<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وهي مكية جميعها في قول الجمهور .

وروي عن ابن عباس ، وعكرمة أنها مكية إلا آية منها .

وهي قوله : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } الآية .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة النجم بمكة ، وأخرج أيضا عن ابن الزبير مثله .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : ( أول سورة أنزلت فيها سجدة " والنجم " فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد الناس كلهم ، إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه ، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا ، وهو أمية بن خلف ) .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : ( أول سورة استعلن بها النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها : " والنجم " )

وأخرج ابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ النجم ، فسجد بنا فأطال السجود ) .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ النجم فلما بلغ السجدة سجد فيها ) .

وأخرج الطيالسي ، وابن أبي شيبة ، وأحمد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، والطبراني ، وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال : ( قرأت النجم عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسجد فيها ) .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في " النجم " بمكة ، فلما هاجر إلى المدينة تركها ) .

وأخرج أيضا عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { والنجم إذا هوى } { ما ضل صاحبكم وما غوى } { وما ينطق عن الهوى } { إن هو إلا وحي يوحى } { علمه شديد القوى } { ذو مرة فاستوى } { وهو بالأفق الأعلى } { ثم دنا فتدلى } { فكان قاب قوسين أو أدنى } { فأوحى إلى عبده ما أوحى } { ما كذب الفؤاد ما رأى } { أفتمارونه على ما يرى } { ولقد رآه نزلة أخرى } { عند سدرة المنتهى } { عندها جنة المأوى } { إذ يغشى السدرة ما يغشى } { ما زاغ البصر وما طغى } { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } { أفرأيتم اللات والعزى } { ومناة الثالثة الأخرى } { ألكم الذكر وله الأنثى } { تلك إذا قسمة ضيزى } { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } { أم للإنسان ما تمنى } { فلله الآخرة والأولى } { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى }

قوله { والنجم إذا هوى } التعريف للجنس ، والمراد جنس النجوم ، وبه قال جماعة من المفسرين ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة : أحسن النجم في السماء الثريا والثريا في الأرض زين النساء وقيل : المراد به الثريا .

وهو اسم غلب فيها ، تقول العرب النجم وتريد به الثريا ، وبه قال مجاهد وغيره ، وقال السدي : النجم هنا هو الزهرة ، لأن قوما من العرب كانوا يعبدونها ، وقيل النجم هنا النبت الذي لا ساق له كما في قوله : { والنجم والشجر يسجدان } [ الرحمن : 6 ] قاله الأخفش .

وقيل النجم محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل النجم القرآن ، وسمي نجما لكونه نزل منجما مفرقا ، والعرب تسمي التفريق تنجيما ، والمفرق : المنجم ، وبه قال مجاهد ، والفراء وغيرهما ، والأول أولى .

قال الحسن : المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة .

وقيل المراد بها النجوم التي ترجم بها الشياطين ، ومعنى هويه : سقوطه من علو ، يقال هوى النجم يهوي هويا : إذا سقط من علو إلى سفل ، وقيل غروبه ، وقيل طلوعه ، والأول أولى ، وبه قال الأصمعي وغيره ، ومنه قول زهير : تسيح بها الأباعر وهي تهوي هوي الدلو أسلمها الرشاء ويقال هوى في السير : إذا مضى ، ومنه قول الشاعر : بينما نحن بالبلاكث فالقا ع سراعا والعيس تهوي هويا خطرت خطرة على القلب من ذك راك وهنا فما استطعت مضيا ومعنى الهوي على قول من فسر النجم بالقرآن : أنه نزل من أعلى إلى أسفل ، وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له ، أو أنه محمد صلى الله عليه وسلم فلا يظهر للهوي معنى صحيح ، والعامل في الظرف فعل القسم المقدر .

{ ما ضل صاحبكم وما غوى } أي ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق والهدى ولا عدل عنه ، والغي : ضد الرشد ، أي ما صار غاويا ، ولا تكلم بالباطل ، وقيل ما خاب فيما طلب ، والغي : الخيبة ، ومنه قول الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما وفي قوله : صاحبكم إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله ، والخطاب لقريش .

{ وما ينطق عن الهوى } أي ما يصدر نطقه عن الهوى لا بالقرآن ولا بغيره ، فعن على بابها .

وقال أبو عبيدة : إن عن بمعنى الباء : أي بالهوى .

قال قتادة : أي ما ينطق بالقراءة عن هواه .

{ إن هو إلا وحي يوحى } أي ما هو الذي ينطق به إلا وحي من الله يوحيه إليه .

وقوله : يوحى صفة ل وحي تفيد الاستمرار التجددي ، وتفيد نفي المجاز : أي هو وحي حقيقة لا لمجرد التسمية .

{ علمه شديد القوى } القوى جمع قوة ، والمعنى : أنه علمه جبريل الذي هو شديد قواه هكذا قال أكثر المفسرين إن المراد جبريل .

وقال الحسن : هو الله عز وجل ، والأول أولى وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف .

{ ذو مرة فاستوى } المرة : القوة والشدة في الخلق ، وقيل ذو صحة جسم وسلامة من الآفات ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوي ) .

وقيل ذو حصافة عقل ومتانة رأي .

قال قطرب : العرب تقول لكل من هو جزل الرأي حصيف العقل ذو مرة ، ومنه قول الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه والتفسير للمرة بهذا أولى ، لأن القوة والشدة قد أفادها قوله : { شديد القوى } قال الجوهري : المرة إحدى الطبائع الأربع ، والمرة : القوة وشدة العقل ، والفاء في قوله : فاستوى للعطف على علمه ، يعني جبريل : أي ارتفع وعاد إلى مكانه في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم ، قاله سعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير .

وقيل معنى استوى قام في صورته التي خلقه الله عليها لأنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين ، وقيل : المعنى فاستوى القرآن في صدره صلى الله عليه وسلم .

وقال الحسن : فاستوى يعني الله عز وجل على العرش .

{ وهو بالأفق الأعلى } هذه الجملة في محل نصب على الحال : أي فاستوى جبريل حال كونه بالأفق الأعلى ، والمراد بالأفق الأعلى : جانب المشرق ، وهو فوق جانب المغرب ، وقيل المعنى : فاستوى عاليا .

والأفق : ناحية السماء وجمعه آفاق .

قال قتادة ، ومجاهد : هو الموضع الذي تطلع منه الشمس ، وقيل : هو يعني جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى ليلة المعراج ، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة .

{ ثم دنا فتدلى } أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى : أي قرب من الأرض ، فتدلى فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي ، وقيل في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : ثم تدلى فدنى ، قال ابن الأنباري وغيره ، قال الزجاج : معنى دنا فتدلى واحد : أي قرب وزاد في القرب كما تقول فدنا مني فلان وقرب ، ولو قلت : قرب مني ودنا جاز .

قال الفراء : الفاء في { فتدلى } بمعنى الواو ، والتقدير : ثم تدلى جبريل ودنا .

ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أن تقدم أيهما شئت .

قال الجمهور : والذي دنا فتدلى هو جبريل ، وقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم . المعنى : دنا منه أمره وحكمه ، والأول أولى .

قيل ومن قال : إن الذي استوى هو جبريل ومحمد ، فالمعنى عنده : ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى : أي هوى للسجود . وبه قال الضحاك .

{ فكان قاب قوسين أو أدنى } أي فكان مقدار ما بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم .

أو ما بين محمد وربه قاب قوسين : أي قدر قوسين عربيين .

والقاب والقيب ، والقاد والقيد : المقدار ، ذكر معناه في الصحاح .

قال الزجاج : أي فيما تقدرون أنتم ، والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا .

وقيل " أو " بمعنى الواو : أي وأدنى ، وقيل بمعنى بل : أي بل أدنى .

وقال سعيد بن جبير ، وعطاء ، وأبو إسحاق الهمداني ، وأبو وائل شقيق بن سلمة { فكان قاب قوسين } قدر ذراعين ، والقوس : الذراع يقاس بها كل شيء ، وهي لغة بعض الحجازيين ، وقيل هي لغة أزد شنوءة .

وقال الكسائي : فكان قاب قوسين أراد قوسا واحدة .

{ فأوحى إلى عبده ما أوحى } أي فأوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى ، وفيه تفخيم للوحي الذي أوحي إليه ، والوحي : إلقاء الشيء بسرعة ، ومنه الوحا وهو السرعة ، والضمير في عبده يرجع إلى الله كما في قوله { ما ترك على ظهرها من دابة } [ فاطر : 45 ] وقيل المعنى : فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى ، وبالأول قال الربيع ، والحسن ، وابن زيد ، وقتادة .

وقيل فأوحى الله إلى عبده محمد .

قيل وقد أبهم الله سبحانه ما أوحاه جبريل إلى محمد ، أو ما أوحاه الله إلى عبده جبريل أو إلى محمد ولم يبينه لنا ، فليس لنا أن نتعرض لتفسيره .

وقال سعيد بن جبير : الذي أوحى إليه هو { ألم نشرح لك صدرك } [ الشرح : 1 ] إلخ ، و { ألم يجدك يتيما فآوى } [ الضحى : 6 ] إلخ .

وقيل أوحى الله إليه : ( إن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها ، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك ) .

وقيل إن " ما " للعموم لا للإبهام ، والمراد كل ما أوحى به إليه ، والحمل على الإبهام أولى لما فيه من التعظيم { ما كذب الفؤاد ما رأى } أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بصره ليلة المعراج ، يقال كذبه : إذا قال له الكذب ولم يصدقه .

قال المبرد : معنى الآية أنه رأى شيئا فصدق فيه .

قرأ الجمهور { ما كذب } مخففا ، وقرأ هشام ، وأبو جعفر بالتشديد ، و " ما " في " ما رأى " موصولة أو مصدرية في محل نصب بكذب مخففا ومشددا .

{ أفتمارونه على ما يرى } .

قرأ الجمهور { أفتمارونه } بالألف من المماراة ، وهي المجادلة والملاحاة ، وقرأ حمزة ، والكسائي " أفتمرونه " بفتح التاء وسكون الميم : أي أفتجدونه ، واختار أبو عبيد القراءة الثانية .

قال : لأنهم لم يماروه وإنما جحدوه ، يقال مراه حقه : أي جحده .

ومريته أنا : جحدته .

قال ومنه قول الشاعر : لإن هجوت أخا صدق ومكرمة لقد مريت أخا ما كان يمريكا أي جحدته .

قال المبرد : يقال أمرأه عن حقه وعلى حقه : إذا منعه منه ودفعه .

وقيل على بمعنى عن .

وقرأ ابن مسعود والشعبي ومجاهد ، والأعرج " أفتمرونه " بضم التاء من أمريت : أي أتريبونه وتشكون فيه .

قال جماعة من المفسرين : المعنى على قراءة الجمهور أفتجادلونه ، وذلك أنهم جادلوه حين أسري به فقالوا : صف لنا مسجد بيت المقدس ، أي أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما شاهده وعلمه .

واللام في قوله : { ولقد رآه نزلة أخرى } هي الموطئة للقسم : أي والله لقد رآه نزلة أخرى ، والنزلة المرة من النزول ، فانتصابها على الظرفية أو منتصبة على المصدر الواقع موقع الحال : أي رأى جبريل نازلا نزلة أخرى ، أو على أنه صفة مصدر مؤكد محذوف : أي رآه رؤية أخرى .

قال جمهور المفسرين : المعنى أنه رأى محمد جبريل مرة أخرى ، وقيل رأى محمد ربه مرة أخرى بفؤاده .

{ عند سدرة المنتهى } الظرف منتصب برآه ، والسدر هو شجر النبق ، وهذه السدرة هي في السماء السادسة كما في الصحيح ، وروي أنها في السماء السابعة .

والمنتهى : مكان الانتهاء ، أو هو مصدر ميمي ، والمراد به الانتهاء نفسه ، قيل إليها ينتهي علم الخلائق ولا يعلم أحد منهم ما وراءها ، وقيل ينتهي إليها ما يعرج به من الأرض ، وقيل تنتهي إليها أرواح الشهداء ، وقيل غير ذلك .

وإضافة الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشيء إلى مكانه .

{ عندها جنة المأوى } أي عند تلك السدرة جنة تعرف بجنة المأوى ، وسميت جنة المأوى لأنه أوى إليها آدم ، وقيل إنها أرواح المؤمنين تأوي إليها .

قرأ الجمهور جنة برفع جنة على أنها مبتدأ وخبرها الظرف المتقدم .

وقرأ علي ، وأبو الدرداء ، وأبو هريرة ، وابن الزبير ، وأنس ، وزر بن حبيش ، ومحمد بن كعب ، ومجاهد ، وأبو سبرة الجهني " جنه " فعلا ماضيا من جن يجن : أي ضمه المبيت ، أو ستره إيواء الله له .

قال الأخفش : أدركه . كما تقول جنه الليل أي ستره وأدركه ، والجملة في محل نصب على الحال .

{ إذ يغشى السدرة ما يغشى } العامل في الظرف رآه أيضا ، وهو ظرف زمان ، والذي قبله ظرف مكان ، والغشيان بمعنى التغطية والستر ، وبمعنى الإتيان يقال : فلان يغشاني كل حين : أي يأتيني ، وفي الإبهام في قوله : { ما يغشى } من التفخيم ما لا يخفى ، وقيل يغشاها جراد من ذهب ، وقيل طوائف من الملائكة .

وقال مجاهد : رفرف أخضر ، وقيل رفرف من طيور خضر ، وقيل غشيها أمر الله ، والمجيء بالمضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا للصورة البديعة ، أو للدلالة على الاستمرار التجددي .

{ ما زاغ البصر } أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم عما رآه { وما طغى } أي ما جاوز ما رأى ، وفي هذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام حيث لم يلتفت ، ولم يمل بصره ، ولم يمده إلى غير ما رأى ، وقيل ما جاوز ما أمر به .

{ لقد رأى من آيات ربه الكبرى } أي والله لقد رأى تلك الليلة من آيات ربه العظام ما لا يحيط به الوصف ، قيل رأى رفرفا سد الأفق ، وقيل رأى جبريل في حلة خضراء قد ملأ ما بين السماء والأرض له ستمائة جناح ، كذا في صحيح مسلم وغيره ، وقال الضحاك : رأى سدرة المنتهى ، وقيل هو كل ما رآه تلك الليلة في مسراه وعوده ، و " من " للتبعيض ومفعول " رأى " الكبرى ، ويجوز أن يكون المفعول محذوفا أي رأى شيئا عظيما من آيات ربه ، ويجوز أن تكون " من " زائدة .

{ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } لما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين : موبخا لهم ومقرعا أفرأيتم أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها ، وهل أوحت إليكم شيئا كما أوحى الله إلى محمد ، أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع .

ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها .

قال الواحدي وغيره : وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى ، فقالوا من الله : اللات ، ومن العزيز : العزى ، وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة ، ومناة : من منى الله الشيء إذا قدره .

قرأ الجمهور { اللات } بتخفيف التاء ، فقيل هو مأخوذ من اسم الله سبحانه كما تقدم وقيل أصله لات يليت ، فالتاء أصلية ، وقيل هي زائدة وأصله لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون عليها ويطوفون بها .

واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء ؟ فوقف عليها الجمهور بالتاء ووقف عليها الكسائي بالهاء ، واختار الزجاج ، والفراء الوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف فإنها تكتب بالتاء .

وقرأ ابن عباس ، وابن الزبير ، ومجاهد ، ومنصور بن المعتمر ، وأبو الجوزاء ، وأبو صالح ، وحميد " اللات " بتشديد التاء ، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير ، فقيل هو اسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج ، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه ، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل . قال مجاهد : كان رجلا في رأس جبل يتخذ من لبنها وسمنها حيسا ويطعم الحاج ، وكان ببطن نخلة ، فلما مات عبدوه . وقال الكلبي : كان رجلا من ثقيف له صرمة غنم ، وقيل إنه عامر بن الظرب العدواني ، وكان هذا الصنم لثقيف ، وفيه يقول الشاعر : لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف ينصركم من ليس ينتصر قال في الصحاح : واللات اسم صنم لثقيف ، وكان بالطائف . وبعض العرب يقف عليها بالتاء ، وبعضهم بالهاء .

{ والعزى } صنم قريش وبني كنانة .

قال مجاهد : هي شجرة كانت بغطفان ، وكانوا يعبدونها ، فبعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها ، وقيل كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة .

وقال سعيد بن جبير : العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه .

وقال قتادة : هي بيت كان ببطن نخلة { ومناة } صنم بني هلال ، وقال ابن هشام : صنم هذيل وخزاعة .

وقال قتادة : كانت للأنصار .

قرأ الجمهور مناة بألف من دون همزة ، وقرأ ابن كثير ، وابن محيصن ، وحميد ، ومجاهد ، والسلمي بالمد والهمز .

فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمنى .

أي صب ، لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها .

وأما على القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء ، وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء ، وقيل هما لغتان للعرب ، ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير : أزيد مناة توعد يا ابن تيم تأمل أين تاه بك الوعيد ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي : ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة على السر فيما بيننا ابن تميم وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف ، ووقف ابن كثير ، وابن محيصن عليها بالهاء .

قال في الصحاح : ومناة اسم صنم كان بين مكة والمدينة ، والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء ، وهي لغة .

قوله : { الثالثة الأخرى } هذا وصف لمناة ، وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى ، والثالثة لا تكون إلا أخرى .

قال أبو البقاء : فالوصف بالأخرى للتأكيد وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى ، والعرب إنما تصف به الثانية ، فقال الخليل : إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآية كقوله : { مآرب أخرى } [ طه : 18 ] وقال الحسين بن الفضل : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة .

وقيل إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم لأنها كانت عند المشركين عظيمة ، وقيل إن ذلك للتحقير والذم ، وإن المراد المتأخرة الوضيعة كما في قوله : { قالت أخراهم لأولاهم } [ الأعراف : 38 ] أي وضعاؤهم لرؤسائهم .

ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال : { ألكم الذكر وله الأنثى } أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور ، قيل وذلك قولهم : إن الملائكة بنات الله ، وقيل المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء لله ، ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث .

ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من الاستفهام قسمة جائرة فقال : { تلك إذا قسمة ضيزى } قرأ الجمهور { ضيزى } بياء ساكنة بغير همزة ، وقرأ ابن كثير بهمزة ساكنة ، والمعنى : أنها قسمة خارجة عن الصواب جائرة عن العدل مائلة عن الحق .

قال الأخفش : يقال ضاز في الحكم : أي جار ، وضازه حقه يضيزه ضيزا : أي نقصه وبخسه ، قال : وقد يهمز ، وأنشد : فإن تنأ عنا ننتقصك وإن تغب فحقك مضئوز وأنفك راغم وقال الكسائي : ضاز يضيز ضيزا ، وضاز يضوز ضوزا : إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص ، ومنه قول الشاعر : ضازت بنو أسد بحكمهم إذ يجعلون الرأس كالذنب قال الفراء : وبعض العرب يقول : ضئزى بالهمز ، وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه سمع العرب تهمز ضيزى ، قال البغوي : ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت إنما تكون في الأسماء مثل ذكرى .

قال المؤرج : كرهوا ضم الضاد في ضيزى وخافوا انقلاب الياء واوا وهي من بنات الواو ، فكسروا الضاد لهذه العلة كما قالوا في جمع أبيض بيض ، وكذا قال الزجاج .

وقيل هي مصدر كذكرى ، فيكون المعنى : قسمة ذات جور وظلم .

ثم رد سبحانه عليهم بقوله : { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } أي ما الأوثان أو الأصنام باعتبار ما تدعونه من كونها آلهة إلا أسماء محضة ، ليس فيها شيء من معنى الألوهية التي تدعونها ، لأنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل ولا تفهم ولا تضر ولا تنفع ، فليست إلا مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ، قلد الآخر فيها الأول ، وتبع في ذلك الأبناء الآباء .

وفي هذا من التحقير لشأنها ما لا يخفى كما تقول في تحقير رجل : ما هو إلا اسم إذا لم يكن مشتملا على صفة معتبرة ، ومثل هذه الآية قوله تعالى { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها } [ يوسف : 40 ] يقال : سميته زيدا وسميته بزيد ، فقوله سميتموها صفة لأصنام ، والضمير يرجع إلى الأسماء لا إلى الأصنام : أي جعلتموها أسماء لا جعلتم لها أسماء .

وقيل إن قوله هي راجع إلى الأسماء الثلاثة المذكورة ، والأول أولى ما أنزل الله بها من سلطان أي ما أنزل بها من حجة ولا برهان .

قال مقاتل : لم ينزل لنا كتابا لكم فيه حجة كما تقولون إنها آلهة ، ثم أخبر عنهم بقوله : إن يتبعون إلا الظن أي ما يتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا ، والتفت من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عنهم وتحقيرا لشأنهم فقال : { وما تهوى الأنفس } أي تميل إليه وتشتهيه من غير التفات إلى ما هو الحق الذي يجب الاتباع له .

قرأ الجمهور يتبعون بالتحتية على الغيبة ، وقرأ عيسى بن عمر ، وأيوب ، وابن السميفع بالفوقية على الخطاب ، ورويت هذه القراءة عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وطلحة وابن وثاب { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } أي البيان الواضح الظاهر بأنها ليست بآلهة ، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل يتبعون ، ويجوز أن يكون اعتراضا ، والأول أولى .

والمعنى : كيف يتبعون ذلك والحال أن قد جاءهم ما فيه هدى لهم من عند الله على لسان رسوله الذي بعثه الله بين ظهرانيهم وجعله من أنفسهم .

{ أم للإنسان ما تمنى } " أم " هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة التي للإنكار ، فأضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم ، وعن اتباعهم هوى الأنفس وما تميل إليه ، وانتقل إلى إنكار أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم .

ثم علل انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى بقوله : { فلله الآخرة والأولى } أي إن أمور الآخرة والدنيا بأسرها لله عز وجل فليس لهم معه أمر من الأمور ، ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة وأطماعهم الفارغة .

ثم أكد ذلك وزاد في إبطال ما يتمنونه فقال : { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا } وكم هنا هي الخبرية المفيدة للتكثير ومحلها الرفع على الابتداء والجملة بعدها خبرها ، ولما في " كم " من معنى التكثير جمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك ، والمعنى : التوبيخ لهم بما يتمنون ويطمعون فيه من شفاعة الأصنام مع كون الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتها على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له ، فكيف بهذه الجمادات الفاقدة للعقل والفهم وهو معنى قوله : { إلا من بعد أن يأذن الله } لهم بالشفاعة لمن يشاء أن يشفعوا له { ويرضى } بالشفاعة له لكونه من أهل التوحيد ، وليس للمشركين في ذلك حظ ولا يأذن الله بالشفاعة لهم ولا يرضاها لكونهم ليسوا من المستحقين لها .

وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس { والنجم إذا هوى } قال : إذا انصب .

وأخرج ابن المنذر عنه قال : هو الثريا إذا تدلت .

وأخرج عنه أيضا قال : أقسم الله أن ما ضل محمد ولا غوى .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : { ذو مرة } قال : ذو خلق حسن .

وأخرج أحمد وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين ، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسد الأفق ، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد ، فذلك قوله : { وهو بالأفق الأعلى } { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } قال : خلق جبريل ) .

وأخرج ابن جرير ، وأبو الشيخ عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح ) وأخرجه أحمد عنه أيضا .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { وهو بالأفق الأعلى } قال : مطلع الشمس .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود في قوله : { فكان قاب قوسين أو أدنى } قال : ( رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل له ستمائة جناح ) .

وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، والترمذي وصححه وابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني ، وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه ، وأبو نعيم ، والبيهقي عنه في قوله : { ما كذب الفؤاد ما رأى } قال : ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض ) .

وأخرج ابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { ثم دنا فتدلى } قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم دنا فتدلى إلى ربه .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه عنه قال دنا ربه فتدلى .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله : { فكان قاب قوسين } قال : دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : القاب القيد ، والقوسين الذراعين .

وأخرج ابن المنذر ، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم اقترب من ربه . فكان قاب قوسين أو أدنى ، ألم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر .

وأخرج النسائي ، وابن المنذر ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس { فأوحى إلى عبده ما أوحى } قال : عبده محمد صلى الله عليه وسلم .

وأخرج مسلم ، والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات عنه في قوله : { ما كذب الفؤاد ما رأى } { ولقد رآه نزلة أخرى } قال : رأى محمد ربه بقلبه مرتين .

وأخرج نحوه عنه عبد بن حميد ، والترمذي وحسنه وابن جرير ، وابن المنذر ، والطبراني ، وابن مردويه .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : رأى محمد ربه .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه عنه قال : رأى محمد ربه مرتين مرة ببصره ومرة بفؤاده .

وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي عنه أيضا قال : لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل .

وأخرج النسائي ، والحاكم وصححه وابن مردويه عنه أيضا قال : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ، والكلام لموسى ، والرؤية لمحمد ؟ وقد روي نحو هذا عنه من طرق .

وأخرج مسلم ، والترمذي ، وابن مردويه عن أبي ذر قال ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ؟ قال : نور أنى أراه ؟ ) .

وأخرج مسلم ، وابن مردويه عنه ( أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ؟ قال : رأيت نورا ) .

وأخرج عبد بن حميد ، والنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه ولم يره ببصره .

وأخرج مسلم عن أبي هريرة في قوله : { ولقد رآه نزلة أخرى } قال جبريل .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، ومسلم ، والترمذي ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن مسعود قال : ( لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى ) ، وهي في السماء السادسة ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها ، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها

{ إذ يغشى السدرة ما يغشى } قال : فراش من ذهب .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال الجنة في السماء السابعة العليا ، والنار في الأرض السابعة السفلى .

وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال : كان اللات رجلا يلت السويق للحاج .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه عنه أن العزى كانت ببطن نخلة ، وأن اللات كان بالطائف ، وأن مناة كانت بقديد .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { ضيزى } قال : جائرة لا حق لها .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1417 - 1421
counter free hit invisible