<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

[ سورة الطور ]

أربعون وتسع آيات مكية

( بسم الله الرحمن الرحيم )

( { والطور } { وكتاب مسطور } { في رق منشور } { والبيت المعمور } { والسقف المرفوع } { والبحر المسجور } )

( بسم الله الرحمن الرحيم )

( { والطور } { وكتاب مسطور } { في رق منشور } { والبيت المعمور } { والسقف المرفوع } { والبحر المسجور } ) هذه السورة مناسبة للسورة المتقدمة من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما ، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ؛ لأن في آخرها قوله تعالى : ( { فويل للذين كفروا } ) [ الذاريات : 60 ] وهذه السورة في أولها ( { فويل يومئذ للمكذبين } ) [ الطور : 11 ] وفي آخر تلك السورة قال : ( { فإن للذين ظلموا ذنوبا } ) [ الذاريات : 59 ] إشارة إلى العذاب وقال هنا ( { إن عذاب ربك لواقع } ) [ الطور : 7 ] وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ما الطور ، وما الكتاب المسطور ؟ نقول فيه وجوه :

الأول : الطور هو جبل معروف كلم الله تعالى موسى عليه السلام عليه .

الثاني : هو الجبل الذي قال الله تعالى : ( { وطور سينين } ) [ التين : 2 ] .

الثالث : هو اسم الجنس والمراد القسم بالجبل غير أن الطور الجبل العظيم كالطود ، وأما الكتاب ففيه أيضا وجوه :

أحدها : كتاب موسى عليه السلام .

ثانيها : الكتاب الذي في السماء .

ثالثها : صحائف أعمال الخلق .

رابعها : القرآن وكيفما كان فهي في رقوق ، وسنبين فائدة قوله تعالى : ( { في رق منشور } ) ، وأما البيت المعمور ففيه وجوه :

الأول : هو بيت في السماء العليا عند العرش ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة .

الثاني : هو بيت الله الحرام وهو معمور بالحاج الطائفين به العاكفين .

الثالث : البيت المعمور اللام فيه لتعريف الجنس كأنه يقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة ، " والسقف المرفوع " : السماء ، والبحر المسجور ، قيل : الموقد يقال سجرت التنور ، وقيل هو البحر المملوء ماء المتموج ، وقيل هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان . المسألة الثانية : ما الحكمة في اختيار هذه الأشياء ؟ نقول هي تحتمل وجوها :

أحدها : أن الأماكن الثلاثة وهي : الطور ، والبيت المعمور ، والبحر المسجور ، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله ، أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام ، والبيت محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والبحر المسجور يونس عليه السلام ، والكل خاطبوا الله هناك فقال موسى : ( { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } ) [ الأعراف : 155 ] وقال : ( { أرني أنظر إليك } ) [ الأعراف : 143 ] وأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) ، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك " وأما يونس فقال : ( { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } ) [ الأنبياء : 87 ] فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب ، فحلف الله تعالى بها ، وأما ذكر الكتاب فإن الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن مع الله تعالى كلام والكلام في الكتاب واقترانه بالطور أدل على ذلك ؛ لأن موسى عليه السلام كان له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور ، وأما ذكر السقف المرفوع ومعه البيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - .

ثانيها : وهو أن القسم لما كان على وقوع العذاب وعلى أنه لا دافع له ، وذلك لأن لا مهرب من عذاب الله لأن من يريد دفع العذاب عن نفسه ، ففي بعض الأوقات يتحصن بمثل الجبال الشاهقة التي ليس لها طرف وهي متضايقة بين أنه لا ينفع التحصن بها من أمر الله تعالى كما قال ابن نوح عليه السلام : ( { سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } ) [ هود : 43 ] حكاية عن نوح عليه السلام .

المسألة الثالثة : ما الحكمة في تنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء ؟ نقول : ما يحتمل الخفاء من الأمور الملتبسة بأمثالها من الأجناس يعرف باللام ، فيقال رأيت الأمير ودخلت على الوزير ، فإذا بلغ الأمير الشهرة بحيث يؤمن الالتباس مع شهرته ، ويريد الواصف وصفه بالعظمة ، يقول : اليوم رأيت أميرا ما له نظير جالسا وعليه سيما الملوك وأنت تريد ذلك الأمير المعلوم ، والسبب فيه أنك بالتنكير تشير إلى أنه خرج عن أن يعلم ويعرف بكنه عظمته ، فيكون كقوله تعالى : ( { الحاقة } { ما الحاقة } { وما أدراك ما الحاقة } ) [ الحاقة : 1 ، 3 ] فاللام وإن كانت معرفة لكن أخرجها عن المعرفة كون شدة هولها غير معروف ، فكذلك ههنا الطور ليس في الشهرة بحيث يؤمن اللبس عند التنكير ، وكذلك البيت المعمور ، وأما الكتاب الكريم فقد تميز عن سائر الكتب ، بحيث لا يسبق إلى أفهام السامعين من النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظ الكتاب إلا ذلك ، فلما أمن اللبس وحصلت فائدة التعريف سواء ذكر باللام أو لم يذكر قصدا للفائدة الأخرى وهي في الذكر بالتنكير ، وفي تلك الأشياء لما لم تحصل فائدة التعريف إلا بآلة التعريف استعملها ، وهذا يؤيد كون المراد منه القرآن وكذلك اللوح المحفوظ مشهور .

المسألة الرابعة : ما الفائدة في قوله تعالى : ( { في رق منشور } ) وعظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه وورقه ؟ نقول هو إشارة إلى الوضوح ، وذلك لأن الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه فقال هو ( { في رق منشور } ) وليس كالكتب المطوية وعلى هذا المراد اللوح المحفوظ فمعناه هو منشور لكم لا يمنعكم أحد من مطالعته ، وإن قلنا بأن المراد كتاب أعمال كل أحد فالتنكير لعدم المعرفة بعينه ، وفي رق منشور لبيان وصفه كما قال تعالى : ( { كتابا يلقاه منشورا } ) [ الإسراء : 13 ] وذلك لأن غير المعروف إذا وصف كان إلى المعرفة أقرب شبها .

المسألة الخامسة : في بعض السور أقسم بجموع كما في قوله تعالى : ( { والذاريات } ) [الذاريات : 1] وقوله ( { والمرسلات } ) [ المرسلات : 1] وقوله ( { والنازعات } ) [ النازعات : 1] وفي بعضها بإفراد كما في هذه السورة حيث قال : ( { والطور } ) ولم يقل والأطوار والبحار ، ولا سيما إذا قلنا المراد من الطور الجبل العظيم كالطود ، كما في قوله تعالى : ( { ورفعنا فوقهم الطور } ) [ النساء : 54] أي الجبل فما الحكمة فيه ؟ نقول في الجموع في أكثرها أقسم بالمتحركات، والريح الواحدة ليست بثابتة مستمرة حتى يقع القسم بها ، بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها، والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال : ( { والذاريات } ) إشارة إلى النوع المستمر إلى الفرد المعين المستقر ، وأما الجبل فهو ثابت قليل التغير، والواحد من الجبال دائم زمانا ودهرا ، فأقسم في ذلك بالواحد، وكذلك قوله ( { والنجم } ) [ النجم : 1] والريح ما علم القسم به، وفي الطور علم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 28-28 , الصفحة 205 - 207
counter free hit invisible