<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

بسم الله الرحمن الرحيم

( { إذا وقعت الواقعة } ( 1 ) { ليس لوقعتها كاذبة } ( 2 ) { خافضة رافعة } ( 3 ) { إذا رجت الأرض رجا } ( 4 ) { وبست الجبال بسا } ( 5 ) { فكانت هباء منبثا } ( 6 ) { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( 7 ) { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة } ( 8 ) { وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } ( 9 ) { والسابقون السابقون } ( 10 ) { أولئك المقربون } ( 11 ) { في جنات النعيم } ( 12 ) ) . الواقعة : من أسماء يوم القيامة ، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها ، كما قال : ( { فيومئذ وقعت الواقعة } ) [ الحاقة : 15 ]

وقوله : ( { ليس لوقعتها كاذبة } ) أي : ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها ، ولا دافع يدفعها ، كما قال : ( { استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } ) [ الشورى : 47 ] ، وقال : ( { سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع } ) [ المعارج : 1 ، 2 ] ، وقال تعالى : ( { ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير } ) [ الأنعام : 73 ] .

ومعنى ) كاذبة ) - كما قال محمد بن كعب - : لا بد أن تكون . وقال قتادة : ليس فيها مثنوية ولا ارتداد ولا رجعة .

قال ابن جرير : والكاذبة : مصدر كالعاقبة والعافية .

وقوله : ( { خافضة رافعة } ) أي : تحفض أقواما إلى أسفل سافلين إلى الجحيم ، وإن كانوا في الدنيا أعزاء . وترفع آخرين إلى أعلى عليين ، إلى النعيم المقيم ، وإن كانوا في الدنيا وضعاء . وهكذا قال الحسن وقتادة ، وغيرهما .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعنى ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي ، عن أبيه ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( { خافضة رافعة } ) تخفض أناسا وترفع آخرين . وقال عبيد الله العتكي ، عن عثمان بن سراقة ، ابن خالة عمر بن الخطاب : ( { خافضة رافعة } ) [ قال ] : الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ، ورفعت أولياء الله إلى الجنة .

وقال محمد بن كعب : تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين ، وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين .

وقال السدي : خفضت المتكبرين ، ورفعت المتواضعين .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( { خافضة رافعة } ) أسمعت القريب والبعيد . وقال عكرمة : خفضت فأسمعت الأدنى ، ورفعت فأسمعت الأقصى . وكذا قال الضحاك ، وقتادة .

وقوله : ( { إذا رجت الأرض رجا } ) أي : حركت تحريكا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها . ولهذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وغير واحد في قوله : ( { إذا رجت الأرض رجا } ) أي : زلزلت زلزالا [ شديدا ] .

وقال الربيع بن أنس : ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه .

وهذه كقوله تعالى : ( { إذا زلزلت الأرض زلزالها } ) [ الزلزلة : 1 ] ، وقال تعالى : ( { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ) [ الحج : 1 ] .

وقوله : ( { وبست الجبال بسا } ) أي : فتتت فتا . قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، وغيرهم .

وقال ابن زيد : صارت الجبال كما قال [ الله ] تعالى : ( { كثيبا مهيلا } ) [ المزمل : 14 ] .

وقوله : ( { فكانت هباء منبثا } ) ، قال أبو إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، رضي الله عنه : ( { هباء منبثا } ) كرهج الغبار يسطع ثم يذهب ، فلا يبقى منه شيء .

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : ( { فكانت هباء منبثا } ) : الهباء الذي يطير من النار ، إذا اضطرمت يطير منه الشرر ، فإذا وقع لم يكن شيئا . وقال عكرمة : المنبث : الذي ذرته الريح وبثته . وقال قتادة : ( { هباء منبثا } ) كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح .

وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة ، وذهابها وتسييرها ونسفها - أي قلعها - وصيرورتها كالعهن المنفوش .

وقوله : ( { وكنتم أزواجا ثلاثة } ) أي : ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف : قوم عن يمين العرش ، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن ، ويؤتون كتبهم بأيمانهم ، ويؤخذ بهم ذات اليمين . قال السدي : وهم جمهور أهل الجنة . وآخرون عن يسار العرش ، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر ، ويؤتون كتبهم بشمائلهم ، ويؤخذ بهم ذات الشمال ، وهم عامة أهل النار - عياذا بالله من صنيعهم - وطائفة سابقون بين يديه وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم ، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء ، وهم أقل عددا من أصحاب اليمين ; ولهذا قال : ( { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون } ) وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم ، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى : ( { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } ) الآية [ فاطر : 32 ] ، وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه .

قال سفيان الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : ( { وكنتم أزواجا ثلاثة } ) قال : هي التي في سورة الملائكة : ( { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } ) . وقال ابن جريج عن ابن عباس : هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة وفي سورة الملائكة .

وقال يزيد الرقاشي : سألت ابن عباس عن قوله : ( { وكنتم أزواجا ثلاثة } ) قال : أصنافا ثلاثة . وقال مجاهد : ( { وكنتم أزواجا ثلاثة } ) [ قال ] : يعني : فرقا ثلاثة . وقال ميمون بن مهران : أفواجا ثلاثة . وقال عبيد الله العتكي ، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب : ( { وكنتم أزواجا ثلاثة } ) اثنان في الجنة ، وواحد في النار . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن الصباح ، حدثنا الوليد بن أبي ثور ، عن سماك ، عن النعمان بن بشير قال : ( قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( { وإذا النفوس زوجت } ) [ التكوير : 7 ] قال : الضرباء ، كل رجل من قوم كانوا يعملون عمله ، وذلك بأن الله يقول : ( { وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون } ) قال : هم الضرباء .

) وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى ، حدثنا البراء الغنوي ، حدثنا الحسن ، عن معاذ بن جبل ; ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية : ( { وأصحاب اليمين } ) ، ( { وأصحاب الشمال } ) فقبض بيده قبضتين فقال : " هذه للجنة ولا أبالي ، وهذه للنار ولا أبالي " .

) وقال أحمد أيضا : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا خالد بن أبي عمران ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( " أتدرون من السابقون إلى ظل يوم القيامة ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : " الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوه بذلوه ، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم " .

) وقال محمد بن كعب وأبو حرزة يعقوب بن مجاهد : ( { والسابقون السابقون } ) : هم الأنبياء ، عليهم السلام . وقال السدي : هم أهل عليين . وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( { والسابقون السابقون } ) ، قال : يوشع بن نون ، سبق إلى موسى ، ومؤمن آل " يس " ، سبق إلى عيسى ، وعلي بن أبي طالب ، سبق إلى محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . رواه ابن أبي حاتم ، عن محمد بن هارون الفلاس ، عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزاز ، عن شعيب بن الضحاك المدائني ، عن سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح به .

وقال ابن أبي حاتم : وذكر محمد بن أبي حماد ، حدثنا مهران ، عن خارجة ، عن قرة ، عن ابن سيرين : ( { والسابقون السابقون } ) الذين صلوا للقبلتين . ورواه ابن جرير من حديث خارجة ، به .

وقال الحسن وقتادة : ( { والسابقون السابقون } ) أي : من كل أمة .

وقال الأوزاعي ، عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية : ( { والسابقون السابقون أولئك المقربون } ) ثم قال : أولهم رواحا إلى المسجد ، وأولهم خروجا في سبيل الله . وهذه الأقوال كلها صحيحة ، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا ، كما قال تعالى : ( { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض } ) [ آل عمران : 133 ] ، وقال : ( { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } ) [ الحديد : 22 ] ، فمن سابق إلى هذه الدنيا وسبق إلى الخير ، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة ، فإن الجزاء من جنس العمل ، وكما تدين تدان ; ولهذا قال تعالى : ( { أولئك المقربون في جنات النعيم } ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن زكريا القزاز الرازي ، حدثنا خارجة بن مصعب ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عمرو قال : قالت الملائكة : يا رب ، جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون ، فاجعل لنا الآخرة . فقال : لا أفعل . فراجعوا ثلاثا ، فقال : لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له : كن ، فكان . ثم قرأ عبد الله : ( { والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم } ) . وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه : " الرد على الجهمية " ، ولفظه : ( فقال الله عز وجل : " لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي ، كمن قلت له : كن فكان " ) .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 7-7 , الصفحة 514 - 517
counter free hit invisible