<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

بسم الله الرحمن الرحيم { المص } { كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين } { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون } { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون } { فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } { فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين } قوله : { المص } قد تقدم في فاتحة سورة البقرة ما يغني عن الإعادة ، وهو إما مبتدأ وخبره كتاب : أي المص حروف كتاب أنزل إليك أو هو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا المص أي المسمى به ، وأما إذا كانت هذه الفواتح مسرودة على نمط التعديد فلا محل له ، وكتاب خبر المبتدأ على الوجه الأول أو خبر مبتدأ محذوف على الثاني أي هو كتاب .

قال الكسائي : أي هذا كتاب ، وأنزل إليك صفة له { فلا يكن في صدرك حرج منه } الحرج : الضيق : أي لا يكن في صدرك ضيق منه من إبلاغه إلى الناس مخافة أن يكذبوك ويؤذوك فإن الله حافظك وناصرك .

وقيل : المراد لا يضق صدرك حيث لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا لك فإنما عليك البلاغ ، وقال مجاهد وقتادة : الحرج هنا الشك ، لأن الشاك ضيق الصدر : أي لا تشك في أنه منزل من عند الله ، وعلى هذا يكون النهي له - صلى الله عليه وآله وسلم - من باب التعريض ، والمراد أمته : أي لا يشك أحد منهم في ذلك ، والضمير في منه راجع إلى الكتاب ، فعلى الوجه الأول يكون على تقدير مضاف محذوف : أي من إبلاغه ، وعلى الثاني يكون التقدير من إنزاله ، والضمير في { لتنذر به } راجع إلى الكتاب : أي لتنذر الناس بالكتاب الذي أنزلناه إليك ، وهو متعلق بأنزل : أي أنزل إليك لإنذارك للناس به ، أو متعلق بالنهي ، لأن انتفاء الشك في كونه منزلا من عند الله أو انتفاء الخوف من قومه يقويه على الإنذار ويشجعه ، لأن المتيقن يقدم على بصيرة ويباشر بقوة نفس .

قوله : { وذكرى للمؤمنين } الذكرى التذكير .

قال البصريون : الذكرى في محل رفع على إضمار مبتدأ .

وقال الكسائي : هي في محل رفع عطفا على " كتاب " ، ويجوز النصب على المصدر : أي وذكر به ذكرى قاله البصريون .

ويجوز الجر حملا على موضع لتنذر أي للإنذار والذكرى ، وتخصيص الذكرى بالمؤمنين لأنهم الذين ينجع فيهم ذلك ، وفيه إشارة إلى تخصيص الإنذار بالكافرين .

قوله : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } يعني الكتاب ومثله السنة لقوله : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ( الحشر : 7 ) ونحوها من الآيات ، وهو أمر للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ولأمته ، وقيل : هو أمر للأمة بعد أمره - صلى الله عليه وآله وسلم - بالتبليغ ، وهو منزل إليهم بواسطة إنزاله إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : ولا تتبعوا من دونه أولياء نهي للأمة عن أن يتبعوا أولياء من دون الله يعبدونهم ويجعلونهم شركاء لله ، فالضمير على هذا في " من دونه " يرجع إلى رب ، ويجوز أن يرجع إلى " ما " في " ما أنزل إليكم " : أي لا تتبعوا من دون كتاب الله أولياء تقلدونهم في دينكم كما كان يفعله أهل الجاهلية من طاعة الرؤساء فيما يحللونه لهم ويحرمونه عليهم .

قوله : { قليلا ما تذكرون } انتصاب قليلا على أنه صفة لمصدر محذوف للفعل المتأخر : أي تذكرا قليلا ، و " ما " مزيدة للتوكيد أو هو منتصب على الحال من فاعل لا تتبعوا ، وما مصدرية : أي لا تتبعوا من دونه أولياء قليلا تذكرهم .

قرئ " تذكرون " بالتخفيف بحذف إحدى التاءين ، وقرئ بالتشديد على الإدغام .

قوله : { وكم من قرية أهلكناها } كم هي الخبرية المفيدة للتكثير وهي في موضع رفع على الابتداء وأهلكناها الخبر ، ومن قرية تمييز ، ويجوز أن تكون في محل نصب بإضمار فعل بعدها لا قبلها ، لأن لها صدر الكلام ، ولولا اشتغال أهلكناها بالضمير لجاز انتصاب كم به ، والقرية موضع اجتماع الناس : أي كم من قرية من القرى الكبيرة أهلكناها نفسها بإهلاك أهلها ، أو أهلكنا أهلها ، والمراد أردنا إهلاكها .

قوله : { فجاءها بأسنا } معطوف على أهلكنا بتقدير الإرادة كما مر ، لأن ترتيب مجيء البأس على الإهلاك لا يصح إلا بهذا التقدير ، إذ الإهلاك هو نفس مجيء البأس .

وقال الفراء : إن الفاء بمعنى الواو فلا يلزم التقدير ، والمعنى : أهلكناها وجاءها بأسنا ، والواو لمطلق الجمع لا ترتيب فيها ، وقيل : إن الإهلاك واقع لبعض أهل القرية ، فيكون المعنى : وكم من قرية أهلكنا بعض أهلها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع ، وقيل : المعنى : وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا ، وقيل : أهلكناها بإرسال ملائكة العذاب إليها { فجاءها بأسنا } ، والبأس : هو العذاب .

وحكي عن الفراء أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون المعنى : وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها ، مثل دنا فقرب وقرب فدنا . " { بياتا } " أي ليلا ، لأنه يبات فيه ، يقال : بات يبيت بيتا وبياتا ، وهو مصدر واقع موقع الحال : أي بائتين .

قوله : أو هم قائلون معطوف على بياتا : أي بائتين أو قائلين ، وجاءت الجملة الحالية بدون واو استثقالا لاجتماع الواوين واو العطف وواو الحال ، هكذا قال الفراء .

واعترضه الزجاج فقال : هذا خطأ بل لا يحتاج إلى الواو ، تقول : جاءني زيد راكبا أو هو ماش لأن في الجملة ضميرا قد عاد إلى الأول ، و " أو " في هذا الموضع للتفصيل لا للشك .

والقيلولة هي نوم نصف النهار .

وقيل : هي مجرد الاستراحة في ذلك الوقت لشدة الحر من دون نوم ، وخص الوقتين لأنهما وقت السكون والدعة فمجيء العذاب فيهما أشد وأفظع .

قوله : { فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } الدعوى : الدعاء : أي فما كان دعاؤهم ربهم عند نزول العذاب إلا اعترافهم بالظلم على أنفسهم ، ومثله : { وآخر دعواهم } ( يونس : 10 ) أي آخر دعائهم ، وقيل : الدعوى هنا بمعنى الادعاء ، والمعنى : ما كان ما يدعونه لدينهم وينتحلونه إلا اعترافهم ببطلانه وفساده ، واسم كان إلا أن قالوا وخبرها دعواهم ويجوز العكس ، والمعنى : ما كان دعواهم إلا قولهم : إنا كنا ظالمين .

قوله : 6 - { فلنسألن الذين أرسل إليهم } هذا وعيد شديد ، والسؤال للقوم الذين أرسل الله إليهم الرسل من الأمم السالفة للتقريع والتوبيخ ، واللام لام القسم : أي لنسألنهم عما أجابوا به رسلهم عند دعوتهم ، والفاء لترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال الدنيوية { ولنسألن المرسلين } أي الأنبياء الذين بعثهم الله : أي نسألهم عما أجاب به أممهم عليهم ومن أطاع منهم ومن عصى ، وقيل : المعنى : { فلنسألن الذين أرسل إليهم } : يعني الأنبياء ، { ولنسألن المرسلين } : يعني الملائكة ، ولا يعارض هذا قول الله سبحانه : { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } لما قدمنا غير مرة أن الآخرة مواطن ، ففي موطن يسألون ، وفي موطن لا يسألون ، وهكذا سائر ما ورد مما ظاهره التعارض بأن أثبت تارة ونفى أخرى بالنسبة إلى يوم القيامة ، فإنه محمول على تعدد المواقف مع طول ذلك اليوم طولا عظيما .

7 - { فلنقصن عليهم بعلم } أي على الرسل والمرسل إليهم ما وقع بينهم عند الدعوة منهم لهم بعلم لا بجهل : أي عالمين بما يسرون وما يعلنون وما كنا غائبين عنهم في حال من الأحوال حتى يخفى علينا شيء مما وقع بينهم .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات وابن النجار في تاريخه عن ابن عباس ، في قوله : المص قال : أنا الله أفصل .

وأخرج ابن جرير ، عن سعيد بن جبير ، مثله .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ، أن هذا ونحوه من فواتح السور قسم أقسم الله به ، وهي من أسماء الله .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن السدي ، في قوله : المص قال : هو المصور .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، عن محمد بن كعب القرظي في قوله : المص قال : الألف من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد .

وأخرج أبو الشيخ ، عن الضحاك ، قال : معناه أنا الله الصادق ، ولا يخفى عليك أن هذا كله قول بالظن وتفسير بالحدس ، ولا حجة في شيء من ذلك ، والحق ما قدمنا في فاتحة سورة البقرة .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ، { فلا يكن في صدرك حرج منه } قال : الشك ، وقال لأعرابي : ما الحرج فيكم ؟ قال : اللبس .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن مجاهد نحوه .

وأخرج أبو الشيخ ، عن الضحاك ، قال : ضيق .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود : ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم ، ثم قرأ : { فما كان دعواهم } الآية .

وأخرجه ابن جرير ، عنه مرفوعا .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي عن ابن عباس ، { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } قال : نسأل الناس عما أجابوا المرسلين ونسأل المرسلين عما بلغوا ، { فلنقصن عليهم بعلم } ، قال : بوضع الكتاب يوم القيامة فنتكلم بما كانوا يعملون .

وأخرج عبد بن حميد ، عن فرقد في الآية قال : أحدهما الأنبياء ، وأحدهما الملائكة .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد في الآية قال : نسأل الناس عن قول لا إله إلا الله ونسأل جبريل .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 464 - 465
counter free hit invisible