<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ سال سائل بعذاب واقع } { للكافرين ليس له دافع } { من الله ذي المعارج }

كان كفار قريش يستهزئون فيسألون النبيء - صلى الله عليه وسلم - : متى هذا العذاب الذي تتوعدنا به ، ويسألونه تعجيله قال تعالى { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ( { ويستعجلونك بالعذاب } ) وكانوا أيضا يسألون الله أن يوقع عليهم عذابا إن كان القرآن حقا من عنده قال تعالى { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } .

وقيل : إن السائل شخص معين هو النضر بن الحارث قال : إن كان هذا - أي القرآن - هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم .

وكان النبيء - صلى الله عليه وسلم - يسأل الله أن يعينه على المشركين بالقحط فأشارت الآية إلى ذلك كله ، ولذلك فالمراد ب ( سائل ) فريق أو شخص . والسؤال مستعمل في معنيي الاستفهام عن شيء والدعاء ، على أن استفهامهم مستعمل في التهكم والتعجيز . ويجوز أن يكون ( سأل سائل ) بمعنى استعجل وألح .

وقرأ الجمهور ( سأل ) بإظهار الهمزة . وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ( سال ) بتخفيف الهمزة ألفا . قال في الكشاف : وهي لغة قريش وهو يريد أن قريشا قد يخففون المهموز في مقام الثقل وليس ذلك قياسا في لغتهم بل لغتهم تحقيق الهمز ولذلك قال سيبويه : وليس ذا بقياس متلئب أي مطرد مستقيم وإنما يحفظ عن العرب ، قال : ويكون قياسا متلئبا إذا اضطر الشاعر ، قال الفرزدق : راحت بمسلمة البغال عـشـية فارعي فزارة لا هناك المرتع

يريد لا هنأك بالهمز .

وقال حسان : سالت هذيل رسول الله فاحـشة ضلت هذيل بما سالت ولم تصب

يريد سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إباحة الزنى .

وقال القرشي زيد بن عمرو بن نفيل يذكر زوجيه : سألتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي قد جيتماني بنكر

فهؤلاء ليس لغتهم سال ولا يسال وبلغنا أن سلت تسال لغة اهـ . فجعل إبدال الهمز ألفا للضرورة مطردا ولغير الضرورة يسمع ولا يقاس عليه فتكون قراءة التخفيف سماعا . وذكر الطيبي عن أبي علي في الحجة : أن من قرأ ( سال ) غير مهموز جعل الألف منقلبة عن الواو التي هي عين الكلمة مثل : قال وخاف . وحكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول : هما متساولان . وقال في الكشاف : يقولون - أي أهل الحجاز - سلت تسال وهما يتسايلان . أي فهو أجوف يائي مثل هاب يهاب . وكل هذه تلتقي في أن نطق أهل الحجاز ( سال ) غير مهموز سماعي ، وليس بقياس عندهم وأنه إما تخفيف للهمزة على غير قياس مطرد وهو رأي سيبويه ، وإما لغة لهم في هذا الفعل وأفعال أخرى جاء هذا الفعل أجوف واويا كما هو رأي أبي علي أو أجوف يائيا كما هو رأي الزمخشري . وبذلك يندحض تردد أبي حيان جعل الزمخشري قراءة ( سال ) لغة أهل الحجاز إذ قد يكون لبعض القبائل لغتان في فعل واحد . وإنما اجتلب هنا لغة المخفف لثقل الهمز المفتوح بتوالي حركات قبله وبعده وهي أربع فتحات ، ولذلك لم يرد في القرآن مخففا في بعض القراءات إلا في هذا الموضع ؛ إذ لا نظير له في توالي حركات ، وإلا فإنه لم يقرأ أحد بالتخفيف في قوله ( { وإذا سألك عبادي } ) وهو يساوي ( { سال سائل بعذاب } ) بله قوله : سالتهم وتسالهم ولا يسالون .

وقوله ( { سال سائل } ) بمنزلة سئل ؛ لأن مجيء فاعل الفعل اسم فاعل من لفظ فعله لا يفيد زيادة علم بفاعل الفعل ما هو ، فالعدول عن أن يقول : سئل بعذاب ، إلى قوله ( سال سائل بعذاب ) ؛ لزيادة تصوير هذا السؤال العجيب ، ومثله قول يزيد بن عمرو بن خويلد يهاجي النابغة : وإن الغدر قد علمت معد بناه في بني ذبيان باني ومن بلاغة القرآن تعدية ( سال ) بالباء ليصلح الفعل لمعنى الاستفهام والدعاء والاستعجال ؛ لأن الباء تأتي بمعنى ( عن ) وهو من معاني الباء الواقعة بعد فعل السؤال نحو ( فاسال به خبيرا ) ، وقول علقمة : فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب أي إن تسألوني عن النساء ، وقال الجوهري عن الأخفش : يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان . وجعل في الكشاف تعدية فعل ( سأل ) بالباء لتضمينه معنى عني واهتم . وقد علمت احتمال أن يكون ( سال ) بمعنى استعجل ، فتكون تعديته بالباء كما في قوله تعالى { ويستعجلونك بالعذاب } وقوله { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } .

وقوله ( للكافرين ) يجوز أن يكون ظرفا لغوا متعلقا ب ( واقع ) ، ويجوز أن يكون ظرفا مستقرا خبرا لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هو للكافرين .

واللام لشبه الملك ، أي عذاب من خصائصهم كما قال تعالى { فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } .

ووصف العذاب بأنه واقع ، وما بعده من أوصافه إلى قوله ( { إنهم يرونه بعيدا } ) إدماج معترض ليفيد تعجيل الإجابة عما سأل عنه سائل بكلا معنيي السؤال ؛ لأن السؤال لم يحك فيه عذاب معين وإنما كان مجملا ؛ لأن السائل سأل عن عذاب غير موصوف ، أو الداعي دعا بعذاب غير موصوف ، فحكي السؤال مجملا ليرتب عليه وصفه بهذه الأوصاف والتعلقات ، فينتقل إلى ذكر أحوال هذا العذاب وما يحف به من الأهوال .

وقد طويت في مطاوي هذه التعلقات جمل كثيرة كان الكلام بذلك إيجازا ؛ إذ حصل خلالها ما يفهم منه جواب السائل ، واستجابة الداعي ، والإنباء بأنه عذاب واقع عليهم من الله لا يدفعه عنهم دافع ، ولا يغرهم تأخره .

وهذه الأوصاف من قبيل الأسلوب الحكيم ؛ لأن ما عدد فيه من أوصاف العذاب وهوله ووقته هو الأولى لهم أن يعلموه ليحذروه ، دون أن يخوضوا في تعيين وقته ، فحصل من هذا كله معنى : أنهم سألوا عن العذاب الذي هددوا به عن وقته ووصفه سؤال استهزاء ، ودعوا الله أن يرسل عليهم عذابا إن كان القرآن حقا ؛ إظهارا لقلة اكتراثهم بالإنذار بالعذاب . فأعلمهم أن العذاب الذي استهزءوا به واقع لا يدفعه عنهم تأخر وقته ، فإن أرادوا النجاة فليحذروه .

وقوله ( من الله ) يتنازع تعلقه وصفا ( واقع ) و ( دافع ) . و ( من ) للابتداء المجازي على كلا التعلقين مع اختلاف العلاقة بحسب ما يقتضيه الوصف المتعلق به .

فابتداء الواقع استعارة لإذن الله بتسليط العذاب على الكافرين وهي استعارة شائعة تساوي الحقيقة . وأما ابتداء الدافع فاستعارة لتجاوزه مع المدفوع عنه من مكان مجازي تتناوله قدرة القادر مثل ( من ) في قوله تعالى { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } وقوله { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله } .

وبهذا يكون حرف ( من ) مستعملا في معنيين مجازيين متقاربين .

وإجراء وصف ( ذي المعارج ) على اسم الجلالة لاستحضار عظمة جلاله ولإدماج الإشعار بكثرة مراتب القرب من رضاه وثوابه ، فإن المعارج من خصائص منازل العظماء قال تعالى { لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون } . ولكل درجة المعارج قوم عملوا لنوالها قال تعالى { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } ، وليكون من هذا الوصف تخلص إلى ذكر يوم الجزاء الذي يكون فيه العذاب الحق للكافرين . والمعارج : جمع معرج بكسر الميم وفتح الراء وهو ما يعرج به ، أي يصعد من سلم ومدرج .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 30-30 , الصفحة 154 - 157
counter free hit invisible