<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( { يا أيها المزمل } ( 1 ) { قم الليل إلا قليلا } ( 2 ) { نصفه أو انقص منه قليلا } ( 3 ) { أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا } ( 4 ) )

يعني بقوله : ( { يا أيها المزمل } ) هو الملتف بثيابه . وإنما عني بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم .

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي وصف الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية من التزمل ، فقال بعضهم : وصفه بأنه متزمل في ثيابه ، متأهب للصلاة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ( { يا أيها المزمل } ) أي المتزمل في ثيابه .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( { يا أيها المزمل } ) هو الذي تزمل بثيابه .

وقال آخرون : وصفه بأنه متزمل النبوة والرسالة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثني عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، في قوله : ( { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا } ) قال : زملت هذا الأمر فقم به .

قال أبو جعفر : والذي هو أولى القولين بتأويل ذلك ، ما قاله قتادة; لأنه قد عقبه بقوله : ( { قم الليل } ) فكان ذلك بيانا عن أن وصفه بالتزمل بالثياب للصلاة ، وأن ذلك هو أظهر معنييه .

وقوله : ( { قم الليل إلا قليلا } ) يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( { قم الليل } ) يا محمد كله ( { إلا قليلا } ) منه ( { نصفه } ) يقول : قم نصف الليل ( { أو انقص منه قليلا أو زد عليه } ) يقول : أو زد عليه; خيره الله تعالى ذكره حين فرض عليه قيام الليل بين هذه المنازل أي ذلك شاء فعل ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما ذكر يقومون الليل ، نحو قيامهم في شهر رمضان فيما ذكر حتى خفف ذلك عنهم .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن مسعر ، قال : ثنا سماك الحنفي ، قال : سمعت ابن عباس يقول : لما نزل أول المزمل ، كانوا يقومون نحوا من قيامهم في رمضان ، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا محمد بن بشر ، عن مسعر ، قال : ثنا سماك ، أنه سمع ابن عباس يقول ، فذكر نحوه . إلا أنه قال : نحوا من قيامهم في شهر رمضان .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن حيان ، عن موسى بن عبيدة ، قال : ثني محمد بن طحلاء مولى أم سلمة ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : ( كنت أجعل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرا يصلي عليه من الليل ، فتسامع به الناس ، فاجتمعوا ، فخرج كالمغضب ، وكان بهم رحيما ، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل ، فقال : "يا أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل ، وخير الأعمال ما دمتم عليه" ونزل القرآن : ( { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه } ) حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق ، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر ، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم فردهم إلى الفريضة وترك قيام الليل ) .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن موسى بن عبيدة الحميري ، عن محمد بن طحلاء ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : ( كنت أشتري لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرا ، فكان يقوم عليه من أول الليل ، فتسمع الناس بصلاته ، فاجتمعت جماعة من الناس; فلما رأى اجتماعهم كره ذلك ، فخشي أن يكتب عليهم ، فدخل البيت كالمغضب ، فجعلوا يتنحنحون ويتسعلون حتى خرج إليهم ، فقال : "يا أيها الناس إن الله لا يمل حتى تملوا - يعنى من الثواب - فاكلفوا من العمل ما تطيقون ، فإن خير العمل أدومه وإن قل" ونزلت عليه : ( { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا } ) السورة . قال : فكتبت عليهم ، وأنزلت بمنزلة الفريضة ، حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل فيتعلق به; فلما رأى الله ما يكلفون مما يبتغون به وجه الله ورضاه ، وضع ذلك عنهم ، فقال : ( { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه } ) . . . إلى ( { علم أن لن تحصوه فتاب عليكم } ) فردهم إلى الفريضة ، ووضع عنهم النافلة ، إلا ما تطوعوا به ) .

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( { قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا } ) فأمر الله نبيه والمؤمنين بقيام الليل إلا قليلا ، فشق ذلك على المؤمنين ، ثم خفف عنهم فرحمهم ، وأنزل الله بعد هذا : ( { علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض } ) . . . إلى قوله : ( { فاقرءوا ما تيسر منه } ) فوسع الله وله الحمد ، ولم يضيق .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، قال : لما أنزل الله على نبيه : ( { يا أيها المزمل } ) قال : مكث النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله ، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه ، فأنزل الله عليه بعد عشر سنين : ( { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وطائفة من الذين معك } ) . . . إلى قوله : ( { وأقيموا الصلاة } ) فخفف الله عنهم بعد عشر سنين .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح عن الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن ، قالا : قال في سورة المزمل ( { قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا } ) نسختها الآية التي فيها : ( { علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن } ) .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( { قم الليل إلا قليلا } ) قاموا حولا أو حولين حتى انتفخت سوقهم وأقدامهم ، فأنزل الله تخفيفا بعد في آخر السورة .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن قيس بن وهب ، عن أبي عبد الرحمن ، قال : لما نزلت : ( { يا أيها المزمل } ) قاموا بها حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت : ( { فاقرءوا ما تيسر منه } ) فاستراح الناس .

قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جرير بياع الملاء عن الحسن ، قال : الحمد لله ، تطوع بعد فريضة .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن مبارك ، عن الحسن ، قال : لما نزلت ( { يا أيها المزمل } ) . . . الآية ، قام المسلمون حولا فمنهم من أطاقه ، ومنهم من لم يطقه ، حتى نزلت الرخصة .

قال : ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان ، وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة .

وقوله : ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) يقول جل وعز : وبين القرآن إذا قرأته تبيينا ، وترسل فيه ترسلا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال . ثنا ابن علية ، قال : ثنا أبو رجاء ، عن الحسن ، في قوله : ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) قال : اقرأه قراءة بينة .

حدثنا ابن بشار ، قال . ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) فقال : بعضه على أثر بعض .

حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي ، قال . ثنا جعفر بن عون ، قال : أخبرنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) فقال : بعضه على أثر بعض ، على تؤدة .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) قال : ترسل فيه ترسلا .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) فقال : بعضه على أثر بعض .

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، قال : قال ابن جريج ، عن عطاء ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) قال : الترتيل : النبذ : الطرح .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) قال بينه بيانا .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) قال : بينه بيانا .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( { ورتل القرآن ترتيلا } ) قال : بعضه على أثر بعض .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 23-23 , الصفحة 675 - 681
counter free hit invisible