<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

[ بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة وما توفيقي إلا بالله ] تفسير سورة الأنعام [ وهي مكية ] قال العوفي وعكرمة وعطاء ، عن ابن عباس : أنزلت سورة الأنعام بمكة سبب نزولها . وقال الطبراني : حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة ، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح

وقال سفيان الثوري ، عن ليث ، عن شهر بن حوشب ( عن أسماء بنت يزيد قالت : نزلت سورة الأنعام على النبي - صلى الله عليه وسلم - جملة [ واحدة ] وأنا آخذة بزمام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة )

وقال شريك ، عن ليث ، عن شهر ، عن أسماء قالت : نزلت سورة الأنعام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض

وقال السدي ، عن مرة ، عن عبد الله قال : نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفا من الملائكة .

وروي نحوه من وجه آخر ، عن ابن مسعود .

وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي ، أخبرنا جعفر بن عون ، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، حدثنا محمد بن المنكدر ( عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : " لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق ) " . ثم قال : صحيح على شرط مسلم

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا إبراهيم بن درستويه الفارسي ، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي ، عن نافع بن مالك أبي سهيل ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ( نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة ، سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج " ، ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : " سبحان الله العظيم ، سبحان الله العظيم ) "

ثم روى ابن مردويه ، عن الطبراني ، عن إبراهيم بن نائلة ، عن إسماعيل بن عمرو ، عن يوسف بن عطية ، عن ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله : " ( نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة ، وشيعها سبعون ألفا من الملائكة ، لهم زجل بالتسبيح والتحميد ) "



( { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( 1 ) { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون } ( 2 ) { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } ( 3 ) )

يقول الله تعالى مادحا نفسه الكريمة ، وحامدا لها على خلقه السموات والأرض قرارا لعباده وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم ، فجمع لفظ " الظلمات " ووحد لفظ " النور " ; لكونه أشرف ، كما قال ( { عن اليمين والشمائل } ) [ النحل : 48 ] ، وكما قال في آخر هذه السورة ( { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ) [ الأنعام : 153 ] .

وقوله : ( { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ) أي : ومع هذا كله كفر به بعض عباده ، وجعلوا معه شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .

وقوله : ( { هو الذي خلقكم من طين } ) يعني : أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا ، فانتشروا في المشارق والمغارب .

وقوله : ( { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } ) قال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( { ثم قضى أجلا } ) يعني : الموت ( { وأجل مسمى عنده } ) يعني : الآخرة .

وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان ، وغيرهم .

وقول الحسن - في رواية عنه : ( { ثم قضى أجلا } ) قال : ما بين أن يخلق إلى أن يموت ( { وأجل مسمى عنده } ) ما بين أن يموت إلى أن يبعث - هو يرجع إلى ما تقدم ، وهو تقدير الأجل الخاص ، وهو عمر كل إنسان ، وتقدير الأجل العام ، وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها ، [ وانتقالها ] والمصير إلى الدار الآخرة .

وعن ابن عباس ومجاهد : ( { ثم قضى أجلا } ) يعني : مدة الدنيا ( { وأجل مسمى عنده } ) يعني : عمر الإنسان إلى حين موته ، وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا : ( { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم [ يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ] } ) الآية [ الأنعام : 60 ] .

وقال عطية ، عن ابن عباس ( { ثم قضى أجلا } ) يعني : النوم ، يقبض فيه الروح ، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة ( { وأجل مسمى عنده } ) يعني : أجل موت الإنسان ، وهذا قول غريب .

ومعنى قوله : ( عنده ) أي : لا يعلمه إلا هو ، كقوله تعالى : ( { إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } ) [ الأعراف : 187 ] ، وكقوله ( { يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها } ) [ النازعات : 42 - 44 ] .

وقوله : ( { ثم أنتم تمترون } ) قال السدي وغيره : يعني تشكون في أمر الساعة .

وقوله : ( { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } ) اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال ، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجهمية الأول القائلين بأنه - تعالى عن قولهم علوا كبيرا - في كل مكان ; حيث حملوا الآية على ذلك ، فأصح الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض ، أي : يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض ، ويسمونه الله ، ويدعونه رغبا ورهبا ، إلا من كفر من الجن والإنس ، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى : ( { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ) [ الزخرف : 84 ] ، أي : هو إله من في السماء وإله من في الأرض ، وعلى هذا فيكون قوله : ( { يعلم سركم وجهركم } ) خبرا أو حالا .

والقول الثاني : أن المراد أن الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض ، من سر وجهر . فيكون قوله : ( يعلم ) متعلقا بقوله : ( { في السماوات وفي الأرض } ) تقديره : وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون .

والقول الثالث أن قوله ( { وهو الله في السماوات } ) وقف تام ، ثم استأنف الخبر فقال : ( { وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } ) وهذا اختيار ابن جرير .

وقوله : ( { ويعلم ما تكسبون } ) أي : جميع أعمالهم خيرها وشرها .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 3-3 , الصفحة 237 - 240
counter free hit invisible