<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

سورة الرحمن مكية كلها في قول الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة وعطاء وجابر . وقال ابن عباس : إلا آية منها هي قوله تعالى : { يسأله من في السماوات والأرض } الآية . وهي ست وسبعون آية .

وقال ابن مسعود ومقاتل : هي مدنية كلها . والقول الأول أصح لما روى عروة بن الزبير قال : أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود ; وذلك أن الصحابة قالوا : ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قط ، فمن رجل يسمعهموه ؟ فقال ابن مسعود : أنا ، فقالوا : إنا نخشى عليك ، وإنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه ، فأبى ثم قام عند المقام فقال : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) { الرحمن علم القرآن } ثم تمادى رافعا بها صوته وقريش في أنديتها ، فتأملوا وقالوا : ما يقول ابن أم عبد ؟ قالوا : هو يقول الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه ، ثم ضربوه حتى أثروا في وجهه . وصح ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي الصبح بنخلة ، فقرأ سورة ( الرحمن ) ومر النفر من الجن فآمنوا به ) . وفي الترمذي عن جابر قال : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة ( الرحمن ) من أولها إلى آخرها فسكتوا ، فقال : لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم كنت كلما أتيت على قوله : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قالوا : لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ) قال : هذا حديث غريب . وفي هذا دليل على أنها مكية والله أعلم .

وروي ( أن قيس بن عاصم المنقري قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اتل علي مما أنزل عليك ، فقرأ عليه سورة ( الرحمن ) فقال : أعدها ، فأعادها ثلاثا ، فقال : والله إن له لطلاوة ، وإن عليه لحلاوة ، وأسفله لمغدق ، وأعلاه مثمر ، وما يقول هذا بشر ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ) . وروي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لكل شيء عروس وعروس القرآن سورة الرحمن ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { الرحمن علم القرآن } { خلق الإنسان } { علمه البيان } { الشمس والقمر بحسبان } { والنجم والشجر يسجدان } { والسماء رفعها ووضع الميزان } { ألا تطغوا في الميزان } { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } { والأرض وضعها للأنام } { فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام } { والحب ذو العصف والريحان } { فبأي آلاء ربكما تكذبان }

قوله تعالى : { الرحمن علم القرآن } قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي : ( الرحمن ) فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسما من أسماء الله تعالى ( الر ) ، و ( حم ) و ( ن ) فيكون مجموع هذه ( الرحمن ) .

علم القرآن أي علمه نبيه صلى الله عليه وسلم حتى أداه إلى جميع الناس . وأنزلت حين قالوا : وما الرحمن ؟ وقيل : نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا : إنما يعلمه بشر وهو رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب ، فأنزل الله تعالى : { الرحمن علم القرآن } . وقال الزجاج : معنى علم القرآن أي سهله لأن يذكر ويقرأ كما قال : { ولقد يسرنا القرآن للذكر } . وقيل : جعله علامة لما تعبد الناس به . { خلق الإنسان } قال ابن عباس وقتادة والحسن : يعني آدم عليه السلام . { علمه البيان } أسماء كل شيء . وقيل : علمه اللغات كلها . وعن ابن عباس أيضا وابن كيسان : الإنسان هاهنا يراد به محمد صلى الله عليه وسلم ، والبيان بيان الحلال من الحرام ، والهدى من الضلال . وقيل : ما كان وما يكون ، لأنه بين عن الأولين والآخرين ويوم الدين . وقال الضحاك : البيان الخير والشر . وقال الربيع بن أنس : هو ما ينفعه وما يضره ، وقاله قتادة . وقيل : الإنسان يراد به جميع الناس فهو اسم للجنس والبيان على هذا الكلام والفهم ، وهو مما فضل به الإنسان على سائر الحيوان . وقال السدي : علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به . وقال يمان : الكتابة والخط بالقلم . نظيره : { علم بالقلم } { علم الإنسان ما لم يعلم } . { الشمس والقمر بحسبان } أي يجريان بحساب معلوم فأضمر الخبر . قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك : أي يجريان بحساب في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها . وقال ابن زيد وابن كيسان : يعني أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار ، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئا لو كان الدهر كله ليلا أو نهارا . وقال السدي : { بحسبان } تقدير آجالهما أي تجري بآجال كآجال الناس ، فإذا جاء أجلهما هلكا ، نظيره : { كل يجري لأجل مسمى } . وقال الضحاك : بقدر . مجاهد : بحسبان كحسبان الرحى ، يعني : قطبها ، يدوران في مثل القطب . والحسبان قد يكون مصدر حسبته أحسبه بالضم حسبا وحسبانا ، مثل الغفران والكفران والرجحان ، وحسابة أيضا أي عددته . وقال الأخفش : ويكون جماعة الحساب مثل شهاب وشهبان . والحسبان أيضا بالضم العذاب والسهام القصار ، وقد مضى في ( الكهف ) الواحدة حسبانة ، والحسبانة أيضا الوسادة الصغيرة ، تقول منه : حسبته إذا وسدته ، قال نهيك الفزاري : لثويت غير محسب أي غير موسد يعني غير مكرم ولا مكفن { والنجم والشجر يسجدان } قال ابن عباس وغيره : النجم ما لا ساق له والشجر ما له ساق ، وأنشد ابن عباس قول صفوان بن أسد التميمي : لقد أنجم القاع الكبير عضاهه وتم به حيا تميم ووائل وقال زهير بن أبي سلمى : مكلل بأصول النجم تنسجه ريح الجنوب لضاحي مائه حبك واشتقاق النجم من نجم الشيء ينجم بالضم نجوما ظهر وطلع ، وسجودهما بسجود ظلالهما ؛ قاله الضحاك . وقال الفراء : سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء . وقال الزجاج : سجودهما دوران الظل معهما ، كما قال تعالى : { يتفيأ ظلاله } . وقال الحسن ومجاهد : النجم نجم السماء ، وسجوده في قول مجاهد دوران ظله ، وهو اختيار الطبري ، حكاه المهدوي . وقيل : سجود النجم أفوله ، وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمرها ، حكاه الماوردي . وقيل : إن جميع ذلك مسخر لله ، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من الصابئين النجوم ، وعبد كثير من العجم الشجر . والسجود : الخضوع ، والمعني به آثار الحدوث ، حكاه القشيري . النحاس : أصل السجود في اللغة : الاستسلام والانقياد لله عز وجل ، فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله عز وجل وانقيادها له ، ومن الحيوان كذلك ويكون من سجود الصلاة ، وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم قال : فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها { والسماء رفعها } وقرأ أبو السمال " والسماء " بالرفع على الابتداء واختار ذلك لما عطف على الجملة التي هي : { والنجم والشجر يسجدان } فجعل المعطوف مركبا من مبتدإ وخبر كالمعطوف عليه . الباقون بالنصب على إضمار فعل يدل عليه ما بعده . { ووضع الميزان } أي : العدل ، عن مجاهد وقتادة والسدي ، أي وضع في الأرض العدل الذي أمر به ، يقال : وضع الله الشريعة . ووضع فلان كذا أي ألقاه ، وقيل : على هذا الميزان : القرآن ، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن الفضل . وقال الحسن وقتادة - أيضا - والضحاك : هو الميزان ذو اللسان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض ، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل ، يدل عليه قوله تعالى : { وأقيموا الوزن بالقسط } والقسط العدل . وقيل : هو الحكم . وقيل : أراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال . وأصل ميزان موزان وقد مضى في ( الأعراف ) القول فيه . { ألا تطغوا في الميزان } موضع " أن " يجوز أن يكون نصبا على تقدير حذف حرف الجر كأنه قال : لئلا تطغوا ، كقوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا . ويجوز ألا يكون ل " أن " موضع من الإعراب فتكون بمعنى " أي " وتطغوا على هذا التقدير مجزوما ، كقوله تعالى : { وانطلق الملأ منهم أن امشوا } أي : امشوا . والطغيان مجاوزة الحد . فمن قال : الميزان العدل قال : طغيانه الجور . ومن قال : إنه الميزان الذي يوزن به قال : طغيانه : البخس . قال ابن عباس : أي لا تخونوا من وزنتم له . وعنه أنه قال : يا معشر الموالي ! وليتم أمرين بهما هلك الناس : المكيال والميزان . ومن قال إنه الحكم قال : طغيانه التحريف . وقيل : فيه إضمار ، أي وضع الميزان وأمركم ألا تطغوا فيه . { وأقيموا الوزن بالقسط } أي : افعلوه مستقيما بالعدل . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل . وقال ابن عيينة : الإقامة باليد والقسط بالقلب . وقال مجاهد : القسط العدل بالرومية . وقيل : هو كقولك " أقام الصلاة " أي أتى بها في وقتها ، وأقام الناس أسواقهم أي أتوها لوقتها . أي لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل . { ولا تخسروا الميزان } ولا تنقصوا الميزان ولا تبخسوا الكيل والوزن ، وهذا كقوله : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } . وقال قتادة في هذه الآية : اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل لك ، وأوف كما تحب أن يوفى لك ، فإن العدل صلاح الناس . وقيل : المعنى ولا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة فيكون ذلك حسرة عليكم . وكرر الميزان لحال رءوس الآي . وقيل : التكرير للأمر بإيفاء الوزن ورعاية العدل فيه . وقراءة العامة تخسروا بضم التاء وكسر السين . وقرأ بلال بن أبي بردة وأبان عن عثمان " تخسروا " بفتح التاء والسين وهما لغتان ، يقال : أخسرت الميزان وخسرته كأجبرته وجبرته . وقيل : " تخسروا " بفتح التاء والسين محمول على تقدير حذف حرف الجر ، والمعنى : ولا تخسروا في الميزان . { والأرض وضعها للأنام } الأنام : الناس ، عن ابن عباس . الحسن : الجن والإنس . الضحاك : كل ما دب على وجه الأرض ، وهذا عام . { فيها فاكهة } أي كل ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار . { والنخل ذات الأكمام } الأكمام جمع كم بالكسر . قال الجوهري : والكمة بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء النور والجمع كمام وأكمة وأكمام والأكاميم أيضا . وكم الفصيل إذا أشفق عليه فستر حتى يقوى ، قال العجاج بل لو شهدت الناس إذ تكموا بغمة لو لم تفرج غموا وتكموا أي أغمي عليهم وغطوا . وأكمت النخلة وكممت أي أخرجت أكمامها . والكمام بالكسر والكمامة أيضا ما يكم به فم البعير لئلا يعض ، تقول منه : بعير مكموم أي محجوم . وكممت الشيء غطيته . والكم ما ستر شيئا وغطاه ، ومنه كم القميص بالضم والجمع أكمام وكممة ، مثل حب وحببة . والكمة القلنسوة المدورة ، لأنها تغطي الرأس . قال : فقلت لهم كيلو بكمة بعضكم دراهمكم إني كذلك أكيل قال الحسن : { ذات الأكمام } أي ذات الليف فإن النخلة قد تكمم بالليف ، وكمامها ليفها الذي في أعناقها . ابن زيد : ذات الطلع قبل أن يتفتق . وقال عكرمة : ذات الأحمال . { والحب ذو العصف والريحان } الحب الحنطة والشعير ونحوهما ، والعصف التبن ، عن الحسن وغيره . مجاهد : ورق الشجر والزرع . ابن عباس : تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الرياح . سعيد بن جبير : بقل الزرع أي أول ما ينبت منه ، وقاله الفراء . والعرب تقول : خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك . وكذا في الصحاح : وعصفت الزرع أي جززته قبل أن يدرك . وعن ابن عباس أيضا : العصف ورق الزرع الأخضر إذا قطع رءوسه ويبس ، نظيره : { فجعلهم كعصف مأكول } . الجوهري : وقد أعصف الزرع ، ومكان معصف أي كثير الزرع . قال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري : إذا جمادى منعت قطرها زان جنابي عطن معصف والعصف أيضا الكسب ، ومنه قول الراجز : بغير ما عصف ولا اصطراف وكذلك الاعتصاف . والعصيفة : الورق المجتمع الذي يكون فيه السنبل . وقال الهروي : والعصف والعصيفة ورق السنبل . وحكى الثعلبي : وقال ابن السكيت تقول العرب لورق الزرع العصف والعصيفة والجل بكسر الجيم . قال علقمة بن عبدة : تسقي مذانب قد مالت عصيفتها حدورها من أتي الماء مطموم وفي الصحاح : والجل بالكسر قصب الزرع إذا حصد . والريحان الرزق ، عن ابن عباس ومجاهد . الضحاك : هي لغة حمير . وعن ابن عباس أيضا والضحاك وقتادة : أنه الريحان الذي يشم ، وقاله ابن زيد . وعن ابن عباس أيضا : أنه خضرة الزرع . وقال سعيد بن جبير : هو ما قام على ساق . وقال الفراء : العصف المأكول من الزرع ، والريحان ما لا يؤكل . . وقال الكلبي : إن العصف الورق الذي لا يؤكل ، والريحان هو الحب المأكول . وقيل : الريحان كل بقلة طيبة الريح سميت ريحانا ، لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي يشم فهو فعلان ، روحان من الرائحة ، وأصل الياء في الكلمة واو قلب ياء للفرق بينه وبين الروحاني وهو كل شيء له روح . قال ابن الأعرابي : يقال شيء روحاني وريحاني أي له روح . ويجوز أن يكون على وزن فيعلان فأصله " ريوحان " فأبدل من الواو ياء وأدغم كهين ولين ، ثم ألزم التخفيف لطوله ولحاق الزائدتين الألف والنون ، والأصل فيما يتركب من الراء والواو والحاء الاهتزاز والحركة . وفي الصحاح : والريحان نبت معروف ، والريحان الرزق ، تقول : خرجت أبتغي ريحان الله ، قال النمر بن تولب : سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر وفي الحديث : ( الولد من ريحان الله ) . وقولهم : سبحان الله وريحانه ، نصبوهما على المصدر يريدون تنزيها له واسترزاقا . وأما قوله : { والحب ذو العصف والريحان } فالعصف ساق الزرع ، والريحان ورقه ، عن الفراء . وقراءة العامة { والحب ذو العصف والريحان } بالرفع فيها كلها على العطف على الفاكهة . ونصبها كلها ابن عامر وأبو حيوة والمغيرة عطفا على الأرض . وقيل : بإضمار فعل ، أي : وخلق الحب ذا العصف والريحان ، فمن هذا الوجه يحسن الوقف على ذات الأكمام . وجر حمزة والكسائي ( الريحان ) عطفا على العصف ، أي فيها الحب ذو العصف والريحان ، ولا يمتنع ذلك على قول من جعل الريحان الرزق ، فيكون كأنه قال : والحب ذو الرزق . والرزق من حيث كان العصف رزقا ، لأن العصف رزق للبهائم ، والريحان رزق للناس ، ولا شبهة فيه في قول من قال إنه الريحان المشموم . { فبأي آلاء ربكما تكذبان } خطاب للإنس والجن ، لأن الأنام واقع عليهما . وهذا قول الجمهور ، يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة ، وخرجه الترمذي وفيه : ( للجن أحسن منكم ردا ) . وقيل : لما قال : خلق الإنسان وخلق الجان دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما . وأيضا قال : { سنفرغ لكم أيها الثقلان } وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : { يا معشر الجن والإنس } . وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر ، كقوله تعالى : حتى توارت بالحجاب . وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن ، والقرآن كالسورة الواحدة ، فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات . وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية ، حسب ما تقدم من القول في { ألقيا في جهنم } . وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي على [ أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد خلق الإنسان وخلق الجان فإنه خطاب للإنس والجن ، والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : { والأرض وضعها للأنام } والآلاء : النعم ، وهو قول جميع المفسرين ، واحدها إلى وألى مثل معى وعصا ، وإلي وألي ؛ أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد { آناء الليل } ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام ، وقد مضى في ( الأعراف ) و ( النجم ) . وقال ابن زيد : إنها القدرة ، وتقدير الكلام : فبأي قدرة ربكما تكذبان ، وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي ، وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن ، والعلم إمام الجند والجند تتبعه ، وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة ، فقال : { الرحمن علم القرآن } فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : الرحمن علم القرآن ثم ذكر الإنسان فقال : { خلق الإنسان } ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به ، ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر ، وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل ، ووضع الأرض للأنام ، فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك ، فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه ، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم ، فقال سائلا لهم : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي بأي قدرة ربكما تكذبان ، فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه ، فذلك تكذيبهم . ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال ، وذكر خلق الجان من مارج من نار ، ثم سألهم فقال : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي بأي قدرة ربكما تكذبان ، فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة ، فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير ، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق . وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه ، وذكر خلقه آلاءه ، ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها ، كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك ؛ أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك ؛ أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك ؛ أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك ؛ أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا . قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة ، وتأكيدا للحجة .
الكتاب تفسير القرطبي , الجزء 17-17 , الصفحة 138 - 146
counter free hit invisible