<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ( 1 ) { قال يا قوم إني لكم نذير مبين } ( 2 ) { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } ( 3 ) { يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } ( 4 ) )

يقول تعالى ذكره : ( { إنا أرسلنا نوحا } ) وهو نوح بن لمك ( { إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ) يقول : أرسلناه إليهم بأن أنذر قومك; ف "أن" في موضع نصب في قول بعض أهل العربية ، وفي موضع خفض في قول بعضهم .

وقد بينت العلل لكل فريق منهم ، والصواب عندنا من القول في ذلك فيما مضى من كتابنا هذا ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، وهي في قراءة عبد الله فيما ذكر ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أنذر قومك ) بغير "أن" وجاز ذلك لأن الإرسال بمعنى القول ، فكأنه قيل : قلنا لنوح : أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم; وذلك العذاب الأليم هو الطوفان الذي غرقهم الله به .

وقوله : ( { قال يا قوم إني لكم نذير مبين } ) يقول تعالى ذكره : قال نوح لقومه : يا قوم إني لكم نذير مبين ، أنذركم عذاب الله فاحذروه أن ينزل بكم على كفركم به ( مبين ) يقول : قد أبنت لكم إنذاري إياكم .

وقوله : ( { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نوح لقومه : ( { إني لكم نذير مبين } ) بأن اعبدوا الله ، يقول : إني لكم نذير أنذركم ، وآمركم بعبادة الله ( واتقوه ) يقول : واتقوا عقابه بالإيمان به ، والعمل بطاعته ( وأطيعون ) يقول : وانتهوا إلى ما آمركم به ، واقبلوا نصيحتي لكم .

وقد حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } ) قال : أرسل الله المرسلين بأن يعبد الله وحده ، وأن تتقى محارمه ، وأن يطاع أمره .

وقوله : ( { يغفر لكم من ذنوبكم } ) يقول : يغفر لكم ذنوبكم .

فإن قال قائل : أوليست "من" دالة على البعض ؟ قيل : إن لها معنيين وموضعين ، فأما أحد الموضعين فهو الموضع الذي لا يصح فيه غيرها . وإذا كان ذلك كذلك لم تدل إلا على البعض ، وذلك كقولك : اشتريت من مماليكك ، فلا يصح في هذا الموضع غيرها ، ومعناها : البعض ، اشتريت بعض مماليكك ، ومن مماليكك مملوكا . والموضع الآخر : هو الذي يصلح فيه مكانها "عن" فإذا صلحت مكانها "عن" دلت على الجميع ، وذلك كقولك : وجع بطني من طعام طعمته ، فإن معنى ذلك : أوجع بطني طعام طعمته ، وتصلح مكان "من" "عن" وذلك أنك تضع موضعها "عن" فيصلح الكلام فتقول : وجع بطني عن طعام طعمته ، ومن طعام طعمته ، فكذلك قوله : ( { يغفر لكم ذنوبكم } ) إنما هو : ويصفح لكم ، ويعفو لكم عنها; وقد يحتمل أن يكون معناها : يغفر لكم من ذنوبكم ما قد وعدكم العقوبة عليه . فأما ما لم يعدكم العقوبة عليه فقد تقدم عفوه لكم عنها .

وقوله : ( { ويؤخركم إلى أجل مسمى } ) يقول : ويؤخر في آجالكم فلا يهلككم بالعذاب ، لا بغرق ولا غيره ( { إلى أجل مسمى } ) يقول : إلى حين كتب أنه يبقيكم إليه ، إن أنتم أطعتموه وعبدتموه ، في أم الكتاب .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( { إلى أجل مسمى } ) قال : ما قد خط من الأجل ، فإذا جاء أجل الله لا يؤخر .

وقوله : ( { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } ) يقول تعالى ذكره : إن أجل الله الذي قد كتبه على خلقه في أم الكتاب إذا جاء عنده لا يؤخر عن ميقاته ، فينظر بعده ( { لو كنتم تعلمون } ) يقول : لو علمتم أن ذلك كذلك ، لأنبتم إلى طاعة ربكم .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 23-23 , الصفحة 627 - 631
counter free hit invisible