<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين } ( 17 ) { ولا يستثنون } ( 18 ) { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون } ( 19 ) { فأصبحت كالصريم } ( 20 ) { فتنادوا مصبحين } ( 21 ) { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } ( 22 ) { فانطلقوا وهم يتخافتون } ( 23 ) { أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } ( 24 ) { وغدوا على حرد قادرين } ( 25 ) { فلما رأوها قالوا إنا لضالون } ( 26 ) { بل نحن محرومون } ( 27 ) { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } ( 28 ) { قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين } ( 29 ) { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } ( 30 ) { قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين } ( 31 ) { عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون } ( 32 ) { كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } ( 33 ) )

هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة ، وأعطاهم من النعم الجسيمة ، وهو بعثه محمدا - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة ; ولهذا قال : ( { إنا بلوناهم } ) أي : اختبرناهم ، ( { كما بلونا أصحاب الجنة } ) وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه ( { إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين } ) أي : حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء ، ( { ولا يستثنون } ) أي : فيما حلفوا به . ولهذا حنثهم الله في أيمانهم ، فقال : ( { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون } ) أي : أصابتها آفة سماوية ، ( { فأصبحت كالصريم } ) قال ابن عباس : أي كالليل الأسود . وقال الثوري ، والسدي : مثل الزرع إذا حصد ، أي هشيما يبسا .

وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن أحمد بن الصباح : أنبأنا بشر بن زاذان ، عن عمر بن صبح ، عن ليث بن أبي سليم ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ( إياكم والمعاصي ، إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له " ، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم } ) قد حرموا خير جنتهم بذنبهم ) .

( { فتنادوا مصبحين } ) أي : لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ .

( { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } ) أي : تريدون الصرام . قال مجاهد : كان حرثهم عنبا .

( { فانطلقوا وهم يتخافتون } ) أي : يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم . ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به ، فقال : ( { فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } ) أي : يقول بعضهم لبعض : لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم !

قال الله تعالى : ( { وغدوا على حرد } ) أي : قوة وشدة . وقال مجاهد : ( { وغدوا على حرد } ) أي : جد . وقال عكرمة : غيظ . وقال الشعبي : ( { على حرد } ) على المساكين . وقال السدي : ( { على حرد } ) أي : كان اسم قريتهم حردا . فأبعد السدي في قوله هذا !

( قادرين ) أي : عليها فيما يزعمون ويرومون .

( { فلما رأوها قالوا إنا لضالون } ) أي : فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها ، وهي على الحالة التي قال الله ، عز وجل ، قد استحالت عن تلك النضارة ، والزهرة ، وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة ، لا ينتفع بشيء منها ، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق ; ولهذا قالوا : ( إنا لضالون ) أي : قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها . قاله ابن عباس وغيره . ثم رجعوا عما كانوا فيه ، وتيقنوا أنها هي فقالوا : ( { بل نحن محرومون } ) أي : بل هذه هي ، ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب .

( { قال أوسطهم } ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، وقتادة : أي : أعدلهم وخيرهم : ( { ألم أقل لكم لولا تسبحون } ) ! قال مجاهد ، والسدي ، وابن جريج : ( { لولا تسبحون } ) أي : لولا تستثنون . قال السدي : وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحا .

وقال ابن جريج : هو قول القائل : إن شاء الله . وقيل : معناه : ( { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } ) أي : هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم ، ( { قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين } ) أتوا بالطاعة حيث لا تنفع ، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع ; ولهذا قالوا : ( { إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } ) أي : يلوم بعضهم بعضا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجذاذ ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب ، ( { قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين } ) أي : اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا ، ( { عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون } ) قيل : رغبوا في بذلها لهم في الدنيا . وقيل : احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة ، والله أعلم .

ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن - قال سعيد بن جبير : كانوا من قرية يقال لها ضروان على ستة أميال من صنعاء . وقيل : كانوا من أهل الحبشة - وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة ، وكانوا من أهل الكتاب ، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة ، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليها ، ويدخر لعياله قوت سنتهم ، ويتصدق بالفاضل . فلما مات ورثه بنوه ، قالوا : لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء ، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا . فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم ، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية ، ورأس المال ، والربح ، والصدقة ، فلم يبق لهم شيء .

قال الله تعالى : ( كذلك العذاب ) أي : هكذا عذاب من خالف أمر الله ، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه ، ومنع حق المسكين والفقراء وذوي الحاجات ، وبدل نعمة الله كفرا ( { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } ) أي : هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم ، وعذاب الآخرة أشق . وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجداد بالليل ، والحصاد بالليل ) .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 196 - 197
counter free hit invisible