاتي بعدها عاطفات على القسم ، والمعطوف على القسم قسم .

والوقوع : أصله النزول من علو واستعمل مجازا للتحقق وشاع ذلك ، فالمعنى : أن عذاب ربك لمتحقق .

وحذف متعلق " لواقع " ، وتقديره : على المكذبين ، أو بالمكذبين ، كما دل عليه قوله بعد { فويل يومئذ للمكذبين } ، أي : المكذبين بك بقرينة إضافة رب إلى ضمير المخاطب المشعر بأنه معذبهم ؛ لأنه ربك وهم كذبوك فقد كذبوا رسالة الرب . وتضمن قوله { إن عذاب ربك لواقع } إثبات البعث بعد كون الكلام وعيدا لهم على إنكارهم أن يكونوا معذبين .

وأتبع قوله " لواقع بقوله { ما له من دافع } ، وهو خبر ثان عن عذاب أو حال منه ، أي : ما للعذاب دافع يدفعه عنهم .

والدفع : إبعاد الشيء عن شيء باليد وأطلق هنا على الوقاية مجازا بعلاقة الإطلاق ألا يقيهم من عذاب الله أحد بشفاعة أو معارضة .

وزيدت " من " في النفي لتحقيق عموم النفي وشموله ، أي : نفي جنس الدافع .

روى أحمد بن حنبل ( عن جبير بن مطعم قال : قدمت المدينة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأكلمه في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقرأ ( والطور ) إلى { إن عذاب ربك لواقع } { ما له من دافع } فكأنما صدع قلبي ، وفي رواية : فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب ) .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 28-28 , الصفحة 37 - 41
counter free hit invisible