<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ إذا وقعت الواقعة } { ليس لوقعتها كاذبة } .

افتتاح السورة بالظرف المتضمن الشرط ، افتتاح بديع لأنه يسترعي الألباب لترقب ما بعد هذا الشرط الزماني مع ما في الاسم المسند إليه من التهويل بتوقع حدث عظيم يحدث .

و ( إذا ) ظرف زمان وهو متعلق بالكون المقدر في قوله في جنات النعيم إلخ وقوله { في سدر مخضود } إلخ وقوله { في سموم وحميم } إلخ . وضمن ( إذا ) معنى الشرط .

وجملة { ليس لوقعتها كاذبة } استئناف بياني ناشئ عن قوله { إذا وقعت الواقعة } إلخ وهو اعتراض بين جملة { إذا وقعت الواقعة } وبين جملة { فأصحاب الميمنة } إلخ .

والجواب قوله { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة } { وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة } ، فيفيد جوابا للشرط ويفيد تفصيل جملة { وكنتم أزواجا ثلاثة } ، وتكون الفاء مستعملة في معنيين : ربط الجواب ، والتفريع ، وتكون جملة { ليس لوقعتها كاذبة } وما بعده اعتراضا .

والواقعة أصلها : الحادثة التي وقعت ، أي حصلت ، يقال : وقع أمر ، أي حصل كما يقال : صدق الخبر مطابقته للواقع ، أي كون المعنى المفهوم منه موافقا لمسمى ذلك المعنى في الوجود الحاصل أو التوقع على حسب ذلك المعنى ، ومن ذلك حادثة الحرب يقال : واقعة ذي قار ، وواقعة القادسية .

فراعوا في تأنيثها معنى الحادثة أو الكائنة أو الساعة ، وهو تأنيث كثير في اللغة جار على ألسنة العرب لا يكونون راعوا فيه إلا معنى الحادثة أو الساعة أو نحو ذلك ، وقريب منه قولهم : دارت عليه الدائرة ، قال تعالى { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } وقال عليهم دائرة السوء .

والمراد بالواقعة هنا القيامة فجعل هذا الوصف علما لها بالغلبة في اصطلاح القرآن ، قال تعالى { فيومئذ وقعت الواقعة } كما سميت الصاخة والطامة والآزفة ، أي الساعة الواقعة . وبهذا الاعتبار صار في قوله { إذا وقعت الواقعة } محسن التجنيس .

و الواقعة : الموصوفة بالوقوع ، وهو الحدوث .

و كاذبة يجوز أن يكون اسم فاعل من كذب المجرد ، جرى على التأنيث للدلالة على أنه وصف لمحذوف مؤنث اللفظ . وتقديره هنا نفس ، أي تنتفي كل نفس كاذبة ، فيجوز أن يكون من كذب اللازم إذا قال خلاف ما في نفس الأمر وذلك أن منكري القيامة يقولون : لا تقع القيامة فيكذبون في ذلك فإذا وقعت الواقعة آمنت النفوس كلها بوقوعها فلم تبق نفس تكذب ، أي في شأنها أو في الإخبار عنها . وذلك التقدير كله مما يدل عليه المقام .

ويجوز أن يكون من كذب المتعدي مثل الذي في قولهم كذبت فلانا نفسه ، أي حدثته نفسه ، أي : رأيه بحديث كذب وذلك أن اعتقاد المنكر للبعث اعتقاد سوله له عقله القاصر فكأن نفسه حدثته حديثا كذبته به ، ويقولون : كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم ، إذا أقدم عليه فأخفق كأن نفسه لما شجعته على اقتحامه قد قالت له : إنك تطيقه فتعرض له ولا تبال به فإنك مذلله فإذا تبين له عجزه فكأن نفسه أخبرته بما لا يكون فقد كذبته ، كما يقال : كذبته عينه إذا تخيل مرئيا ولم يكن .

والمعنى : إذا وقعت القيامة تحقق منكروها ذلك فأقلعوا عن اعتقادهم أنها لا تقع وعلموا أنهم ضلوا في استدلالهم وهذا وعيد بتحذير المنكرين للقيامة من خزي الخيبة وسفاهة الرأي بين أهل الحشر .

وإطلاق صفة الكذب في جميع هذا استعارة بتشبيه السبب للفعل غير المثمر بالمخبر بحديث كذب أو تشبيه التسبب بالقول قال أبو علي الفارسي : الكذب ضرب من القول فكما جاز أن يتسع في القول في غير نطق نحو قول أبي النجم : قد قالت الأنساع للبطن الحق جاز في الكذب أن يجعل في غير نطق نحو : بأن كذب القراطف والقروف .

واللام في لوقعتها لام التوقيت نحو { أقم الصلاة لدلوك الشمس } وقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } . وقولهم : كتبته لكذا من شهر كذا ، وهي بمعنى عند وأصلها لام الاختصاص شاع استعمالها في اختصاص الموقت بوقته كقوله تعالى { ولما جاء موسى لميقاتنا } . وهو توسع في معنى الاختصاص بحيث تنوسي أصل المعنى . وفي الحديث ( سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال أفضل فقال : الصلاة لوقتها ) . وهذا الاستعمال غير الاستعمال الذي في قوله تعالى { ليس لهم طعام إلا من ضريع } .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 28-28 , الصفحة 281 - 283
counter free hit invisible