<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وفرش مرفوعة } { إنا أنشأناهن إنشاء } { فجعلناهن أبكارا } { عربا أترابا } { لأصحاب اليمين } ) .

ثم قال تعالى : ( { وفرش مرفوعة } ) وقد ذكرنا معنى الفرش ، ونذكر وجها آخر فيها إن شاء الله تعالى ، وأما المرفوعة ففيها ثلاثة أوجه :

أحدها : مرفوعة القدر يقال : ثوب رفيع أي عزيز مرتفع القدر والثمن ويدل عليه قوله تعالى : ( { على فرش بطائنها } ) [ الرحمن : 54 ] .

وثانيها : مرفوعة بعضها فوق بعض .

ثالثها : مرفوعة فوق السرير .

ثم قال تعالى : ( { إنا أنشأناهن إنشاء } { فجعلناهن أبكارا } { عربا أترابا } { لأصحاب اليمين } ) وفي الإنشاء مسائل :

المسألة الأولى : الضمير في : ( { أنشأناهن } ) عائد إلى من ؟ فيه ثلاثة أوجه :

أحدها : إلى ( حور عين ) وهو بعيد لبعدهن ووقوعهن في قصة أخرى .

ثانيها : أن المراد من الفرش النساء والضمير عائد إليهن لقوله تعالى : ( { هن لباس لكم } ) [ البقرة : 187 ] ، ويقال للجارية صارت فراشا وإذا صارت فراشا رفع قدرها بالنسبة إلى جارية لم تصر فراشا ، وهو أقرب من الأول لكن يبعد ظاهرا ؛ لأن وصفها بالمرفوعة ينبئ عن خلاف ذلك .

وثالثها : أنه عائد إلى معلوم دل عليه فرش ؛ لأنه قد علم في الدنيا وفي مواضع من ذكر الآخرة ، أن في الفرش حظايا تقديره : وفي فرش مرفوعة حظايا منشآت ، وهو مثل ما ذكر في قوله تعالى : ( { قاصرات الطرف } ) [ الصافات : 48 ] و ( { مقصورات } ) [ الرحمن : 72 ] فهو تعالى أقام الصفة مقام الموصوف ولم يذكر نساء الآخرة بلفظ حقيقي أصلا وإنما عرفهن بأوصافهن ولباسهن إشارة إلى صونهن وتخدرهن ، وقوله تعالى : ( { إنا أنشأناهن } ) يحتمل أن يكون المراد الحور فيكون المراد الإنشاء الذي هو الابتداء ، ويحتمل أن يكون المراد بنات آدم فيكون الإنشاء بمعنى إحياء الإعادة ، وقوله تعالى : ( { أبكارا } ) يدل على الثاني ؛ لأن الإنشاء لو كان بمعنى الابتداء لعلم من كونهن أبكارا من غير حاجة إلى بيان ولما كان المراد إحياء بنات آدم قال : ( { أبكارا } ) أي نجعلهن أبكارا وإن متن ثيبات ، فإن قيل : فما الفائدة على الوجه الأول ؟ نقول : الجواب من وجهين :

الأول : أن الوصف بعدها لا يكون من غيرها إذا كن أزواجهم بين الفائدة ؛ لأن البكر في الدنيا لا تكون عارفة بلذة الزوج فلا ترضى بأن تتزوج من رجل لا تعرفه وتختار التزويج بأقرانها ومعارفها ، لكن أهل الجنة إذا لم يكن من جنس أبناء آدم وتكون الواحدة منهن بكرا لم تر زوجا ثم تزوجت بغير جنسها فربما يتوهم منها سوء عشرة فقال : ( { أبكارا } ) فلا يوجد فيهن ما يوجد في أبكار الدنيا .

الثاني : المراد " أبكارا " بكارة تخالف بكارة الدنيا ، فإن البكارة لا تعود إلا على بعد . وقوله تعالى : ( { أترابا } ) يحتمل وجوها :

أحدها : مستويات في السن فلا تفضل إحداهن على الأخرى بصغر ولا كبر كلهن خلقن في زمان واحد ، ولا يلحقهن عجز ولا زمانة ولا تغير لون ، وعلى هذا إن كن من بنات آدم فاللفظ فيهن حقيقة ، وإن كن من غيرهن فمعناه ما كبرن ؛ سمين به لأن كلا منهن تمس وقت مس الأخرى لكن نسي الأصل ، وجعل عبارة عن ذلك كاللذة للمتساويين من العقلاء ، فأطلق على حور الجنة أترابا .

ثانيها : أترابا متماثلات في النظر إليهن كالأتراب سواء وجدن في زمان أو في أزمنة ، والظاهر أنه في أزمنة ؛ لأن المؤمن إذا عمل عملا صالحا خلق له منهن ما شاء الله .

ثالثها : أترابا لأصحاب اليمين ، أي على سنهم ، وفيه إشارة إلى الاتفاق ؛ لأن أحد الزوجين إذا كان أكبر من الآخر فالشاب يعيره .

المسألة الثانية : إن قيل ما الفائدة في قوله : ( { فجعلناهن } ) ؟ نقول : فائدته ظاهرة تتبين بالنظر إلى اللام في : ( { لأصحاب اليمين } ) فنقول : إن كانت اللام متعلقة بـ " أترابا " يكون معناه : ( { أنشأناهن } ) وهذا لا يجوز وإن كانت متعلقة بـ " أنشأناهن " يكون معناه أنشأناهن لأصحاب اليمين والإنشاء حال كونهن أبكارا وأترابا فلا يتعلق الإنشاء بالأبكار بحيث يكون كونهن أبكارا بالإنشاء ؛ لأن الفعل لا يؤثر في الحال تأثيرا واجبا ، فنقول : صرفه للإنشاء لا يدل على أن الإنشاء كان بفعل فيكون الإنعام عليهم بمجرد إنشائهن لأصحاب اليمين : ( { فجعلناهن أبكارا } ) ليكون ترتيب المسبب على السبب فاقتضى ذلك كونهن أبكارا ، وأما إن كان الإنشاء أولا من غير مباشرة للأزواج ما كان يقتضي جعلهن أبكارا فالفاء لترتيب المقتضى على المقتضي .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 29-29 , الصفحة 146
counter free hit invisible