<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( سورة الحشر )

وهي عشرون وأربع آيات مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } )

بسم الله الرحمن الرحيم

( { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم } { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر } ) صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له ، فلما ظهر يوم بدر قالوا : هو النبي المنعوت في التوراة بالنصر ، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة ، وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأنصاري ، فقتل كعبا غيلة ، وكان أخاه من الرضاعة ، ثم صحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف ، فقال لهم : اخرجوا من المدينة ، فقالوا : الموت أحب إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب ، وقيل : استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج ، فبعث إليهم عبد الله بن أبي وقال : لا تخرجوا من الحصن ، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ، ولئن خرجتم لنخرجن معكم ، فحصنوا الأزقة ، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة ، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب ، وأيسوا من نصر المنافقين ، طلبوا الصلح ، فأبى إلا الجلاء ، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم ، فجلوا إلى الشأم ، إلى أريحاء وأذرعات إلا أهل بيتين ، منهم آل أبي الحقيق ، وآل حيي بن أخطب ، فإنهم لحقوا بخيبر ، ولحقت طائفة بالحيرة . وههنا سؤالات :

السؤال الأول : ما معنى هذه اللام في قوله : ( { لأول الحشر } ) ؟

الجواب : إنها هي اللام في قولك : جئت لوقت كذا ، والمعنى : أخرج الذين كفروا عند أول الحشر .

السؤال الثاني : ما معنى "أول الحشر" ؟

الجواب : أن الحشر هو إخراج الجمع من مكان إلى مكان ، وأما أنه لم سمي هذا الحشر بأول الحشر فبيانه من وجوه :

أحدها : وهو قول ابن عباس والأكثرين أن هذا أول حشر أهل الكتاب ، أي أول مرة حشروا وأخرجوا من جزيرة العرب لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك ؛ لأنهم كانوا أهل منعة وعز .

وثانيها : أنه تعالى جعل إخراجهم من المدينة حشرا ، وجعله أول الحشر من حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام ، ثم تدركهم الساعة هناك .

وثالثها : أن هذا أول حشرهم ، وأما آخر حشرهم فهو إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام .

ورابعها : معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما يحشرهم لقتالهم ؛ لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وخامسها : قال قتادة : هذا أول الحشر ، والحشر الثاني نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، وذكروا أن تلك النار ترى بالليل ولا ترى بالنهار .



( { ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } )

قوله تعالى : ( { ما ظننتم أن يخرجوا } ) .

قال ابن عباس : إن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم وقوتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تعظيما لهذه النعمة ، فإن النعمة إذا وردت على المرء والظن بخلافه تكون أعظم ، فالمسلمون ما ظنوا أنهم يصلون إلى مرادهم في خروج هؤلاء اليهود ، فيتخلصون من ضرر مكايدهم ، فلما تيسر لهم ذلك كان توقع هذه النعمة أعظم .

قوله تعالى : ( { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } ) .

قالوا : كانت حصونهم منيعة ، فظنوا أنها تمنعهم من رسول الله ، وفي الآية تشريف عظيم لرسول الله ، فإنها تدل على أن معاملتهم مع رسول الله هي بعينها نفس المعاملة مع الله ، فإن قيل : ما الفرق بين قولك : ظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم وبين النظم الذي جاء عليه ، قلنا : في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالون بأحد يطمع في منازعتهم ، وهذه المعاني لا تحصل في قولك : وظنوا أن حصونهم تمنعهم .

قوله تعالى : ( { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } ) في الآية مسائل :

المسألة الأولى : في الآية وجهان :

الأول : أن يكون الضمير في قوله : ( { فأتاهم } ) عائد إلى اليهود ، أي فأتاهم عذاب الله وأخذهم من حيث لم يحتسبوا .

والثاني : أن يكون عائدا إلى المؤمنين ، أي فأتاهم نصر الله وتقويته من حيث لم يحتسبوا ، ومعنى : لم يحتسبوا ، أي لم يظنوا ، ولم يخطر ببالهم ، وذلك بسبب أمرين :

أحدهما : قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة ، وذلك مما أضعف قوتهم ، وفتت عضدهم ، وفل من شوكتهم .

والثاني : بما قذف في قلوبهم من الرعب .

المسألة الثانية : قوله : ( { فأتاهم الله } ) لا يمكن إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء ، فدل على أن باب التأويل مفتوح ، وأن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز .

المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : قرئ " فآتاهم الله " أي فآتاهم الهلاك ، واعلم أن هذه القراءة لا تدفع ما بيناه من وجوه التأويل ؛ لأن هذه القراءة لا تدفع القراءة الأولى ، فإنها ثابتة بالتواتر ، ومتى كانت ثابتة بالتواتر لا يمكن دفعها ، بل لا بد فيها من التأويل .



( { وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ) .

قوله تعالى : ( { وقذف في قلوبهم الرعب } ) قال أهل اللغة : الرعب : الخوف الذي يستوعب الصدر ، أي يملؤه ، وقذفه إثباته فيه ، وفيه قالوا في صفة الأسد : مقذف ، كأنما قذف باللحم قذفا ؛ لاكتنازه وتداخل أجزائه ، واعلم أن هذه الآية تدل على قولنا من أن الأمور كلها لله ، وذلك لأن الآية دلت على أن وقوع ذلك الرعب في قلوبهم كان من الله ، ودلت على أن ذلك الرعب صار سببا في إقدامهم على بعض الأفعال ، وبالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب ، وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله ، فكانت الأفعال بأسرها مسندة إلى الله بهذا الطريق .

قوله تعالى : ( { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ) فيه مسائل :

المسألة الأولى : قال أبو علي : قرأ أبو عمرو وحده : " يخربون " مشددة ، وقرأ الباقون : " يخربون " خفيفة ، وكان أبو عمرو يقول : الإخراب أن يترك الشيء خرابا ، والتخريب : الهدم ، وبنو النضير خربوا وما أخربوا . قال المبرد : ولا أعلم لهذا وجها ، ويخربون هو الأصل خرب المنزل ، وأخربه صاحبه ، كقوله : علم وأعلمه ، وقام وأقامه ، فإذا قلب يخربون من التخريب ، فإنما هو تكثير ؛ لأنه ذكر بيوتا تصلح للقليل والكثير ، وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في الكلام ، فيجري كل واحد مجرى الآخر ، نحو فرحته وأفرحته ، وحسنه الله وأحسنه ، وقال الأعشى : وأخربت من أرض قوم ديارا

وقال الفراء : "يخربون "بالتشديد يهدمون ، وبالتخفيف يخربون منها ويتركونها .

المسألة الثانية : ذكر المفسرون في بيان أنهم كيف كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وجوها :

أحدها : أنهم لما أيقنوا بالجلاء ، حسدوا المسلمين أن يسكنوا مساكنهم ومنازلهم ، فجعلوا يخربونها من داخل ، والمسلمون من خارج .

وثانيها : قال مقاتل : إن المنافقين دسوا إليهم أن لا يخرجوا ، ودربوا على الأزقة وحصنوها ، فنقضوا بيوتهم وجعلوها كالحصون على أبواب الأزقة ، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب .

وثالثها : أن المسلمين إذا ظهروا على درب من دروبهم خربوه ، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم ، وينقبونها من أدبارها .

ورابعها : أن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد ، واليهود لما أيقنوا بالجلاء وكانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه أو الباب ، فيهدمون بيوتهم وينزعونها ، ويحملونها على الإبل ، فإن قيل : ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين ؟ قلنا قال الزجاج : لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوه إياهم .



( { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ) .

قوله تعالى : ( { فاعتبروا ياأولي الأبصار } ) .

اعلم أنا قد تمسكنا بهذه الآية في كتاب " المحصول من أصول الفقه " على أن القياس حجة فلا نذكره ههنا ، إلا أنه لا بد ههنا من بيان الوجه الذي أمر الله فيه بالاعتبار ، وفيه احتمالات :

أحدها : أنهم اعتمدوا على حصونهم ، وعلى قوتهم وشوكتهم ، فأباد الله شوكتهم وأزال قوتهم ، ثم قال : ( { فاعتبروا ياأولي الأبصار } ) ولا تعتمدوا على شيء غير الله ، فليس للزاهد أن يعتمد على زهده ، فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام ، وليس للعالم أن يعتمد على علمه ، انظر إلى ابن الراوندي مع كثرة ممارسته كيف صار ، بل لا اعتماد لأحد في شيء إلا على فضل الله ورحمته .

وثانيها : قال القاضي : المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر والكفر والطعن في النبوة ، فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء ، والمؤمنون أيضا يعتبرون به ، فيعدلون عن المعاصي .

فإن قيل : هذا الاعتبار إنما يصح لو قلنا : إنهم غدروا وكفروا فعذبوا ، وكان السبب في ذلك العذاب هو الكفر والغدر ، إلا أن هذا القول فاسد طردا وعكسا ، أما الطرد فلأنه رب شخص غدر وكفر ، وما عذب في الدنيا ، وأما العكس فلأن أمثال هذه المحن بل أشد منها وقعت للرسول عليه السلام ولأصحابه ، ولم يدل ذلك على سوء أديانهم وأفعالهم ، وإذا فسدت هذه العلة فقد بطل هذا الاعتبار ، وأيضا فالحكم الثالث في الأصل هو أنهم ( { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ) وإذا عللنا ذلك بالكفر والغدر يلزم في كل من غدر وكفر أن يخرب بيته بيده وبأيدي المسلمين ، ومعلوم أن هذا لا يصلح ، فعلمنا أن هذا الاعتبار غير صحيح .

والجواب : أن الحكم الثابت في الأصل له ثلاث مراتب :

أولها : كونه تخريبا للبيت بأيديهم وأيدي المؤمنين .

وثانيها : وهو أعم من الأول ، كونه عذابا في الدنيا .

وثالثها : وهو أعم من الثاني ، كونه مطلق العذاب ، والغدر والكفر إنما يناسبان العذاب من حيث هو عذاب ، فأما خصوص كونه تخريبا أو قتلا في الدنيا أو في الآخرة فذاك عديم الأثر ، فيرجع حاصل القياس إلى أن الذين غدروا وكفروا وكذبوا عذبوا من غير اعتبار أن ذلك العذاب كان في الدنيا أو في الآخرة .

والغدر والكفر يناسبان العذاب ، فعلمنا أن الكفر والغدر هما السببان في العذاب ، فأينما حصلا حصل العذاب من غير بيان أن ذلك العذاب في الدنيا أو في الآخرة ، ومتى قررنا القياس والاعتبار على هذا الوجه زالت المطاعن والنقوض ، وتم القياس على الوجه الصحيح .

المسألة الثانية : الاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء ؛ ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد ، وسمي المعبر معبرا لأن به تحصل المجاوزة ، وسمي العلم المخصوص بالتعبير ؛ لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ عبارات ؛ لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع ، ويقال : السعيد من اعتبر بغيره ؛ لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه ؛ ولهذا قال المفسرون : الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها .

وفي قوله ( { ياأولي الأبصار } ) وجهان :

الأول : قال ابن عباس : يريد يا أهل اللب والعقل والبصائر .

والثاني : قال الفراء : ( { ياأولي الأبصار } ) يا من عاين تلك الواقعة المذكورة .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 29-29 , الصفحة 242 - 245
counter free hit invisible