<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وهي مكية في قول الحسن ، وعكرمة ، وجابر ، وعطاء .

وقال ابن عباس ، وقتادة : إلا آية منها نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى : " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " وقال الكلبي : إنها مكية إلا أربع آيات منها ، وهي أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون وقوله : ثلة من الأولين وقليل من الآخرين وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : نزلت سورة الواقعة بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس ، والحارث بن أبي أسامة ، وأبو يعلى ، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ) .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سورة الواقعة سورة الغنى ، فاقرءوها وعلموها أولادكم ) .

وأخرج الديلمي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( علموا نسائكم سورة الواقعة فإنها سورة الغنى ) ، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم : ( شيبتني هود والواقعة ) اهـ . بسم الله الرحمن الرحيم { إذا وقعت الواقعة } { ليس لوقعتها كاذبة } { خافضة رافعة } { إذا رجت الأرض رجا } { وبست الجبال بسا } { فكانت هباء منبثا } { وكنتم أزواجا ثلاثة } { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة } { وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } { والسابقون السابقون } { أولئك المقربون } { في جنات النعيم } { ثلة من الأولين } { وقليل من الآخرين } { على سرر موضونة } { متكئين عليها متقابلين } { يطوف عليهم ولدان مخلدون } { بأكواب وأباريق وكأس من معين } { لا يصدعون عنها ولا ينزفون } { وفاكهة مما يتخيرون } { ولحم طير مما يشتهون } { وحور عين } { كأمثال اللؤلؤ المكنون } { جزاء بما كانوا يعملون } { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } { إلا قيلا سلاما سلاما } قوله { إذا وقعت الواقعة } ، الواقعة اسم للقيامة كالآزفة وغيرها ، وسميت واقعة لأنها كائنة لا محالة ، أو لقرب وقوعها ، أو لكثرة ما يقع فيها من الشدائد ، وانتصاب " إذا " بمضمر : أي اذكر وقت وقوع الواقعة .

أو بالنفي المفهوم من قوله : ليس لوقعتها كاذبة أي لا يكون عند وقوعها تكذيب ، والكاذبة مصدر كالعاقبة : أي ليس لمجيئها وظهورها كذب أصلا ، وقيل إذا شرطية وجوابها مقدر : أي إذا وقعت كان كيت وكيت ، والجواب هذا هو العامل فيها ، وقيل إنها شرطية ، والعامل فيها الفعل الذي بعدها ، واختار هذا أبو حيان ، وقد سبقه إلى هذا مكي فقال : والعامل " وقعت " .

قال المفسرون : والواقعة هنا هي النفخة الآخرة ، ومعنى الآية : أنها إذا وقعت النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب بها أصلا ، أو لا يكون هناك نفس تكذب على الله وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة . قال الزجاج : ليس لوقعتها كاذبة : أي لا يردها شيء ، وبه قال الحسن ، وقتادة .

وقال النووي : ليس لوقعتها أحد يكذب بها . وقال الكسائي : ليس لها تكذيب : أي لا ينبغي أن يكذب بها أحد . خافضة رافعة قرأ الجمهور برفعهما على إضمار مبتدأ : أي هي خافضة رافعة .

وقرأ الحسن ، وعيسى الثقفي بنصبهما على الحال .

قال عكرمة ، والسدي ، ومقاتل : خفضت الصوت فأسمعت من دنا ، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى : أي أسمعت القريب والبعيد .

وقال قتادة : خفضت أقواما في عذاب الله ، ورفعت أقواما إلى طاعة الله .

وقال محمد بن كعب : خفضت أقواما كانوا في الدنيا مرفوعين ، ورفعت أقواما كانوا في الدنيا مخفوضين ، والعرب تستعمل الخفض والرفع في المكان والمكانة والعز والإهانة ، ونسبة الخفض والرفع إليها على طريق المجاز ، والخافض الرافع في الحقيقة هو الله سبحانه . إذا رجت الأرض رجا أي إذا حركت حركة شديدة ، يقال رجه يرجه رجا إذا حركه ، والرجة الاضطراب ، وارتج البحر اضطرب .

قال المفسرون : ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها وينكسر كل شيء من الجبال وغيرها . قال قتادة ، ومقاتل ، ومجاهد : معنى " رجت " زلزلت ، والظرف متعلق بقوله خافضة رافعة أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال ؛ لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض وينخفض ما هو مرتفع .

وقيل إنه بدل من الظرف والأول ذكره الزجاج ، فيكون معنى وقوع الواقعة هو رج الأرض ، وبس الجبال .

{ وبست الجبال بسا } ، البس : الفت ، يقال : بس الشيء إذا فته حتى يصير فتاتا ، ويقال بس السويق : إذا لته بالسمن أو بالزيت .

قال مجاهد ، ومقاتل : المعنى أن الجبال فتتت فتا .

وقال السدي : كسرت كسرا .

وقال الحسن : قلعت من أصلها .

وقال مجاهد أيضا : بست كما يبس الدقيق بالسمن أو بالزيت ، والمعنى : أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت .

وقال أبو زيد : البس السوق ، والمعنى على هذا : سيقت الجبال سوقا .

قال أبو عبيد : بس الإبل وأبسها لغتان : إذا زجرها .

وقال عكرمة : المعنى هدت هدا .

فكانت هباء منبثا أي غبارا متفرقا منتشرا . قال مجاهد : الهباء الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار ، وقيل هو الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب ، وقيل ما تطاير من النار إذا اضطرمت على سورة الشرر ، فإذا وقع لم يكن شيئا ، وقد تقدم بيانه في الفرقان عند تفسير قوله : { فجعلناه هباء منثورا } [ الفرقان : 23 ] قرأ الجمهور " منبثا " بالمثلثة .

وقرأ مسروق ، والنخعي ، وأبو حيوة بالتاء المثناة من فوق : أي منقطعا ، من قولهم بته الله : أي قطعه .

ثم ذكر سبحانه أحوال الناس واختلافهم فقال : " { وكنتم أزواجا ثلاثة } " والخطاب لجميع الناس أو للأمة الحاضرة ، والأزواج الأصناف ، والمعنى : وكنتم في ذلك اليوم أصنافا ثلاثة .

ثم فسر سبحانه هذه الأصناف فقال : { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة } أي أصحاب اليمين ، وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم ، أو الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، أصحاب الميمنة مبتدأ ، وخبره : ما أصحاب الميمنة : أي : أي شيء هم في حالهم وصفتهم ، والاستفهام للتعظيم والتفخيم ، وتكرير المبتدأ هنا بلفظه مغن عن الضمير الرابط ، كما في قوله : { الحاقة } { ما الحاقة } [ الحاقة : 2 ، 1 ] { القارعة } { ما القارعة } [ القارعة : 2 ، 1 ] ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع التفخيم والتعظيم .

و الكلام في { وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } كالكلام في " أصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة " ، والمراد الذي يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمالهم ، والمراد تعجيب السامع من حال الفريقين في الفخامة والفظاعة ، كأنه قيل : فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة وحسن الحال ، وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وسوء الحال . وقال السدي : أصحاب الميمنة هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وأصحاب المشأمة هم الذين كانوا عن شماله . وقال زيد بن أسلم : أصحاب الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن ، وأصحاب المشأمة هم الذين أخذوا من شقه الأيسر . وقال ابن جريج : أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات ، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات . وقال الحسن ، والربيع : أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة ، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم بالأعمال القبيحة .

وقال المبرد : أصحاب الميمنة أصحاب التقدم ، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر ، والعرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك : أي اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين ، ومنه قول ابن الدمينة : أبنيتي أفي يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك ثم ذكر سبحانه الصنف الثالث فقال : { والسابقون السابقون } والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم كما مر في القسمين الأولين ، كما تقول أنت أنت وزيد ، زيد ، والسابقون مبتدأ ، وخبره السابقون .

وفيه تأويلان : أحدهما أنه بمعنى : السابقون هم الذين اشتهرت حالهم بذلك . والثاني : أن متعلق السابقين مختلف ، والتقدير : والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة . والأول أولى لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم .

قال الحسن ، وقتادة : هم السابقون إلى الإيمان من كلامه .

وقال محمد بن كعب : إنهم الأنبياء .

وقال ابن سيرين : هم الذين صلوا إلى القبلتين .

وقال مجاهد : هم الذين سبقوا إلى الجهاد ، وبه قال الضحاك : وقال سعيد بن جبير : هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر . وقال الزجاج : المعنى والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله .

{ أولئك المقربون } .

قيل ووجه تأخير هذا الصنف الثالث مع كونه أشرف من الصنفين الأولين هو أن يقترن به ما بعده ، وهو قوله : { أولئك المقربون } { في جنات النعيم } فالإشارة هي إليهم : أي المقربون إلى جزيل ثواب الله وعظيم كرامته ، أو الذين قربت درجاتهم وأعليت مراتبهم عند الله .

وقوله { في جنات النعيم } متعلق بـ " المقربون " : أي مقربون عند الله في جنات النعيم .

ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لأولئك ، وأن يكون حالا من الضمير في المقربون : أي كائنين فيها .

قرأ الجمهور { في جنات } بالجمع ، وقرأ طلحة بن مصرف " في جنة " بالإفراد ، وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه كما يقال : دار الضيافة ودار الدعوة ودار العدل .

وارتفاع { ثلة من الأولين } على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هم ثلة ، والثلة الجماعة التي لا يحصر عددها . قال الزجاج : معنى ثلة معنى فرقة ، من ثللت الشيء : إذا قطعته ، والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وسلم .

{ وقليل من الآخرين } أي من هذه الأمة ، وسموا قليلا بالنسبة إلى من كان قبلهم ، وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم وكثرة من أجابهم . قال الحسن : سابقو من مضى أكثر من سابقينا . قال الزجاج : الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم ( إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، ثم قال : " ثلث أهل الجنة " ، ثم قال : " نصف أهل الجنة " ) لأن قوله { ثلة من الأولين } { وقليل من الآخرين } إنما هو تفضيل للسابقين فقط كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ، فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم ، فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة ، والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما لجواز أن يقال : هذه الثلة أكثر من هذه الثلة كما يقال : هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة ، وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة ، وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة .

وبهذا تعرف أنه لم يصب من قال إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور .

ثم ذكر سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين فقال : { على سرر موضونة } قرأ الجمهور سرر بضم السين والراء الأولى ، وقرأ أبو السماك ، وزيد بن علي بفتح الراء ، وهي لغة كما تقدم ، والموضونة المنسوجة ، والوضن : النسج المضاعف .

قال الواحدي : قال المفسرون : منسوجة بقضبان الذهب ، وقيل : مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد ، وقيل إن الموضونة المصفوفة . وقال مجاهد : الموضونة المرمولة بالذهب .

وانتصاب { متكئين عليها } على الحال ، وكذا انتصاب { متقابلين } والمعنى : مستقرين على سرر متكئين عليها متقابلين لا ينظر بعضهم قفا بعض .

{ يطوف عليهم ولدان مخلدون } الجملة في محل نصب على الحال من المقربين ، أو مستأنفة لبيان بعض ما أعد الله لهم من النعيم ، والمعنى يدور حولهم للخدمة غلمان لا يهرمون ولا يتغيرون ، بل شكلهم شكل الولدان دائما .

قال مجاهد : المعنى لا يموتون .

وقال الحسن ، والكلبي : لا يهرمون ولا يتغيرون . قال الفراء : والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يمشط إنه لمخلد . وقال سعيد بن جبير : مخلدون مقرطون . قال الفراء : ويقال مخلدون مقرطون ، يقال خلد جاريته : إذا حلاها بالخلدة ، وهي القرطة . وقال عكرمة : مخلدون منعمون ، ومنه قول امرئ القيس : وهل ينعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم ما يبيت بأوجال وقيل مستورون بالحلية ، وروي نحوه عن الفراء ، ومنه قول الشاعر : ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أقاوز الكثبان وقيل مخلدون ممنطقون ، قيل وهم ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة ، وقيل هم أطفال المشركين ، ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة ، والأكواب : هي الأقداح المستديرة الأفواه التي لا آذان لها ولا عرى ، وقد مضى بيان معناها في سورة الزخرف ، والأباريق : هي ذات العرى والخراطيم ، واحدها إبريق ، وهو الذي يبرق لونه من صفائه .

{ وكأس من معين } أي من خمر جارية أو ماء جار ، والمراد به هاهنا الخمر الجارية من العيون ، وقد تقدم بيان معنى الكأس في سورة الصافات .

{ لا يصدعون عنها } أي لا تتصدع رؤوسهم من شربها كما تتصدع من شرب خمر الدنيا .

والصداع هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه ، وقيل معنى لا يصدعون لا يتفرقون كما يتفرق الشراب ، ويقوي هذا المعنى قراءة مجاهد " يصدعون " بفتح الياء وتشديد الصاد ، والأصل يتصدعون : أي يتفرقون ، والجملة مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم من النعيم ، أو في محل نصب على الحال ، وجملة { ولا ينزفون } معطوفة على الجملة التي قبلها ، وقد تقدم اختلاف القراء في هذا الحرف من سورة الصافات ، وكذلك تقدم تفسيره : أي لا يسكرون فتذهب عقولهم ، من أنزف الشارب : إذا نفد عقله أو شرابه ، ومنه قول الشاعر : لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم لبئس الندامى كنتم آل أبجرا { وفاكهة مما يتخيرون } أي يختارونه ، يقال : تخيرت الشيء إذا أخذت خيره .

قرأ الجمهور " وفاكهة " بالجر .

و كذا " لحم " عطفا على أكواب : أي يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به .

وقرأ زيد بن علي ، وأبو علي ، وأبو عبد الرحمن برفعها على الابتداء ، والخبر مقدر : أي ولهم فاكهة ولحم ، ومعنى مما يشتهون مما يتمنونه وتشتهيه أنفسهم .

{ وحور عين } { كأمثال اللؤلؤ المكنون } قرأ الجمهور حور عين برفعهما عطفا على " ولدان " أو على تقدير مبتدأ : أي نساؤهم حور عين ، أو على تقدير خبر : أي ولهم حور عين ، وقرأ حمزة ، والكسائي بجرهما عطفا على أكواب .

قال الزجاج : وجائز أن يكون معطوفا على جنات : أي هم في جنات وفي حور على تقدير مضاف محذوف : أي وفي معاشرة حور .

قال الفراء : في توجيه العطف على أكواب إنه يجوز الجر على الإتباع في اللفظ وإن اختلفا في المعنى ، لأن الحور لا يطاف بهن ، كما في قول الشاعر : إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا والعين لا تزجج وإنما تكحل ، ومن هذا قول الشاعر : علفتها تبنا وماء باردا وقول الآخر : متقلدا سيفا ورمحا قال قطرب : هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى .

قال : ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور : ويكون لهم في ذلك لذة .

وقرأ الأشهب العقيلي ، والنخعي ، وعيسى بن عمر بنصبهما على تقدير إضمار فعل ، كأنه قيل : ويزوجون حورا عينا ، أو ويعطون ، ورجح أبو عبيد ، وأبو حاتم قراءة الجمهور .

ثم شبههن سبحانه باللؤلؤ المكنون ، وهو الذي لم تمسه الأيدي ولا وقع عليه الغبار ، فهو أشد ما يكون صفاء .

وانتصاب جزاء في قوله { جزاء بما كانوا يعملون } على أنه مفعول له : أي يفعل بهم ذلك كله للجزاء بأعمالهم .

ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لفعل محذوف : أي يجزون جزاء ، وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الطور وغيرها .

{ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } اللغو : الباطل من الكلام ، والتأثيم النسبة إلى الإثم .

قال محمد بن كعب : لا يؤثم بعضهم بعضا ، وقال مجاهد : لا يسمعون شتما ولا مأثما ، والمعنى : أنه لا يقول بعضهم لبعضهم أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم .

{ إلا قيلا سلاما سلاما } القيل القول ، والاستثناء منقطع : أي لكن يقولون قيلا ، أو يسمعون قيلا ، وانتصاب " سلاما سلاما " على أنه بدل من " قيلا " ، أو صفة له ، أو هو مفعول به لقيلا : أي إلا أن يقولوا سلاما سلاما ، واختار هذا الزجاج : أو على أنه منصوب بفعل هو محكي بقيلا : أي إلا قيلا سلموا سلاما سلاما ، والمعنى في الآية : أنهم لا يسمعون إلا تحية بعضهم لبعض .

قال عطاء : يحيي بعضهم بعضا بالسلام ، وقيل إن الاستثناء متصل وهو بعيد ، لأن التحية ليست مما يندرج تحت اللغو والتأثيم ، قرئ " سلام سلام " بالرفع .

قال مكي : ويجوز الرفع على معنى : " { سلام عليكم } " ، مبتدأ وخبر .

وقد أخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { إذا وقعت الواقعة } قال : يوم القيامة { ليس لوقعتها كاذبة } قال : ليس لها مرد يرد { خافضة رافعة } قال : تخفض ناسا وترفع آخرين .

وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه عنه { خافضة رافعة } قال : أسمعت القريب والبعيد .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب { خافضة رافعة } قال : الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ، ورفعت أولياء الله إلى الجنة .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { إذا رجت الأرض رجا } قال : زلزلت { وبست الجبال بسا } قال : فتتت { فكانت هباء منبثا } قال : شعاع الشمس .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم عنه { فكانت هباء منبثا } قال : الهباء الذي يطير من النار إذا أضرمت يطير منها الشرر ، فإذا وقع لم يكن شيئا .

وأخرج ابن المنذر عنه أيضا قال : الهباء ما يثور مع شعاع الشمس ، وانبثاثه تفرقه .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال : الهباء المنبث رهج الدواب ، والهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { وكنتم أزواجا } قال : أصنافا . وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه في قوله : { وكنتم أزواجا ثلاثة } قال : هي التي في سورة الملائكة { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } [ فاطر : 32 ] . وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه عنه أيضا في قوله : { والسابقون السابقون } قال : يوشع بن نون سبق إلى موسى ، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى ، وعلي بن أبي طالب سبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في الآية قال : نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النجار الذي ذكر في " يس " ، وعلي بن أبي طالب ، وكل رجل منهم سابق أمته ، وعلي أفضلهم سبقا .

وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تلا هذه الآية وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فقبض بيديه قبضتين فقال : هذه في الجنة ولا أبالي ، وهذه في النار ولا أبالي ) .

وأخرج أحمد أيضا عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوا بذلوا ، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم ) .

وأخرج أحمد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : ( لما نزلت { ثلة من الأولين } { وقليل من الآخرين } شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت { ثلة من الأولين } { وثلة من الآخرين } فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، ثلث الجنة ، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني ) .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقي في البعث عن ابن عباس { على سرر موضونة } قال : مصفوفة .

وأخرج سعيد بن منصور ، وهناد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في البعث عنه .

قال : مرمولة بالذهب .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار ، وابن مردويه ، والبيهقي في البعث ( عن عبد الله بن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا ) .

وأخرج أحمد ، والترمذي والضياء عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة ، فقال أبو بكر : يا رسول الله إن هذه الطير لناعمة ، قال : آكلها أنعم منها ، وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها ) وفي الباب أحاديث .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { كأمثال اللؤلؤ المكنون } قال : الذي في الصدف . وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه { لا يسمعون فيها لغوا } قال : باطلا { ولا تأثيما } قال : كذبا .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1443 - 1446
counter free hit invisible