<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية .

قال الماوردي : كلها في قول الحسن ، وعكرمة ، وجابر ، قال : وقال ابن عباس ، وقتادة : إلا آيتين منها { واصبر على ما يقولون } والتي تليها .

وقال الثعلبي : إلا قوله : { إن ربك يعلم أنك تقوم } إلى آخر السورة ، فإنه نزل بالمدينة .

وأخرج ابن الضريس ، وابن مردويه ، ، والبيهقي ، عن ابن عباس قال : نزلت { ياأيها المزمل } بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

وأخرج النحاس عن ابن عباس قال : نزلت سورة المزمل بمكة إلا آيتين { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى } .

وأخرج البزار ، والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال : ( اجتمعت قريش في دار الندوة ، فقالوا سموا هذا الرجل اسما تصدون الناس عنه ، فقالوا كاهن ، قالوا ليس بكاهن ، قالوا مجنون ، قالوا ليس بمجنون ، قالوا ساحر ، قالوا ليس بساحر ، فتفرق المشركون على ذلك .

فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فتزمل في ثيابه وتدثر فيها ، فأتاه جبريل ، فقال : { ياأيها المزمل } { ياأيها المدثر } [ أي سورة المدثر ] ) .

قال البزار : بعد إخراجه من طريق معلى بن عبد الرحمن : إن معلى قد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه ، لكنه إذا تفرد بالأحاديث لا يتابع عليها .

وأخرج أبو داود ، والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال : ( بت عند خالتي ميمونة ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ، فصلى ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر ، فحزرت قيامه في كل ركعة بقدر ( يا أيها المزمل ) ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { ياأيها المزمل } { قم الليل إلا قليلا } { نصفه أو انقص منه قليلا } { أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا } { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } { إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا } { إن لك في النهار سبحا طويلا } { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } { رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا } { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا } { وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } { إن لدينا أنكالا وجحيما } { وطعاما ذا غصة وعذابا أليما } { يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا } { إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } { فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا } { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا } { السماء منفطر به كان وعده مفعولا } قوله : { ياأيها المزمل } أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي ، والتزمل التلفف في الثوب .

قرأ الجمهور ( المزمل ) بالإدغام .

وقرأ أبي " المتزمل " على الأصل .

وقرأ عكرمة بتخفيف الزاي ، ومثل هذه القراءة قول امرئ القيس : كأن ثبيرا في أفانين وبله كبير أناس في لحاد مزمل وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد اختلف في معناه .

فقال جماعة : إنه كان يتزمل صلى الله عليه وسلم بثيابه في أول ما جاءه جبريل بالوحي فرقا منه حتى أنس به ، وقيل المعنى : يا أيها المزمل بالنبوة والملتزم للرسالة .

وبهذا قال عكرمة وكان يقرأ " يا أيها المزمل " بتخفيف الزاي وفتح الميم مشددة اسم مفعول وقيل المعنى : يا أيها المزمل بالقرآن .

وقال الضحاك : تزمل بثيابه لمنامه ، وقيل : بلغه من المشركين سوء قول ، فتزمل في ثيابه وتدثر ، فنزلت { ياأيها المزمل } و { ياأيها المدثر } .

وقد ثبت ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الملك ونظر إليه أخذته الرعدة ، فأتى أهله وقال : زملوني دثروني ) ، وكان خطابه صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب في أول نزول الوحي .

ثم بعد ذلك خوطب بالنبوة والرسالة .

{ قم الليل إلا قليلا } أي قم للصلاة في الليل .

قرأ الجمهور قم بكسر الميم لالتقاء الساكنين .

وقرأ أبو السماك بضمها اتباعا لضمة القاف .

قال عثمان بن جني : الغرض بهذه الحركة الهرب من التقاء الساكنين فبأي حركة تحرك فقد وقع الغرض .

وانتصاب الليل على الظرفية .

وقيل إن معنى قم صل ، عبر به عنه واستعير له .

واختلف هل كان هذا القيام الذي أمر به فرضا عليه أو نفلا ؟ وسيأتي إن شاء الله ما روي في ذلك .

وقوله : إلا قليلا استثناء من الليل : أي صل الليل كله إلا يسيرا منه ، والقليل من الشيء هو ما دون النصف ، وقيل ما دون السدس ، وقيل ما دون العشر .

وقال مقاتل ، والكلبي : المراد بالقليل هنا الثلث .

وقد أغنانا عن هذا الاختلاف قوله : ( نصفه ) إلخ . وانتصاب ( نصفه ) على أنه بدل من الليل .

قال الزجاج : نصفه بدل من الليل ، و ( إلا قليلا ) استثناء من النصف ، والضمير في منه وعليه عائد إلى النصف .

والمعنى : قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث ، أو زد عليه قليلا إلى الثلثين ، فكأنه قال : قم ثلثي الليل ، أو نصفه أو ثلثه .

وقيل إن نصفه بدل من قوله قليلا .

فيكون المعنى : قم الليل إلا نصفه أو أقل من نصفه أو أكثر من نصفه ، قال الأخفش : نصفه أي أو نصفه كما يقال : أعطه درهما درهمين ثلاثة ، يريد أو درهمين أو ثلاثة .

قال الواحدي : قال المفسرون : أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث ، أو زد على النصف إلى الثلثين ، جعل له سعة في مدة قيامه في الليل وخيره في هذه الساعات للقيام ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة معه يقومون على هذه المقادير ، وشق ذلك عليهم ، فكان الرجل لا يدري كم صلى أو كم بقي من الليل ، فكان يقوم الليل كله حتى خفف الله عنهم ، وقيل الضميران في منه وعليه راجعان للأقل من النصف ، كأنه قال : قم أقل من نصفه أو قم أنقص من ذلك الأقل ، أو أزيد منه قليلا ، وهو بعيد جدا ، والظاهر أن نصفه بدل من قليلا والضميران راجعان إلى النصف المبدل من قليلا .

واختلف في الناسخ لهذا الأمر ، فقيل هو قوله : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه } إلى آخر السورة ، وقيل هو قوله : { علم أن لن تحصوه } وقيل هو قوله : { علم أن سيكون منكم مرضى } وقيل هو منسوخ بالصلوات الخمس ، وبهذا قال مقاتل ، والشافعي ، وابن كيسان ، وقيل هو قوله : { فاقرءوا ما تيسر منه } وذهب الحسن ، وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر حلب شاة .

{ ورتل القرآن ترتيلا } أي اقرأه على مهل مع تدبر .

قال الضحاك : اقرأه حرفا حرفا .

قال الزجاج : هو أن يبين جميع الحروف ، ويوفي حقها من الإشباع . وأصل الترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام ، وتأكيد الفعل بالمصدر يدل على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض ، ولا ينقص من النطق بالحرف من مخرجه المعلوم مع استيفاء حركته المعتبرة .

{ إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } أي سنوحي إليك القرآن وهو قول ثقيل .

قال قتادة : ثقيل والله فرائضه وحدوده .

قال ، مجاهد ، : حلاله وحرامه .

قال الحسن : العمل به .

قال أبو العالية : ثقيلا بالوعد والوعيد والحلال والحرام .

وقال محمد بن كعب : ثقيل بمعنى كريم من قولهم فلان ثقيل علي : أي يكرم علي .

قال الفراء : ثقيلا رزينا ليس بالخفيف السفساف ؛ لأنه كلام ربنا .

وقال الحسين بن الفضل : ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد ، وقيل وصفه بكونه ثقيلا حقيقة لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه ) .

{ إن ناشئة الليل } أي ساعاته وأوقاته ، لأنها تنشأ أولا فأولا . يقال نشأ الشيء ينشأ : إذا ابتدأ وأقبل شيئا بعد شيء فهو ناشئ ، وأنشأه الله فنشأ ، ومنه نشأت السحاب : إذا بدأت ، فناشئة فاعلة من نشأ ينشأ فهي ناشئة .

قال الزجاج : نائشة الليل كل ما نشأ منه : أي حدث ، فهو ناشئة ، قال الواحدي : قال المفسرون : الليل كله ناشئة ، والمراد أن ساعات الليل الناشئة ، فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف .

وقيل إن ناشئة الليل هي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة : أي تنهض ، من نشأ من مكانه : إذا نهض .

وقيل : الناشئة بالحبشية قيام الليل ، وقيل : إنما يقال لقيام الليل نائشة : إذا كان بعد نوم .

قال ابن الأعرابي : إذا نمت من أول الليل ثم قمت فتلك المنشأة والنشأة ، ومنه ناشئة الليل .

وقيل : وناشئة الليل هي ما بين المغرب والعشاء ؛ لأن معنى نشأ ابتدأ ، ومنه قول نصيب :

ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشء الصغارا

قال عكرمة ، وعطاء : إن ناشئة الليل بدو الليل .

وقال ، مجاهد ، وغيره : هي في الليل كله ؛ لأنه ينشأ بعد النهار ، واختار هذا مالك .

وقال ابن كيسان : هي القيام من آخر الليل .

قال في الصحاح : نائشة الليل أول ساعاته .

وقال الحسن : هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح { هي أشد وطئا } قرأ الجمهور وطئا بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة ، واختار هذه القراءة أبو حاتم ، وقرأ أبو العالية ، وابن أبي إسحاق ، ، ومجاهد ، ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحميد ، وابن محيصن ، والمغيرة ، وأبو حيوة بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة ، واختار هذه القراءة أبو عبيد فالمعنى على القراءة الأولى أن الصلاة في ناشئة الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار ؛ لأن الليل للنوم .

قال ابن قتيبة : المعنى أنها أثقل على المصلي من ساعات النهار ، من قول العرب : اشتدت على القوم وطأ السلطان : إذا ثقل عليهم ما يلزمهم منه ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اشدد وطأتك على مضر ) والمعنى على القراءة الثانية أنها أشد مواطأة : أي موافقة ، من قولهم : واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطاء : إذا وافقته عليه .

قال ، مجاهد ، ، وابن أبي مليكة : أي أشد موافقة بين السمع والبصر والقلب واللسان لانقطاع الأصوات والحركات فيها ، ومنه : { ليواطئوا عدة ما حرم الله } [ التوبة : 37 ] أي ليوافقوا .

وقال الأخفش : أشد قياما .

وقال الفراء : أي أثبت للعمل ، وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة ، والليل وقت الفراغ عن الاشتغال بالمعاش ، فعبادته تدوم ولا تنقطع : وقال الكلبي : أشد نشاطا { وأقوم قيلا } أي وأشد مقالا وأثبت قراءة لحضور القلب فيها وهدوء الأصوات ، وأشد استقامة واستمرارا على الصواب ؛ لأن الأصوات فيها هادئة والدنيا ساكنة فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه .

قال قتادة ، ومجاهد : أي أصوب للقراءة وأثبت للقول ؛ لأنه زمان التفهم .

قال أبو علي الفارسي : أقوم قيلا : أي أشد استقامة لفراغ البال بالليل .

قال الكلبي : أي أبين قولا بالقرآن .

وقال عكرمة : أي أتم نشاطا وإخلاصا وأكثر بركة .

وقال ابن زيد : أجدر أن يتفقه في القرآن ، وقيل أعجل إجابة للدعاء .

{ إن لك في النهار سبحا طويلا } قرأ الجمهور سبحا بالحاء المهملة : أي تصرفا في حوائجك وإقبالا وإدبارا وذهابا ومجيئا ، والسبح : الجري والدوران ، ومنه السباحة في الماء لتقلبه ببدنه ورجليه ، وفرس سابح : أي شديد الجري .

وقيل السبح الفراغ : أي إن لك فراغا بالنهار للحاجات ، فصل بالليل .

قال ابن قتيبة : أي تصرفا وإقبالا وإدبارا في حوائجك وأشغالك .

وقال الخليل : إن لك في النهار سبحا : أي نوما ، والتسبح التمدد .

قال الزجاج : المعنى إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ للاستدراك .

وقرأ يحيى بن يعمر ، وأبو وائل ، وابن أبي عبلة " سبخا " بالخاء المعجمة ، قيل ومعنى هذه القراءة : الخفة والسعة والاستراحة .

قال الأصمعي : يقال سبخ الله عنك الحمى : أي خففها ، وسبخ الحر فتر وخف ، ومنه قول الشاعر : فسبخ عليك الهم واعلم بأنه إذا قدر الرحمن شيئا فكائن أي خفف عنك الهم .

والتسبيخ من القطن ما ينسج بعد الندف ، ومنه قول الأخطل : فأرسلوهن يذرين التراب كما تذري سبائخ قطن ندف أوتار قال ثعلب : السبخ بالخاء المعجمة : التردد والاضطراب ، والسبخ : السكون .

وقال أبو عمرو : السبخ النوم والفراغ .

{ واذكر اسم ربك } أي ادعه بأسمائه الحسنى ، وقيل اقرأ باسم ربك في ابتداء صلاتك ، وقيل اذكر اسم ربك في وعده ووعيده لتوفر على طاعته وتبعد عن معصيته ، وقيل المعنى : دم على ذكر ربك ليلا ونهارا واستكثر من ذلك .

وقال الكلبي : المعنى صل لربك { وتبتل إليه تبتيلا } أي انقطع إليه انقطاعا بالاشتغال بعبادته ، والتبتل الانقطاع ، يقال بتلت الشيء : أي قطعته وميزته من غيره ، وصدقة بتلة : أي منقطعة من مال صاحبها ، ويقال للراهب : متبتل لانقطاعه عن الناس ، ومنه قول الشاعر : تضيء الظلام بالعشاء كأنها منارة ممسى راهب متبتل ووضع تبتيلا مكان تبتلا لرعاية الفواصل .

قال الواحدي : والتبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله .

{ رب المشرق والمغرب } قرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر ، وابن عامر بجر رب على النعت لربك أو البدل منه أو البيان له .

وقرأ الباقون برفعه على أنه مبتدأ وخبره لا إله إلا هو أو على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هو رب المشرق .

وقرأ زيد بن علي بنصبه على المدح .

وقرأ الجمهور { المشرق والمغرب } مفردين ، وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس " المشارق والمغارب " على الجمع ، وقد قدمنا تفسير المشرق والمغرب ، والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب { فاتخذه وكيلا } أي إذا عرفت أنه المختص بالربوية فاتخذه وكيلا : أي قائما بأمورك ، وعول عليه في جميعها ، وقيل كفيلا بما وعدك من الجزاء والنصر .

{ واصبر على ما يقولون } من الأذى والسب والاستهزاء ولا تجزع من ذلك { واهجرهم هجرا جميلا } أي لا تتعرض لهم ولا تشتغل بمكافأتهم ، وقيل الهجر الجميل الذي لا جزع فيه ، وهذا كان قبل الأمر بالقتال .

{ وذرني والمكذبين } أي دعني وإياهم ولا تهتم بهم فإني أكفيك أمرهم وأنتقم لك منهم .

قيل نزلت في المطعمين يوم بدر ، وهم عشرة وقد تقدم ذكرهم .

وقال يحيى بن سلام : هم بنو المغيرة .

وقال سعيد بن جبير : أخبرت أنهم اثنا عشر { أولي النعمة } أي أرباب الغنى والسعة والترفه واللذة في الدنيا { ومهلهم قليلا } أي تمهيلا قليلا على أنه نعت لمصدر محذوف ، أو زمانا قليلا على أنه صفة لزمان محذوف ، والمعنى أمهلهم إلى انقضاء آجالهم ، وقيل إلى نزول عقوبة الدنيا بهم كيوم بدر .

والأول أولى لقوله : { إن لدينا أنكالا } وما بعده فإنه وعيد لهم بعذاب الآخرة ، والأنكال جمع نكل وهو القيد ، كذا قال الحسن ، ومجاهد وغيرهما وقال الكلبي : الأنكال : الأغلال ، والأول أعرف في اللغة ، ومنه قول الخنساء : أتوك فقطعت أنكالهم وقد كن قبلك لا تقطع وقال مقاتل : هي أنواع العذاب الشديد .

وقال أبو عمران الجوني : هي قيود لا تحل وجحيما أي نار مؤججة .

{ وطعاما ذا غصة } أي لا يسوغ في الحلق بل ينشب فيه ، فلا ينزل ولا يخرج .

قال ، مجاهد ، : هو الزقوم .

وقال ، الزجاج ، : هو الضريع كما قال : { ليس لهم طعام إلا من ضريع } [ الغاشية : 6 ] قال : وهو شوك العوسج .

قال عكرمة هو شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج ، والغصة : الشجا في الحلق ، وهو ما ينشب فيه من عظم أو غيره وجمعها غصص { وعذابا أليما } أي ونوعا آخر من العذاب غير ما ذكر .

{ يوم ترجف الأرض والجبال } انتصاب الظرف إما بـ ( ذرني ) أو بالاستقرار المتعلق به لدينا أو هو صفة ل ( عذابا ) فيتعلق بمحذوف : أي عذابا واقعا يوم ترجف ، أو متعلق بـ ( أليما ) .

قرأ الجمهور ترجف بفتح التاء وضم الجيم مبنيا للفاعل ، وقرأ زيد بن علي على البناء للمفعول ، مأخوذ من أرجفها ، والمعنى : تتحرك وتضطرب بمن عليها ، والرجفة : الزلزلة والرعدة الشديدة { وكانت الجبال كثيبا مهيلا } أي وتكون الجبال ، وإنما عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ، والكثيب : الرمل المجتمع ، والمهيل : الذي يمر تحت الأرجل .

قال الواحدي : أي رملا سائلا : يقال لكل شيء أرسلته إرسالا من تراب أو طعام : أهلته هيلا .

قال الضحاك ، والكلبي : المهيل : الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها ، وإذا أخذت أسفله انهال ، ومنه قول حسان : عرفت ديار زينب بالكثيب كخط الوحي في الورق القشيب { إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم } الخطاب لأهل مكة أو لكفار العرب أو لجميع الكفار ، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم { كما أرسلنا إلى فرعون رسولا } يعني موسى .

{ فعصى فرعون الرسول } الذي أرسلناه إليه وكذبه ولم يؤمن بما جاء به ، ومحل الكاف النصب على أنها نعت لمصدر محذوف ، والمعنى : إنا أرسلنا إليكم رسولا فعصيتموه كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصاه { فأخذناه أخذا وبيلا } أي شديدا ثقيلا غليظا ، والمعنى : عاقبنا فرعون عقوبة شديدة غليظة بالغرق ، وفيه تخويف لأهل مكة أنه سينزل بهم من العقوبة مثل ما نزل به وإن اختلف نوع العقوبة .

قال الزجاج : أي ثقيلا غليظا ، ومنه قيل للمطر وابل .

وقال الأخفش : شديدا ، والمعنى متقارب ، ومنه طعام وبيل : إذا كان لا يستمرأ ، ومنه قول الخنساء : لقد أكلت بجيلة يوم لاقت فوارس مالك أكلا وبيلا { فكيف تتقون } أي كيف تقون أنفسكم إن كفرتم أي إن بقيتم على كفركم يوما أي عذاب يوم { يجعل الولدان شيبا } لشدة هوله : أي يصير الولدان شيوخا ، والشيب جمع أشيب ، وهذا يجوز أن يكون حقيقة ، وأنهم يصيرون كذلك ، أو تمثيلا ؛ لأن من شاهد الهول العظيم تقاصرت قواه وضعفت أعضاؤه وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوة ، وفي هذا تقريع لهم شديد وتوبيخ عظيم .

قال الحسن : أي كيف تتقون يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم ، وكذا قرأ ابن مسعود ، وعطية ، ويوما مفعول به لتتقون .

قال ابن الأنباري : ومنهم من نصب اليوم بكفرتم ، وهذا قبيح ، والولدان الصبيان .

ثم زاد في وصف ذلك اليوم بالشدة فقال : { السماء منفطر به } أي متشققة به لشدته وعظيم هوله ، والجملة صفة أخرى ليوم ، والباء سببية ، وقيل هي بمعنى " في " : أي منفطر فيه ، وقيل بمعنى اللام : أي منفطر له ، وإنما قال منفطر ولم يقل منفطرة لتنزيل السماء منزلة شيء لكونها قد تغيرت ، ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء .

وقال أبو عمرو بن العلاء : لم يقل منفطرة ؛ لأن مجازها السقف ، كما قال الشاعر : فلو رفع السماء إليه قوما لحقنا بالسماء وبالسحاب فيكون هذا كما في قوله : { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } وقال الفراء : السماء تذكر وتؤنث .

وقال أبو علي الفارسي : هو من باب الجراد المنتشر والشجر الأخضر ، و { أعجاز نخل منقعر } [ القمر : 20 ] قال أيضا : أي السماء ذات انفطار كقولهم : امرأة مرضع : أي ذات إرضاع على طريق النسب ، وانفطارها لنزول الملائكة كما قال : { إذا السماء انفطرت } [ الانفطار : 1 ] وقوله : { تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } وقيل منفطر به : أي بالله والمراد بأمره ، والأول أولى { كان وعده مفعولا } أي وكان وعد الله بما وعد به من البعث والحساب وغير ذلك كائنا لا محالة ، والمصدر مضاف إلى فاعله ، أو وكان وعد اليوم مفعولا ، فالمصدر مضاف إلى مفعوله .

وقال مقاتل : كان وعده أن يظهر دينه على الدين كله .

وقد أخرج أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة ، والبيهقي في سننه عن سعد بن هشام قال : ( قلت لعائشة : أنبئيني عن قيام رسول الله ، قالت : ألست تقرأ هذه السورة { ياأيها المزمل } ؟ قلت : بلى ، قالت : فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم ، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا ، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فرضه ) .

وقد روي هذا الحديث عنها من طرق .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، ومحمد بن نصر ، والطبراني ، والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها ، وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : لما نزلت يا أيها المزمل قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت { فاقرءوا ما تيسر منه } فاستراح الناس .

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن نصر ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : في المزمل { قم الليل إلا قليلا نصفه } نسختها الآية التي فيها { علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن } وناشئة الليل أوله كان صلاتهم أول الليل ، يقول هذا أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل ، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ ، وقوله : أقوم قيلا هو أجدر أن يفقه قراءة القرآن ، وقوله : { إن لك في النهار سبحا طويلا } يقول فراغا طويلا .

وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله : { ياأيها المزمل } قال : زملت هذا الأمر فقم به .

وأخرج ابن المنذر عنه في الآية أيضا قال : يتزمل بالثياب .

وأخرج الفريابي عن أبي صالح عنه أيضا { ورتل القرآن ترتيلا } قال : تقرأ آيتين ثلاثا ثم تقطع لا تهدر .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن منيع في مسنده وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، ومحمد بن نصر عنه أيضا { ورتل القرآن ترتيلا } قال : بينه تبيينا .

وأخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب مرفوعا نحوه .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن نصر ، والحاكم وصححه عن عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها ، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه ، وتلت { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } ) .

وأخرج سعيد بن منصور ، ، وعبد بن حميد ، ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن نصر ، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله : { إن ناشئة الليل } قال : قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا : نشأ .

وأخرج البيهقي عنه قال : { ناشئة الليل } أوله .

وأخرج ابن المنذر ، وابن نصر عنه أيضا قال : الليل كله ناشئة .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : { ناشئة الليل } بالحبشة قيام الليل .

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن نصر ، والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال { ناشئة الليل } ما بين المغرب والعشاء .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن نصر ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم في الكنى عن ابن عباس في قوله : { إن لك في النهار سبحا طويلا } قال : السبح : الفراغ للحاجة والنوم .

وأخرج أبو يعلى ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : لما نزلت { وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا } لم يكن إلا يسيرا حتى كانت وقعة بدر .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود { إن لدينا أنكالا } قال : قيودا .

وأخرج عبد بن حميد ، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس { وطعاما ذا غصة } قال : شجرة الزقوم .

وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله : { كثيبا مهيلا } قال : المهيل الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك آخره .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا { كثيبا مهيلا } قال : الرمل السائل ، وفي قوله : { أخذا وبيلا } قال : شديدا .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه عنه أيضا ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { يجعل الولدان شيبا } قال : ذلك يوم القيامة ، وذلك يوم يقول الله لآدم : قم فابعث من ذريتك بعثا إلى النار ، قال : من كم يا رب ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وينجو واحد ، فاشتد ذلك على المسلمين ، فقال حين أبصر ذلك في وجوههم : إن بني آدم كثير ، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم ، إنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل ، ففيهم وفي أشباههم جنة لكم ) .

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود نحوه بأخصر منه .

وأخرج الفريابي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله : { السماء منفطر به } قال : ممتلئة بلسان الحبشة .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : مثقلة : موقرة .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا في الآية قال : يعني تشقق السماء .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1545 - 1548
counter free hit invisible