<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

سورة " والنجم " مكية ، وهي إحدى وستون آية .

مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وقال ابن عباس وقتادة : إلا آية منها وهي قوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } الآية . وقيل : اثنتان وستون آية . وقيل : إن السورة كلها مدنية . والصحيح أنها مكية لما روى ابن مسعود أنه قال : هي أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة . وفي البخاري عن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم ، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ) وعن عبد الله ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد لها ، فما بقي أحد من القوم إلا سجد ; فأخذ رجل من القوم كفا من حصباء أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال : يكفيني هذا . قال عبد الله : فلقد رأيته بعد قتل كافرا ) ، متفق عليه . الرجل يقال له أمية بن خلف . وفي الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه ( قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة { والنجم إذا هوى } فلم يسجد ) . وقد مضى في آخر " الأعراف " القول في هذا والحمد لله . بسم الله الرحمن الرحيم { والنجم إذا هوى } { ما ضل صاحبكم وما غوى } { وما ينطق عن الهوى } { إن هو إلا وحي يوحى } { علمه شديد القوى } { ذو مرة فاستوى } { وهو بالأفق الأعلى } { ثم دنا فتدلى } { فكان قاب قوسين أو أدنى } { فأوحى إلى عبده ما أوحى } قوله تعالى : { والنجم إذا هوى } قال ابن عباس ومجاهد : معنى { والنجم إذا هوى } والثريا إذا سقطت مع الفجر ; والعرب تسمي الثريا نجما وإن كانت في العدد نجوما ; يقال : إنها سبعة أنجم ، ستة منها ظاهرة وواحد خفي يمتحن الناس به أبصارهم . وفي ( الشفا ) للقاضي عياض : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى في الثريا أحد عشر نجما ) . وعن مجاهد أيضا أن المعنى : والقرآن إذا نزل ; لأنه كان ينزل نجوما . وقاله الفراء . وعنه أيضا : يعني نجوم السماء كلها حين تغرب . وهو قول الحسن قال : أقسم الله بالنجوم إذا غابت . وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد ومعناه جمع ; كقول الراعي : فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها وقال عمر بن أبي ربيعة : أحسن النجم في السماء الثريا والثريا في الأرض زين النساء وقال الحسن أيضا : المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة . وقال السدي : إن النجم هاهنا الزهرة لأن قوما من العرب كانوا يعبدونها . وقيل : المراد به النجوم التي ترجم بها الشياطين ; وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولا كثر انقضاض الكواكب قبل مولده ، فذعر أكثر العرب منها وفزعوا إلى كاهن كان لهم ضريرا ، كان يخبرهم بالحوادث فسألوه عنها فقال : انظروا البروج الاثني عشر فإن انقضى منها شيء فهو ذهاب الدنيا ، فإن لم ينقض منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم ، فاستشعروا ذلك ; فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر العظيم الذي استشعروه ، فأنزل الله تعالى : { والنجم إذا هوى } أي ذلك النجم الذي هوى هو لهذه النبوة التي حدثت . وقيل : النجم هنا هو النبت الذي ليس له ساق ، وهوى أي سقط على الأرض . وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم : والنجم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { إذا هوى } إذا نزل من السماء ليلة المعراج . وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما ( أن عتبة بن أبي لهب وكان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام فقال : لآتين محمدا فلأوذينه ، فأتاه فقال : يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى ، وبالذي دنا فتدلى . ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورد عليه ابنته وطلقها ; فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها وقال : ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة ، فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره ، ثم خرجوا إلى الشام ، فنزلوا منزلا ، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم : إن هذه أرض مسبعة . فقال أبو لهب لأصحابه : أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة ! فإني أخاف على ابني من دعوة محمد ; فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم ، وأحدقوا بعتبة ، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله ) . وقال حسان : من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع وأصل النجم الطلوع ; يقال : نجم السن ونجم فلان ببلاد كذا أي خرج على السلطان . والهوي النزول والسقوط ; يقال : هوى يهوي هويا مثل مضى يمضي مضيا ; قال زهير : فشج بها الأماعز وهي تهوي هوي الدلو أسلمها الرشاء وقال آخر - أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة - : بينما نحن بالبلاكث فالقا ع سراعا والعيس تهوي هويا خطرت خطرة على القلب من ذكراك وهنا فما استطعت مضيا الأصمعي : هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل . قال : وكذلك انهوى في السير إذا مضى فيه ، وهوى وانهوى فيه لغتان بمعنى ، وقد جمعهما الشاعر في قوله : وكم منزل لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي ويقال في الحب : هوي بالكسر يهوى هوى ; أي أحب .

قوله تعالى : { ما ضل صاحبكم } هذا جواب القسم ; أي ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق وما حاد عنه . { وما غوى } الغي ضد الرشد أي ما صار غاويا . وقيل : أي ما تكلم بالباطل . وقيل : أي ما خاب مما طلب والغي : الخيبة ; قال الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي من خاب في طلبه لامه الناس . ثم يجوز أن يكون هذا إخبارا عما بعد الوحي . ويجوز أن يكون إخبارا عن أحواله على التعميم ; أي كان أبدا موحدا لله . وهو الصحيح على ما بيناه في " الشورى " عند قوله : { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } . قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى } { إن هو إلا وحي يوحى } .

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى } قال قتادة : وما ينطق بالقرآن عن هواه وقيل : { عن الهوى } أي بالهوى ; قاله أبو عبيدة ; كقوله تعالى : { فاسأل به خبيرا } أي فاسأل عنه . النحاس : قول قتادة أولى ، وتكون " عن " على بابها ، أي ما يخرج نطقه عن رأيه ، إنما هو بوحي من الله عز وجل ; لأن بعده : { إن هو إلا وحي يوحى } . { إن هو إلا وحي يوحى } الثانية : قد يحتج بهذه الآية من لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث . وفيها أيضا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل . وقد تقدم في مقدمة الكتاب حديث المقدام بن معدي كرب في ذلك والحمد لله . قال السجستاني : إن شئت أبدلت { إن هو إلا وحي يوحى } من { ما ضل صاحبكم } قال ابن الأنباري : وهذا غلط ; لأن " إن " الخفيفة لا تكون مبدلة من " ما " ؛ الدليل على هذا أنك لا تقول : والله ما قمت إن أنا لقاعد .

قوله تعالى : { علمه شديد القوى } يعني جبريل عليه السلام في قول سائر المفسرين ; سوى الحسن فإنه قال : هو الله عز وجل ، ويكون قوله تعالى : { ذو مرة } على قول الحسن تمام الكلام ، ومعناه ذو قوة والقوة من صفات الله تعالى ; وأصله من شدة فتل الحبل ، كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحل .

ثم قال : فاستوى يعني الله عز وجل ; أي : استوى على العرش . روي معناه عن الحسن . وقال الربيع بن أنس والفراء : فاستوى { وهو بالأفق الأعلى } أي : استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام . وهذا على العطف على المضمر المرفوع ب " هو " . وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية المعطوف عليه ; فيقولون : استوى هو وفلان ; وقلما يقولون استوى وفلان ; وأنشد الفراء : ألم تر أن النبع يصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصف أي لا يستوي هو والخروع ; ونظير هذا : أإذا كنا ترابا وآباؤنا والمعنى أإذا كنا ترابا نحن وآباؤنا . ومعنى الآية : استوى جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة الإسراء بالأفق الأعلى . وأجاز العطف على الضمير لئلا يتكرر . وأنكر ذلك الزجاج إلا في ضرورة الشعر . وقيل : المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى ، وهو أجود . وإذا كان المستوي جبريل فمعنى { ذو مرة } في وصفه : ذو منطق حسن ; قاله ابن عباس . وقال قتادة : ذو خلق طويل حسن . وقيل : معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم . ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ) . وقال امرؤ القيس : كنت فيهم أبدا ذا حيلة محكم المرة مأمون العقد وقد قيل : { ذو مرة } ذو قوة . قال الكلبي : وكان من شدة جبريل عليه السلام أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الأرض السفلى ، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء ، حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها . وكان من شدته أيضا أنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند . وكان من شدته : صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم ، فأصبحوا جاثمين خامدين . وكان من شدته هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف . وقال قطرب : تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل : ذو مرة . قال الشاعر : قد كنت قبل لقاكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله أن الله ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله . قال الجوهري : والمرة إحدى الطبائع الأربع ، والمرة : القوة وشدة العقل أيضا . ورجل مرير أي قوي ذو مرة . قال : ترى الرجل النحيف فتزدريه وحشو ثيابه أسد مرير وقال لقيط : حتى استمرت على شزر مريرته مر العزيمة لا رتا ولا ضرعا وقال مجاهد وقتادة : { ذو مرة } ذو قوة ; ومنه قول خفاف بن ندبة : إني امرؤ ذو مرة فاستبقني فيما ينوب من الخطوب صليب فالقوة تكون من صفة الله عز وجل ، ومن صفة المخلوق . فاستوى يعني جبريل على ما بينا ; أي : ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ قاله سعيد بن المسيب وابن جبير . وقيل : فاستوى أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها ; لأنه كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء ، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض ومرة في السماء ; فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى ، ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء ، فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض إلى المغرب ، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه . فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره ، وجعل يمسح الغبار عن وجهه ; فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحدا على مثل هذه الصورة . فقال : يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب . فقال : إن هذا لعظيم فقال : وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا ، ولقد خلق الله إسرافيل له ستمائة جناح ، كل جناح منها قدر جميع أجنحتي ، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يكون بقدر الوصع ) . يعني العصفور الصغير ; دليله قوله تعالى : { ولقد رآه بالأفق المبين } وأما في السماء فعند سدرة المنتهى ، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا صلى الله عليه وسلم . وقول ثالث أن معنى " فاستوى " أي : استوى القرآن في صدره . وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : في صدر جبريل حين نزل به عليه . الثاني : في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه . وقول رابع أن معنى " فاستوى " فاعتدل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : فاعتدل في قوته ، الثاني : في رسالته ؛ ذكرهما الماوردي .

قلت : وعلى الأول يكون تمام الكلام { ذو مرة } ، وعلى الثاني { شديد القوى } . وقول خامس أن معناه فارتفع . وفيه على هذا وجهان ؛ أحدهما : أنه جبريل عليه السلام ارتفع إلى مكانه على ما ذكرنا آنفا ، الثاني : أنه النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج . وقول سادس فاستوى يعني الله عز وجل ، أي : استوى على العرش على قول الحسن . وقد مضى القول فيه في " الأعراف " . قوله تعالى : { وهو بالأفق الأعلى } جملة في موضع الحال ، والمعنى فاستوى عاليا ، أي : استوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يراه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا . والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق . وقال قتادة : هو الموضع الذي تأتي منه الشمس . وكذا قال سفيان : هو الموضع الذي تطلع منه الشمس . ونحوه عن مجاهد . ويقال : أفق وأفق مثل عسر وعسر . وقد مضى في " حم السجدة " . وفرس أفق بالضم أي رائع وكذلك الأنثى ; قال الشاعر [ عمرو بن قنعاس المرادي ] : أرجل لمتي وأجر ذيلي وتحمل شكتي أفق كميت وقيل : وهو أي : النبي صلى الله عليه وسلم { بالأفق الأعلى } يعني ليلة الإسراء وهذا ضعيف ; لأنه يقال : استوى هو وفلان ، ولا يقال استوى وفلان إلا في ضرورة الشعر . والصحيح استوى جبريل عليه السلام وجبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية ; لأنه كان يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بالوحي في صورة رجل ، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يراه على صورته الحقيقية ، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق .

قوله تعالى : { ثم دنا فتدلى } أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي . المعنى أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عظمته ما رأى ، وهاله ذلك رده الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ، وذلك قوله تعالى : { فأوحى إلى عبده } يعني أوحى الله إلى جبريل وكان جبريل { قاب قوسين أو أدنى } ؛ قاله ابن عباس والحسن وقتادة والربيع وغيرهم . وعن ابن عباس أيضا في قوله تعالى : { ثم دنا فتدلى } أن معناه أن الله تبارك وتعالى دنا من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى . وروى نحوه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم . والمعنى : دنا منه أمره وحكمه . وأصل التدلي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه فوضع موضع القرب ; قال لبيد : فتدليت عليه قافلا وعلى الأرض غيابات الطفل وذهب الفراء إلى أن الفاء في فتدلى بمعنى الواو ، والتقدير : ثم تدلى جبريل عليه السلام ودنا . ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت ، فقلت : فدنا فقرب وقرب فدنا ، وشتمني فأساء وأساء فشتمني ; لأن الشتم والإساءة شيء واحد . وكذلك قوله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر } المعنى والله أعلم : انشق القمر واقتربت الساعة . وقال الجرجاني : في الكلام تقديم وتأخير أي تدلى فدنا ; لأن التدلي سبب الدنو . وقال ابن الأنباري : ثم تدلى جبريل أي نزل من السماء فدنا من محمد صلى الله عليه وسلم . وقال ابن عباس : ( تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه ) . وسيأتي . ومن قال : المعنى فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى قد يقول : ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى أي هوى للسجود . وهذا قول الضحاك . قال القشيري : وقيل على هذا تدلى أي تدلل ; كقولك تظنى بمعنى تظنن ، وهذا بعيد ; لأن الدلال غير مرضي في صفة العبودية . قوله تعالى : { فكان قاب قوسين أو أدنى } أي ( كان ) محمد من ربه أو من جبريل ( قاب قوسين ) أي قدر قوسين عربيتين ؛ قاله ابن عباس وعطاء والفراء . الزمخشري : فإن قلت كيف تقدير قوله : { فكان قاب قوسين } قلت : تقديره : فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين ، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله : وقد جعلتني من حزيمة إصبعا أي ذا مقدار مسافة إصبع { أو أدنى } أي على تقديركم ; كقوله تعالى : { أو يزيدون } . وفي الصحاح : وتقول بينهما قاب قوس ، وقيب قوس وقاد قوس ، وقيد قوس ; أي قدر قوس . وقرأ زيد بن علي " قاد " وقرئ " قيد " و " قدر " . ذكره الزمخشري . والقاب ما بين المقبض والسية . ولكل قوس قابان . وقال بعضهم في قوله تعالى : { قاب قوسين } أراد قابي قوس فقلبه . وفي الحديث : ( ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها ) والقد السوط . وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها ) . وإنما ضرب المثل بالقوس ، لأنها لا تختلف في القاب . والله أعلم . قال القاضي عياض : اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى ، وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه - إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق أنوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته . ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام .

ويتأول في قوله عليه السلام : ( ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ) على أحد الوجوه : نزول إجمال وقبول وإحسان . قال القاضي : وقوله : { فكان قاب قوسين أو أدنى } فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبارة عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفي ، وإنافة المنزلة والقرب من الله ; ويتأول فيه ما يتأول في قوله عليه السلام : ( من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) قرب بالإجابة والقبول ، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول . وقد قيل : ثم دنا جبريل من ربه { فكان قاب قوسين أو أدنى } ؛ قاله مجاهد . ويدل عليه ما روي في الحديث : ( إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام ) . وقيل : أو بمعنى الواو أي : قاب قوسين وأدنى . وقيل : بمعنى بل أي بل أدنى . وقال سعيد بن المسيب : القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه ، ولكل قوس قاب واحد . فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى الله عليه وسلم كقرب قاب قوسين . وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة : { فكان قاب قوسين } أي قدر ذراعين ، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء ، وهي لغة بعض الحجازيين . وقيل : هي لغة أزد شنوءة أيضا . وقال الكسائي : قوله : { فكان قاب قوسين أو أدنى } أراد قوسا واحدا ; كقول الشاعر : ومهمهين قذفين مرتين قطعته بالسمت لا بالسمتين أراد مهمها واحدا . والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ومن ذكر قال قويس ; وفي المثل هو من خير قويس سهما . والجمع قسي قسي وأقواس وقياس ; وأنشد أبو عبيدة : ووتر الأساور القياسا والقوس أيضا بقية التمر في الجلة أي : الوعاء . والقوس برج في السماء . فأما " القوس " بالضم فصومعة الراهب ; قال الشاعر جرير وذكر امرأة : لاستفتنتني وذا المسحين في القوس قوله تعالى : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } تفخيم للوحي الذي أوحي إليه . وتقدم معنى الوحي وهو إلقاء الشيء بسرعة ومنه : الوحاء الوحاء . والمعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى . وقيل : المعنى { فأوحى إلى عبده } جبريل عليه السلام ما أوحى . وقيل : المعنى فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه ؛ قاله الربيع والحسن وابن زيد وقتادة . قال قتادة : أوحى الله إلى جبريل وأوحى جبريل إلى محمد . ثم قيل : هذا الوحي هل هو مبهم ؟ لا نطلع عليه نحن وتعبدنا بالإيمان به على الجملة ، أو هو معلوم مفسر ؟ قولان ؛ وبالثاني قال سعيد بن جبير ، قال : أوحى الله إلى محمد : ألم أجدك يتيما فآويتك ! ألم أجدك ضالا فهديتك ! ألم أجدك عائلا فأغنيتك ! { ألم نشرح لك صدرك } { ووضعنا عنك وزرك } { الذي أنقض ظهرك } { ورفعنا لك ذكرك } . وقيل : أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد ، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك .
الكتاب تفسير القرطبي , الجزء 17-17 , الصفحة 76 - 85
counter free hit invisible