<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وهي مكية كلها في قول الجمهور .

وقال مقاتل : هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله { أم يقولون نحن جميع منتصر } إلى قوله : { والساعة أدهى وأمر } قال القرطبي : ولا يصح .

وأخرج ابن الضريس ، وابن مردويه ، والنحاس ، ، والبيهقي ، في الدلائل عن ابن عباس أنها نزلت بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : " اقتربت " تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيض الوجوه .

قال البيهقي : منكر .

وأخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه ( من قرأ { اقتربت الساعة } في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ) .

وأخرج ابن الضريس نحوه عن ليث بن معن عن شيخ من همدان رفعه ، وقد تقدم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بقاف ، واقتربت الساعة في الأضحى والفطر ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { اقتربت الساعة وانشق القمر } { وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } { وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر } { ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر } { حكمة بالغة فما تغن النذر } { فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شيء نكر } { خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر } { مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر } { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } { وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر } { وحملناه على ذات ألواح ودسر } { تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر } { ولقد تركناها آية فهل من مدكر } { فكيف كان عذابي ونذر } { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }

قوله : { اقتربت الساعة وانشق القمر } أي قربت ولا شك أنها قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد قيام النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة .

ويمكن أن يقال إنها لما كانت متحققة الوقوع لا محالة كانت قريبة ، فكل آت قريب { وانشق القمر } أي وقد انشق القمر ، وكذا قرأ حذيفة بزيادة " قد " والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوة معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف .

قال الواحدي : وجماعة المفسرين على هذا إلا ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال : المعنى سينشق القمر ، والعلماء كلهم على خلافه .

قال : وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر ، لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة .

قال ابن كيسان : في الكلام تقديم وتأخير : أي انشق القمر واقتربت الساعة .

وحكى القرطبي عن الحسن مثل قول عطاء أنه الانشقاق الكائن يوم القيامة ، وقيل معنى { وانشق القمر } : وضح الأمر وظهر ، والعرب تضرب بالقمر المثل فيما وضح .

وقيل انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه وطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقا لانفلاق الظلمة عنه .

قال ابن كثير : قد كان الانشقاق في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة .

قال : وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات .

قال الزجاج : زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة .

والأمر بين في اللفظ وإجماع أهل العلم ، لأن قوله : { وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة . انتهى ، ولم يأت من خالف الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد ، فقال : لأنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية ، والناس في الآيات سواء .

ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلا ولا شرعا ولا عادة ، ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر ، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ، ويضرب به في وجه قائله .

والحاصل أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله ، فقد أخبرنا بأنه انشق ، ولم يخبرنا بأنه سينشق ، وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة ، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ، ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ واستبعاد من استبعد ، وسيأتي ذكر بعض ما ورد في ذلك إن شاء الله { وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } قال الواحدي : قال المفسرون : لما انشق القمر قال المشركون سحرنا محمد ، فقال الله : { وإن يروا آية } يعني انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق والإيمان بها ، ويقولوا سحر قوي شديد يعلو كل سحر ، من قولهم استمر الشيء إذا قوي واستحكم ، وقد قال بأن معنى مستمر : قوي شديد ، جماعة من أهل العلم .

قال الأخفش : هو مأخوذ من إمرار الحبل ، وهو شدة فتله ، وبه قال أبو العالية ، والضحاك واختاره النحاس ، ومنه قول لقيط : حتى استمر على شر لا يزينه صدق العزيمة لا رثا ولا ضرعا وقال الفراء ، والكسائي ، وأبو عبيدة : { سحر مستمر } أي ذاهب ، من قولهم مر الشيء واستمر : إذا ذهب ، وبه قال قتادة ، ومجاهد وغيرهما ، واختاره النحاس .

وقيل معنى مستمر : دائم مطرد ، ومنه قول الشاعر : ألا إنما الدنيا ليال وأعصر وليس على شيء قديم بمستمر أي بدائم باق ، وقيل مستمر باطل ، روي هذا عن أبي عبيدة أيضا .

وقيل يشبه بعضه بعضا ، وقيل قد مر من الأرض إلى السماء ، وقيل هو من المرارة : يقال مر الشيء صار مرا : أي مستبشع عندهم .

وفي هذه الآية أعظم دليل على أن الانشقاق قد كان كما قررنا سابقا .

ثم ذكر سبحانه تكذيبهم فقال : { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } أي وكذبوا رسول الله ، وما عاينوا من قدرة الله ، واتبعوا أهواءهم وما زينه لهم الشيطان الرجيم ، وجملة { وكل أمر مستقر } مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من التكذيب واتباع الأهواء : أي وكل أمر من الأمور منته إلى غاية ، فالخير يستقر بأهل الخير ، والشر يستقر بأهل الشر .

قال الفراء : يقول يستقر قرار تكذيبهم وقرار قول المصدقين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب .

قال الكلبي : المعنى لكل أمر حقيقة ، ما كان منه في الدنيا فسيظهر ، وما كان منه في الآخرة فسيعرف .

قرأ الجمهور " مستقر " بكسر القاف ، وهو مرتفع على أنه خبر المبتدأ وهو " كل " .

وقرأ أبو جعفر ، وزيد بن علي بجر " مستقر " على أنه صفة لأمر ، وقرأ شيبة بفتح القاف ، ورويت هذه القراءة عن نافع .

قال أبو حاتم : ولا وجه لها ، وقيل لها وجه بتقدير مضاف محذوف : أي وكل أمر ذو استقرار ، أو زمان استقرار ، أو مكان استقرار ، على أنه مصدر ، أو ظرف زمان ، أو ظرف مكان .

{ ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر } أي ولقد جاء كفار مكة ، أو الكفار على العموم من الأنباء ، وهي أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن { ما فيه مزدجر } أي ازدجار على أنه مصدر ميمي ، يقال زجرته : إذا نهيته عن السوء ووعظته ، ويجوز أن يكون اسم مكان ، والمعنى : جاءهم ما فيه موضع ازدجار : أي أنه في نفسه موضع لذلك ، وأصله " مزتجر " وتاء الافتعال تقلب دالا مع الزاي والدال والذال كما تقرر في موضعه ، وقرأ زيد بن علي " مزجر " بقلب تاء الافتعال زايا وإدغام الزاي في الزاي ، و " من " في قوله : من الأنباء للتبعيض وهي وما دخلت عليه في محل نصب على الحال .

وارتفاع " حكمة بالغة " على أنها خبر مبتدأ محذوف أو بدل من " ما " بدل كل من كل ، أو بدل اشتمال ، والمعنى : أن القرآن حكمة قد بلغت الغاية ليس فيها نقص ولا خلل ، وقرئ بالنصب على أنها حال من ما : أي حال كون ما فيه مزدجر حكمة بالغة { فما تغن النذر } " ما " يجوز أن تكون استفهامية وأن تكون نافية : أي : أي شيء تغني النذر ، أو لم تغن النذر شيئا ، والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجيء الحكمة البالغة ، والنذر جمع نذير بمعنى المنذر ، أو بمعنى الإنذار على أنه مصدر .

ثم أمره سبحانه بالإعراض عنهم فقال : فتول عنهم أي أعرض عنهم حيث لم يؤثر فيهم الإنذار ، وهي منسوخة بآية السيف { يوم يدعو الداعي إلى شيء نكر } انتصب الظرف إما بفعل مقدر : أي اذكر ، وإما بـ " يخرجون " المذكور بعده ، وإما بقوله : " فما تغن " ، ويكون قوله : { فتول عنهم } اعتراض ، أو بقوله : " يقول الكافرون " .

أو بقوله : خشعا وسقطت الواو من " يدع " اتباعا للفظ ، وقد وقعت في الرسم هكذا وحذفت الياء من " الداع " للتخفيف واكتفاء بالكسرة ، و " الداع " هو إسرافيل ، والشيء النكر : الأمر الفظيع الذي ينكرونه استعظاما له لعدم تقدم العهد لهم بمثله .

قرأ الجمهور بضم الكاف .

وقرأ ابن كثير بسكونها تخفيفا .

وقرأ مجاهد ، ، وقتادة ، بكسر الكاف وفتح الراء على صيغة الفعل المجهول .

{ خشعا أبصارهم } قرأ الجمهور " خشعا " جمع خاشع .

وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو عمرو خاشعا على الإفراد ، ومنه قول الشاعر : وشباب حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد وقرأ ابن مسعود " خاشعة " قال الفراء : الصفة إذا تقدمت على الجماعة جاز فيها التذكير والتأنيث والجمع : يعني جمع التكسير لا جمع السلامة ؛ لأنه يكون من الجمع بين فاعلين ، ومثل قراءة الجمهور قول امرئ القيس : وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلد وانتصاب " خشعا " على الحال من فاعل " يخرجون " ، أو من الضمير في عنهم ، والخشوع في البصر : الخضوع والذلة ، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين فيها { يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر } أي يخرجون من القبور ، وواحد الأجداث جدث وهو القبر ، كأنهم لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض جراد منتشر : أي منبث في الأقطار مختلط بعضه ببعض .

{ مهطعين إلى الداعي } الإهطاع : الإسراع أي قال كونهم مسرعين إلى الداعي ، وهو إسرافيل ، ومنه قول الشاعر : بدجلة دارهم ولقد أراهم بدجلة مهطعين إلى السماع أي مسرعين إليه .

وقال الضحاك : مقبلين .

وقال قتادة : عامدين .

وقال عكرمة : فاتحين آذانهم إلى الصوت ، والأول أولى ، وبه قال أبو عبيدة وغيره ، وجملة { يقول الكافرون هذا يوم عسر } في محل نصب على الحال من ضمير مهطعين ، والرابط مقدر أو مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل ، فماذا يكون حينئذ .

والعسر : الصعب الشديد ، وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين .

ثم ذكر سبحانه تفصيل بعض ما تقدم من الأنباء المجملة فقال : { كذبت قبلهم قوم نوح } أي كذبوا نبيهم ، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله : { فكذبوا عبدنا } تفسير لما قبله من التكذيب المبهم ، وفيه مزيد تقرير وتأكيد : أي فكذبوا عبدنا نوحا ، وقيل المعنى : كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا نوحا بتكذيبهم للرسل فإنه منهم .

ثم بين سبحانه أنهم لم يقتصروا على مجرد التكذيب فقال : { وقالوا مجنون } أي نسبوا نوحا إلى الجنون ، وقوله : وازدجر معطوف على قالوا : أي وزجر عن دعوى النبوة وعن تبليغ ما أرسل به بأنواع الزجر ، والدال بدل من تاء الافتعال كما تقدم قريبا ، وقيل إنه معطوف على " مجنون " : أي ازدجرته الجن وذهبت بلبه ، والأول أولى .

قال مجاهد : هو من كلام الله سبحانه أخبر عنه بأنه انتهر وزجر بالسب بأنواع الأذى .

قال الرازي : وهذا أصح ، لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدمه .

{ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } أي دعا ربه على قومه بأني مغلوب من جهة قومي لتمردهم عن الطاعة وزجرهم لي عن تبليغ الرسالة ، فانتصر لي : أي انتقم لي منهم .

طلب من ربه سبحانه النصرة عليهم لما أيس من إجابتهم وعلم تمردهم وعتوهم وإصرارهم على ضلالتهم .

قرأ الجمهور " أني " بفتح الهمزة : أي بأني .

وقرأ ابن أبي إسحاق ، والأعمش بكسر الهمزة ، ورويت هذه القراءة عن عاصم على تقدير إضمار القول : أي فقال .

ثم ذكر سبحانه ما عاقبهم به فقال : { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } أي منصب انصبابا شديدا ، والهمر : الصب بكثرة ، يقال : همر الماء والدمع يهمر همرا وهمورا : إذا كثر ، ومنه قول الشاعر : أعيني جودا بالدموع الهوامر على خير باد من معد وحاضر ومنه قول امرئ القيس يصف عينا : راح تمر به الصبا ثم انتحى فيه بشؤبوب جنوب منهمر قرأ الجمهور " فتحنا " مخففا .

وقرأ ابن عامر ، ويعقوب بالتشديد .

{ وفجرنا الأرض عيونا } أي جعلنا الأرض كلها عيونا متفجرة ، والأصل فجرنا عيون الأرض .

قرأ الجمهور " فجرنا " بالتشديد .

وقرأ ابن مسعود ، وأبو حيوة ، وعاصم في رواية عنه بالتخفيف .

قال عبيد بن عمير : أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون { فالتقى الماء على أمر قد قدر } أي التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضي عليهم : أي كائنا على حال قدرها الله وقضى بها .

وحكى ابن قتيبة أن المعنى : على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر ، بل كان ماء السماء وماء الأرض على سواء .

قال قتادة : قدر لهم إذ كفروا أن يغرقوا .

وقرأ الجحدري " فالتقى الماآن " وقرأ الحسن " فالتقى الماوان " ورويت هذه القراءة عن علي بن أبي طالب ، ومحمد بن كعب .

{ وحملناه على ذات ألواح ودسر } أي وحملنا نوحا على سفينة ذات ألواح ، وهي الأخشاب العريضة " ودسر " قال الزجاج : هي المسامير التي تشد بها الألواح واحدها دسار ، وكل شيء أدخل في شيء يشده فهو الدسر ، وكذا قال قتادة ، ومحمد بن كعب ، وابن زيد ، وسعيد بن جبير وغيرهم . وقال الحسن ، وشهر بن حوشب ، وعكرمة : الدسر ظهر السفينة التي يضربها الموج ، سميت بذلك لأنها تدسر الماء : أي تدفعه ، والدسر الدفع .

وقال الليث : الدسار خيط تشد به ألواح السفينة .

قال في الصحاح : الدسار واحد الدسر وهي خيوط تشد بها ألواح السفينة ، ويقال هي المسامير .

{ تجري بأعيننا } أي بمنظر ومرأى منا وحفظ لها كما في قوله : { واصنع الفلك بأعيننا } [ هود : 37 ] وقيل بأمرنا ، وقيل بوحينا ، وقيل بالأعين النابعة من الأرض ، وقيل بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها { جزاء لمن كان كفر } قال الفراء : فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر به وجحد أمره وهو نوح عليه السلام ، فإنه كان لهم نعمة كفروها فانتصاب " جزاء " على العلة ، وقيل على المصدرية بفعل مقدر : أي جازيناهم جزاء .

قرأ الجمهور " كفر " مبنيا للمفعول ، والمراد به نوح .

وقيل هو الله سبحانه ، فإنهم كفروا به وجحدوا نعمته .

وقرأ يزيد بن رومان ، ، وقتادة ، ، ومجاهد ، وحميد ، وعيسى " كفر " بفتح الكاف والفاء مبنيا للفاعل : أي جزاء وعقابا لمن كفر بالله .

{ ولقد تركناها آية } أي السفينة تركها الله عبرة للمعتبرين ، وقيل المعنى : ولقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وموعظة { فهل من مدكر } أصله " مذتكر " فأبدلت التاء دالا مهملة ، ثم أبدلت المعجمة مهملة لتقاربهما وأدغمت الدال في الذال ، والمعنى : هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها .

{ فكيف كان عذابي ونذر } أي إنذاري .

قال الفراء : الإنذار والنذر مصدران ، والاستفهام للتهويل والتعجيب : أي كانا على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف ، وقيل نذر جمع نذير ، ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار .

{ ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي سهلناه للحفظ ، وأعنا عليه من أراد حفظه ، وقيل هيأناه للتذكر والاتعاظ { فهل من مدكر } أي متعظ بمواعظه ومعتبر بعبره .

وفي الآية الحث على درس القرآن والاستكثار من تلاوته والمسارعة في تعلمه ومدكر أصله مذتكر كما تقدم قريبا .

وقد أخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن أنس ( أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما ) .

وروي عنه من طريق أخرى عند مسلم ، والترمذي وغيرهم قال : فنزلت { اقتربت الساعة وانشق القمر } وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : ( انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين : فرقة فوق الجبل ، وفرقة دونه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشهدوا ) .

وأخرج عبد بن حميد ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عنه قال : رأيت القمر منشقا شقتين مرتين : مرة بمكة قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم : شقة على أبي قبيس ، وشقة على السويداء .

وذكر أن هذا سبب نزول الآية .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، وأبو نعيم عنه أيضا قال : رأيت القمر وقد انشق . وأبصرت الجبل بين فرجتي القمر .

وله طرق عنه .

وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال : ( { اقتربت الساعة وانشق القمر } قال : كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فرقتين : فرقة من دون الجبل وفرقة خلفه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اشهد ) .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، والترمذي ، وابن جرير ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، وأبو نعيم ، والبيهقي عن جبير بن مطعم عن أبيه في قوله : { وانشق القمر } قال : ( انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل ، فقال الناس : سحرنا محمد ، فقال رجل : إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم ) .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير ، وابن مردويه ، وأبو نعيم عن عبد الرحمن السلمي قال : خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : { اقتربت الساعة وانشق القمر } ألا وإن الساعة قد اقتربت ، ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق ، اليوم المضمار وغدا السباق . وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مهطعين قال : ناظرين .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } قال كثير : لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم ، فالتقى الماآن .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر عنه أيضا { على ذات ألواح ودسر } قال : الألواح ألواح السفينة ، والدسر : معاريضها التي تشد بها السفينة .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عنه أيضا في قوله : " ودسر " قال : المسامير .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه قال : الدسر كلكل السفينة .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي عنه أيضا في قوله : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } قال : لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلموا بكلام الله .

وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعا مثله .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس { فهل من مدكر } قال : هل من متذكر .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1427 - 1429
counter free hit invisible