<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ الرحمن } { علم القرآن } هذه آية واحدة عند جمهور العادين . ووقع في المصاحف التي برواية حفص عن عاصم علامة آية عقب كلمة ( الرحمان ) ، إذ عدها قراء الكوفة آية فلذلك عد أهل الكوفة آي هذه السورة ثمانا وسبعين . فإذا جعل اسم الرحمان آية تعين أن يكون اسم الرحمان : إما خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : هو الرحمن ، أو مبتدأ خبره محذوف يقدر بما يناسب المقام .

ويجوز أن يكون واقعا موقع الكلمات التي يراد لفظها للتنبيه على غلط المشركين إذ أنكروا هذا الاسم قال تعالى { قالوا وما الرحمان } كما تقدم في سورة الفرقان ، فيكون موقعه شبيها بموقع الحروف المقطعة التي يتهجى بها في أوائل بعض السور على أظهر الوجوه في تأويلها وهو التعريض بالمخاطبين بأنهم أخطئوا في إنكارهم الحقائق .

وافتتح باسم ( الرحمان ) فكان فيه تشويق جميع السامعين إلى الخبر الذي يخبر به عنه إذ كان المشركون لا يألفون هذا الاسم قال تعالى { قالوا وما الرحمان } ، فهم إذا سمعوا هذه الفاتحة ترقبوا ما سيرد من الخبر عنه ، والمؤمنون إذا طرق أسماعهم هذا الاسم استشرفوا لما سيرد من الخبر المناسب لوصفه هذا مما هم متشوقون إليه من آثار رحمته .

على أنه قد قيل : إن هذه السورة نزلت بسبب قول المشركين في النبيء - صلى الله عليه وسلم - { إنما يعلمه بشر } ، أي يعلمه القرآن فكان الاهتمام بذكر الذي يعلم النبيء - صلى الله عليه وسلم - القرآن أقوى من الاهتمام في التعليم .

وأوثر استحضار الجلالة باسم الرحمان دون غيره من الأسماء لأن المشركين يأبون ذكره فجمع في هذه الجملة بين ردين عليهم مع ما للجملة الاسمية من الدلالة على ثبات الخبر ، ولأن معظم هذه السورة تعداد للنعم والآلاء فافتتاحها باسم الرحمان براعة استهلال .

وقد أخبر عن هذا الاسم بأربعة أخبار متتالية غير متعاطفة رابعها هو جملة { الشمس والقمر بحسبان } كما سيأتي ، ففصل جملتي { خلق الإنسان } { علمه البيان } عن جملة { علم القرآن } خلاف مقتضى الظاهر . لنكتة التعديد للتبكيت .

وعطف عليها أربعة أخر بحرف عطف من قوله { والنجم والشجر يسجدان } إلى قوله { والأرض وضعها للأنام } وكلها دالة على تصرفات الله ليعلمهم أن الاسم الذي استنكروه هو اسم الله وأن المسمى واحد .

وجيء بالمسند فعلا مؤخرا عن المسند إليه لإفادة التخصيص ، أي : علم القرآن لا بشر علمه وحذف المفعول الأول لفعل { علم القرآن } لظهوره ، والتقدير : علم محمدا - صلى الله عليه وسلم - لأنهم ادعوا أنه معلم وإنما أنكروا أن يكون معلمه القرآن هو الله تعالى وهذا تبكيت أول .

وانتصب القرآن على أنه مفعول ثان لفعل علم ، وهذا الفعل هنا معدى إلى مفعولين فقط لأنه ورد على أصل ما يفيده التضعيف من زيادة مفعول آخر مع فاعل فعله المجرد ، وهذا المفعول هنا يصلح أن يتعلق به التعليم إذ هو اسم لشيء متعلق به التعليم وهو القرآن ، فهو كقول معن بن أوس : أعلمه الرماية كل يوم وقوله تعالى { وإذ علمتك الكتاب } في سورة العقود وقوله { وما علمناه الشعر } في سورة يس ، ولا يقال : علمته زيدا صديقا ، وإنما يقال : أعلمته زيدا صديقا ، ففعل علم إذا ضعف كان بمعنى تحصيل التعليم بخلافه إذ عدي بالهمزة فإنه يكون لتحصيل الإخبار والإنباء .

وقد عدد الله في هذه السورة نعما عظيمة على الناس كلهم في الدنيا ، وعلى المؤمنين خاصة في الآخرة وقدم أعظمها وهو نعمة الدين لأن به صلاح الناس في الدنيا ، وباتباعهم إياه يحصل لهم الفوز في الآخرة . ولما كان دين الإسلام أفضل الأديان ، وكان هو المنزل للناس في هذا الإبان ، وكان متلقى من أفضل الوحي والكتب الإلهية وهو القرآن ، قدمه في الإعلام وجعله مؤذنا بما يتضمنه من الدين ومشيرا إلى النعم الحاصلة بما بين يديه من الأديان كما قال { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه } .

ومناسبة اسم الرحمن لهذه الاعتبارات منتزعة من قوله { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } .

والقرآن : اسم غلب على الوحي اللفظي الذي أوحي به إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - للإعجاز بسورة منه وتعبد ألفاظه .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 28-28 , الصفحة 230 - 232
counter free hit invisible