<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ الحاقة } { ما الحاقة } { وما أدراك ما الحاقة }

الحاقة صيغة فاعل من : حق الشيء إذا ثبت وقوعه ، والهاء فيها لا تخلو عن أن تكون هاء تأنيث فتكون الحاقة وصفا لموصوف مقدر مؤنث اللفظ ، أو أن تكون هاء مصدر على وزن فاعلة مثل الكاذبة للكذب ، والخاتمة للختم ، والباقية للبقاء ، والطاغية للطغيان ، والنافلة ، والخاطئة ، وأصلها تاء المرة ، ولكنها لما أريد المصدر قطع النظر عن المرة مثل كثير من المصادر التي على وزن فعلة غير ما أريد به المرة مثل قولهم ضربة لازب . فالحاقة إذن بمعنى الحق كما يقال " من حاق كذا " ، أي من حقه .

وعلى الوجهين فيجوز أن يكون المراد بالحاقة المعنى الوصفي ، أي حادثة تحق أو حق يحق .

ويجوز أن يكون المراد بها لقبا ليوم القيامة ، وروي ذلك عن ابن عباس وأصحابه وهو الذي درج عليه المفسرون فلقب بذلك يوم القيامة لأنه يوم محقق وقوعه ، كما قال تعالى { وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه } ، أو لأنه تحق فيه الحقوق ولا يضاع الجزاء عليها ، قال تعالى { ولا تظلمون فتيلا } وقال { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وإيثار هذه المادة وهذه الصيغة يسمح باندراج معان صالحة بهذا المقام فيكون ذلك من الإيجاز البديع لتذهب نفوس السامعين كل مذهب ممكن من مذاهب الهول والتخويف بما يحق حلوله بهم .

فيجوز أيضا أن تكون الحاقة وصفا لموصوف محذوف تقديره : الساعة الحاقة ، أو الواقعة الحاقة ، فيكون تهديدا بيوم أو وقعة يكون فيها عقاب شديد للمعرض بهم مثل يوم بدر أو وقعته وأن ذلك حق لا ريب في وقوعه ، أو وصفا للكلمة ، أي كلمة الله التي حقت على المشركين من أهل مكة ، قال تعالى ( وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ) ، أو التي حقت للنبيء - صلى الله عليه وسلم - أن ينصره الله ، قال تعالى { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } { إنهم لهم المنصورون } { وإن جندنا لهم الغالبون } { فتول عنهم حتى حين } .

ويجوز أن تكون مصدرا بمعنى الحق ، فيصح أن يكون وصفا ليوم القيامة بأنه حق كقوله تعالى { واقترب الوعد الحق } أو وصفا للقرآن كقوله { إن هذا لهو القصص الحق } ، أو أريد به الحق كله مما جاء به القرآن من الحق قال تعالى { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } وقال { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق } .

وافتتاح السورة بهذا اللفظ ترويع للمشركين .

و ( الحاقة ) مبتدأ و ( ما ) مبتدأ ثان . و ( الحاقة ) المذكورة ثانيا خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول .

و ( ما ) اسم استفهام مستعمل في التهويل والتعظيم كأنه قيل : أتدري ما الحاقة ؟ أي ما هي الحاقة ؟ ، أي شيء عظيم الحاقة . وإعادة اسم المبتدأ في الجملة الواقعة خبرا عنه تقوم مقام ضميره في ربط الجملة المخبر بها . وهو من الإظهار في مقام الإضمار لقصد ما في الاسم من التهويل . ونظيره في ذلك قوله تعالى { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } .

وجملة { وما أدراك ما الحاقة } يجوز أن تكون معترضة بين جملة { ما الحاقة } وجملة { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ، والواو اعتراضية .

ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة { ما الحاقة } .

و ( ما ) الثانية استفهامية ، والاستفهام بها مكنى به عن تعذر إحاطة علم الناس بكنه الحاقة ؛ لأن الشيء الخارج عن الحد المألوف لا يتصور بسهولة فمن شأنه أن يتساءل عن فهمه .

والخطاب في قوله { وما أدراك } لغير معين . والمعنى : الحاقة أمر عظيم لا تدركون كنهه .

وتركيب ( ما أدراك كذا ) مما جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا اللفظ وهو تركيب مركب من ( ما ) الاستفهامية وفعل ( أدرى ) الذي يتعدى بهمزة التعدية إلى ثلاثة مفاعيل من باب أعلم وأرى ، فصار فاعل فعله المجرد وهو ( درى ) مفعولا أولا بسبب التعدية . وقد علق فعل ( أدراك ) عن نصب مفعولين ب ( ما ) الاستفهامية الثانية في قوله { ما الحاقة } . وأصل الكلام قبل التركيب بالاستفهام أن تقول : أدركت الحاقة أمرا عظيما ، ثم صار أدركني فلان الحاقة أمرا عظيما .

و ( ما ) الأولى استفهامية مستعملة في التهويل والتعظيم على طريقة المجاز المرسل في الحرف ؛ لأن الأمر العظيم من شأنه أن يستفهم عنه فصار التعظيم والاستفهام متلازمين . ولك أن تجعل الاستفهام إنكاريا ، أي لا يدري أحد كنه هذا الأمر .

والمقصود من ذلك على كلا الاعتبارين هو التهويل .

هذا السؤال كما تقول : علمت هل يسافر فلان ؟

و ( ما ) الثالثة علقت فعل ( أدراك ) عن العمل في مفعولين .

وكاف الخطاب فيه خطاب لغير معين فلذلك لا يقترن بضمير تثنية أو جمع أو تأنيث إذا خوطب به غير المفرد المذكر .

واستعمال ( ما أدراك ) غير استعمال ( ما يدريك ) في قوله تعالى { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } وقوله { وما يدريك لعل الساعة قريب } في سورة الشورى .

روي عن ابن عباس : كل شيء من القرآن من قوله ( ما أدراك ) فقد أدراه وكل شيء من قوله ( وما يدريك ) فقد طوي عنه . وقد روي هذا أيضا عن سفيان بن عيينة وعن يحيى بن سلام فإن صح هذا المروي فإن مرادهم أن مفعول ( ما أدراك ) محقق الوقوع ؛ لأن الاستفهام فيه للتهويل وأن مفعول ( ما يدريك ) غير محقق الوقوع ؛ لأن الاستفهام فيه للإنكار وهو في معنى نفي الدراية .

وقال الراغب : كل موضع ذكر في القرآن ( وما أدراك ) فقد عقب ببيانه نحو { وما أدراك ما هيه نار حامية } ، { وما أدراك ما ليلة القدر } { ليلة القدر خير من ألف شهر } ، { ثم ما أدراك ما يوم الدين } { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } ، { وما أدراك ما الحاقة } { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } . وكأنه يريد تفسير ما نقل عن ابن عباس وغيره .

ولم أر من اللغويين من وفى هذا التركيب حقه من البيان وبعضهم لم يذكره أصلا .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 30-30 , الصفحة 112 - 114
counter free hit invisible