<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } . لما كان نزول هذه السورة عقب خصومة المهاجرين والأنصار ومقالة عبد الله بن أبي في شأن المهاجرين . تعين أن الغرض من هذه الآية التعريض بكذب عبد الله بن أبي وبنفاقه فصيغ الكلام بصيغة تعم المنافقين لتجنب التصريح بالمقصود على طريقة قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - ( ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ) ومراده مولى بريرة لما أراد أن يبيعها لعائشة أم المؤمنين واشترط أن يكون الولاء له ، وابتدئ بتكذيب من أريد تكذيبه في ادعائه الإيمان بصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يكن ذلك هو المقصود إشعارا بأن الله أطلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على دخائلهم ، وهو تمهيد لما بعده من قوله { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن المنافقين قالوا : نشهد إنك لرسول الله .

فيجوز أن يكون قولهم { نشهد إنك لرسول الله } محكيا بالمعنى لأنهم يقولون عبارات كثيرة تفيد معنى أنهم يشهدون بأنه رسول الله مثل نطقهم بكلمة الشهادة .

ويجوز أن يكونوا توطئوا على هذه الكلمة كلما أعلن أحدهم الإسلام . وهذا أليق بحكاية كلامهم بكلمة قالوا دون نحو : زعموا .

و إذا ظرف للزمان الماضي بقرينة جعل جملتيها ماضيتين ، والظرف متعلق بفعل ( قالوا ) وهو جواب إذا .

فالمعنى : إنك تعلم أنهم يقولون نشهد إنك لرسول الله .

و { نشهد } خبر مؤكد لأن الشهادة الإخبار عن أمر مقطوع به إذ هي مشتقة من المشاهدة أي المعاينة . والمعاينة أقوى طرق العلم ، ولذلك كثر استعمال : أشهد ونحوه من أفعال اليقين في معنى القسم . وكثر أن يجاب بمثل ما يجاب به القسم قاله ابن عطية . ومعنى ذلك : أن قوله { نشهد } ليس إنشاء . وبعض المفسرين جعله صيغة يمين . وروي عن أبي حنيفة .

والمقصود من قوله { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } إعلام النبيء - صلى الله عليه وسلم - وإعلام المسلمين بطائفة مبهمة شأنهم النفاق ليتوسموهم ويختبروا أحوالهم وقد يتلقى النبيء - صلى الله عليه وسلم - بطريق الوحي تعيينهم أو تعيين بعضهم . والمنافقون جمع منافق وهو الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر وقد مضى القول فيه مفصلا في سورة آل عمران .

وجملة { إنك لرسول الله } بيان لجملة { نشهد } .

وجملة { والله يعلم إنك لرسوله } معترضة بين الجملتين المتعاطفتين وهذا الاعتراض لدفع إيهام من يسمع جملة { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } أنه تكذيب لجملة { إنك لرسول الله } فإن المسلمين كانوا يومئذ محفوفين بفئام من المنافقين مبثوثين بينهم هجيراهم فتنة المسلمين فكان المقام مقتضيا دفع الإيهام وهذا من الاحتراس .

وعلق فعل ( يعلم ) عن العمل لوجود ( إن ) في أول الجملة وقد عدوا ( إن ) التي في خبرها لام ابتداء من المعلقات لأفعال القلب عن العمل بناء على أن لام الابتداء هي في الحقيقة لام جواب القسم وأن حقها أن تقع قبل ( إن ) ولكنها زحلقت في الكلام كراهية اجتماع مؤكدين متصلين ، وأخذ ذلك من كلام سيبويه .

وجملة { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } عطف على جملة { قالوا نشهد } .

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوي الحكم .

وجيء بفعل ( { يشهد } ) في الإخبار عن تكذيب الله تعالى إياهم للمشاكلة حتى يكون إبطال خبرهم مساويا لإخبارهم .

والكذب : مخالفة ما يفيده الخبر للواقع في الخارج ، أي الوجود فمعنى كون المنافقين كاذبون هنا أنهم كاذبون في إخبارهم عن أنفسهم بأنهم يشهدون بأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسول الله لأن خبرهم ذلك مخالف لما في أنفسهم فهم لا يشهدون به ولا يوافق قولهم ما في نفوسهم . وبهذا بطل احتجاج النظام بظاهر هذه الآية على رأيه أن الكذب مخالفة الخبر لاعتقاد المخبر لأنه غفل عن قوله تعالى { قالوا نشهد } . وقد أشار إلى هذا الرد القزويني في تلخيص المفتاح وفي الإيضاح .

وجملة { إن المنافقين لكاذبون } مبينة لجملة { يشهد } مثل سابقتها .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 29-29 , الصفحة 234 - 235
counter free hit invisible