<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون } { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون }

بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله ، للدلالة على أن الحمد كله له ، ولإقامة الحجة على الذين هم بربهم يعدلون .

وقد تقدم في سورة الفاتحة ما يغني عن الإعادة له هنا ، ثم وصف نفسه بأنه الذي خلق السماوات والأرض إخبارا عن قدرته الكاملة الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد ، فإن من اخترع ذلك وأوجده هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد ، والخلق يكون بمعنى الاختراع ، وبمعنى التقدير وقد تقدم تحقيق ذلك ، وجمع السماوات لتعدد طباقها ، وقدمها على الأرض لتقدمها في الوجود { والأرض بعد ذلك دحاها } [ النازعات : 30 ] .

قوله : { وجعل الظلمات والنور } معطوف على خلق ، ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله : { خلق السماوات والأرض } ثم ذكر خلق الأعراض بقوله : { وجعل الظلمات والنور } لأن الجواهر لا تستغني عن الأعراض . واختلف أهل العلم في المعنى المراد بالظلمات والنور ، فقال جمهور المفسرين : المراد بالظلمات سواد الليل ، وبالنور ضياء النهار .

وقال الحسن : الكفر والإيمان .

قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر انتهى .

والأولى أن يقال : إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم الظلمة ، والنور يشمل كل ما يطلق عليه اسم النور فيدخل تحت ذلك ظلمة الكفر ونور الإيمان { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات } [ الأنعام : 122 ] وأفرد النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه ، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها وتعدد أنواعها .

قال النحاس : جعل هنا بمعنى خلق : وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد .

وقال القرطبي : جعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره .

قال ابن عطية : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق ، فيكون الجمع معطوفا على الجمع ، والمفرد معطوفا على المفرد ، وتقديم الظلمات على النور لأنها الأصل ، ولهذا كان النهار مسلوخا من الليل .

قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } معطوف على " الحمد لله " ، أو على " خلق السماوات والأرض " ، وثم لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم بربهم يعدلون مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السماوات والأرض والظلمات والنور ، فإن هذا يقتضي الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه ، لا الكفر به واتخاذ شريك له ، وتقديم المفعول للاهتمام ، ورعاية الفواصل ، وحذف المفعول لظهوره : أي يعدلون به ما لا يقدر على شيء مما يقدر عليه ، وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه تلك النعم ، ويكون من الكفرة الكفر .

قوله : { هو الذي خلقكم من طين } في معناه قولان : أحدهما : وهو الأشهر ، وبه قال الجمهور : أن المراد آدم عليه السلام ، وأخرجه مخرج الخطاب للجميع ، لأنهم ولده ونسله .

الثاني : أن يكون المراد جميع البشر باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها مخلوقة من الطين ، ذكر الله سبحانه خلق آدم وبنيه بعد خلق السماوات والأرض إتباعا للعالم الأصغر بالعالم الأكبر ، والمطلوب بذكر هذه الأمور دفع كفر الكافرين بالبعث ورد لجحودهم بما هو مشاهد لهم لا يمترون فيه .

قوله : { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده } جاء بكلمة ثم لما بين خلقهم وبين موتهم من التفاوت .

وقد اختلف السلف ومن بعدهم في تفسير الأجلين ، فقيل : قضى أجلا يعني الموت { وأجل مسمى عنده } يعني القيامة ، وهو مروي عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن وقتادة ، والضحاك ، ومجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم وعطية والسدي ، وخصيف ومقاتل وغيرهم ، وقيل : الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت ، والثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث ، وهو قريب من الأول .

وقيل : الأول مدة الدنيا ، والثاني عمر الإنسان إلى حين موته .

وهو مروي عن ابن عباس ، ومجاهد . وقيل : الأول قبض الأرواح في النوم ، والثاني قبض الروح عند الموت .

وقيل : الأول ما يعرف من أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك ، والثاني أجل الموت .

وقيل : الأول لمن مضى ، والثاني لمن بقي ولمن يأتي .

وقيل : إن الأول الأجل الذي هو محتوم ، والثاني الزيادة في العمر لمن وصل رحمه ، فإن كان برا تقيا وصولا لرحمه زيد في عمره ، وإن كان قاطعا للرحم لم يزد له ، ويرشد إلى هذا قوله تعالى : { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب } [ فاطر : 11 ] وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ( أن صلة الرحم تزيد في العمر ، ) وورد عنه أن دخول البلاد التي قد فشا بها الطاعون والوباء من أسباب الموت ، وجاز الابتداء بالنكرة في قوله : { وأجل مسمى عنده } لأنها قد تخصصت بالصفة .

قوله : { ثم أنتم تمترون } استبعاد لصدور الشك منهم مع وجود المقتضي لعدمه : أي كيف تشكون في البعث مع مشاهدتكم في أنفسكم من الابتداء والانتهاء ما يذهب بذلك ويدفعه ، فإن من خلقكم من طين وصيركم أحياء تعلمون وتعقلون وخلق لكم هذه الحواس والأطراف ، ثم سلب ذلك عنكم فصرتم أمواتا وعدتم إلى ما كنتم عليه من الجمادية ، لا يعجزه أن يبعثكم ويعيد هذه الأجسام كما كانت ، ويرد إليها الأرواح التي فارقتها بقدرته وبديع حكمته . قوله : { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } قيل : إن في السماوات وفي الأرض متعلق باسم الله باعتبار ما يدل عليه من كونه معبودا ومتصرفا ومالكا : أي هو المعبود أو المالك أو المتصرف في السماوات والأرض كما تقول : زيد الخليفة في الشرق والغرب : أي حاكم أو متصرف فيهما ، وقيل : المعنى : وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض فلا تخفى عليه خافية ، فيكون العامل فيهما ما بعدهما .

قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل : فيه .

وقال ابن جرير : هو الله في السماوات ويعلم سركم وجهركم في الأرض .

والأول أولى ، ويكون { يعلم سركم وجهركم } جملة مقررة لمعنى الجملة الأولى ، لأن كونه سبحانه في السماء والأرض يستلزم علمه بأسرار عباده وجهرهم ، وعلمه بما يكسبونه من الخير والشر وجلب النفع ودفع الضرر .

وقد أخرج ابن أبي حاتم ، عن علي أن هذه الآية أعني الحمد لله إلى قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } نزلت في أهل الكتاب .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير وأبو الشيخ ، عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه نحوه .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية في الزنادقة ، قالوا : إن الله لم يخلق الظلمة ولا الخنافس ولا العقارب ولا شيئا قبيحا ، وإنما يخلق النور وكل شيء حسن ، فأنزلت فيهم هذه الآية .

وأخرج أبو الشيخ ، عن ابن عباس ، : { وجعل الظلمات والنور } قال : الكفر والإيمان .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن قتادة ، قال : إن الذين بربهم يعدلون هم أهل الشرك .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن السدي ، مثله .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن مجاهد قال : يعدلون يشركون .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في قوله : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } قال : الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله ، وليس لله عدل ولا ند ، وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ولا ولدا .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ، : { هو الذي خلقكم من طين } يعني آدم { ثم قضى أجلا } يعني : أجل الموت { وأجل مسمى عنده } أجل الساعة والوقوف عند الله .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، والحاكم وصححه عنه في قوله : { ثم قضى أجلا } قال : أجل الدنيا ، وفي لفظ أجل موته { وأجل مسمى عنده } قال : الآخرة لا يعلمه إلا الله .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عنه قضى أجلا قال : هو اليوم يقبض فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه من اليقظة { وأجل مسمى عنده } قال : هو أجل موت الإنسان .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 408 - 409
counter free hit invisible