<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير } { خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير } { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } )

ثم قال تعالى : ( { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير } { خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير } { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } )

قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه تعالى خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا ، وقال عطاء : إنه يريد فمنكم مصدق ، ومنكم جاحد ، وقال الضحاك : مؤمن في العلانية كافر في السر كالمنافق ، وكافر في العلانية مؤمن في السر كعمار بن ياسر ، قال الله تعالى : ( { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ) [ النحل : 106 ] وقال الزجاج : فمنكم كافر بأنه تعالى خلقه ، وهو من أهل الطبائع والدهرية ، ومنكم مؤمن بأنه تعالى خلقه كما قال : ( { قتل الإنسان ما أكفره } { من أي شيء خلقه } ) [ عبس : 17 ] وقال : ( { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة } ) [ الكهف : 37 ] وقال أبو إسحاق : خلقكم في بطون أمهاتكم كفارا ومؤمنين ، وجاء في بعض التفاسير أن يحيى خلق في بطن أمه مؤمنا ، وفرعون خلق في بطن أمه كافرا ، دل عليه قوله تعالى : ( { أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله } ) [ آل عمران : 39 ] وقوله تعالى : ( { والله بما تعملون بصير } ) أي عالم بكفركم وإيمانكم اللذين من أعمالكم ، والمعنى أنه تعالى تفضل عليكم بأصل النعم التي هي الخلق فانظروا النظر الصحيح وكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين ، فما فعلتم مع تمكنكم بل تفرقتم فرقا فمنكم كافر ومنكم مؤمن وقوله تعالى : ( { خلق السماوات والأرض بالحق } ) أي بالإرادة القديمة على وفق الحكمة ، ومنهم من قال بالحق ، أي للحق ، وهو البعث ، وقوله : ( { وصوركم فأحسن صوركم } ) يحتمل وجهين :

أحدهما : أحسن أي أتقن وأحكم على وجه لا يوجد بذلك الوجه في الغير ، وكيف يوجد وقد وجد في أنفسهم من القوى الدالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة .

وثانيهما : أن نصرف الحسن إلى حسن المنظر ، فإن من نظر في قد الإنسان وقامته وبالنسبة بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة وقوله تعالى : ( { وإليه المصير } ) أي البعث وإنما أضافه إلى نفسه لأنه هو النهاية في خلقهم والمقصود منه ، ثم قال تعالى : ( { وصوركم فأحسن صوركم } ) لأنه لا يلزم من خلق الشيء أن يكون مصورا بالصورة ، ولا يلزم من الصورة أن تكون على أحسن الصور ، ثم قال : ( { وإليه المصير } ) أي المرجع ليس إلا له ، وقوله تعالى : ( { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } ) نبه بعلمه ما في السماوات والأرض ، ثم بعلمه ما يسره العباد وما يعلنونه ، ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات والجزئيات على أنه لا يخفى عليه شيء لما أنه تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة البتة أزلا وأبدا ، وفي الآية مباحث :

الأول : أنه تعالى حكيم ، وقد سبق في علمه أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ، والإصرار عليه فأي حكمة دعته إلى خلقهم ؟ نقول : إذا علمنا أنه تعالى حكيم ، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ، وخلق هذه الطائفة فعله ، فيكون على وفق الحكمة ، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة .

الثاني : قال : ( { وصوركم فأحسن صوركم } ) وقد كان من أفراد هذا النوع من كان مشوه الصورة سمج الخلقة ؟ نقول : لا سماجة ثمة لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب فانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا لا يظهر حسنه ، وإلا فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حده .

الثالث : قوله تعالى : ( { وإليه المصير } ) يوهم الانتقال من جانب إلى جانب ، وذلك لا يمكن إلا أن يكون الله في جانب ، فكيف هو ؟ قلت : ذلك الوهم بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون في نفس الأمر ، فإن نفس الأمر بمعزل عن حقيقة الانتقال من جانب إلى جانب إذا كان المنتقل إليه منزها عن الجانب وعن الجهة .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 30-30 , الصفحة 21
counter free hit invisible