<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { كل نفس بما كسبت رهينة } ( 38 ) { إلا أصحاب اليمين } ( 39 ) { في جنات يتساءلون } ( 40 ) { عن المجرمين } ( 41 ) { ما سلككم في سقر } ( 42 ) { قالوا لم نك من المصلين } ( 43 ) { ولم نك نطعم المسكين } ( 44 ) { وكنا نخوض مع الخائضين } ( 45 ) { وكنا نكذب بيوم الدين } ( 46 ) { حتى أتانا اليقين } ( 47 ) { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( 48 ) { فما لهم عن التذكرة معرضين } ( 49 ) { كأنهم حمر مستنفرة } ( 50 ) { فرت من قسورة } ( 51 ) { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة } ( 52 ) { كلا بل لا يخافون الآخرة } ( 53 ) { كلا إنه تذكرة } ( 54 ) { فمن شاء ذكره } ( 55 ) { وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة } ( 56 ) )

يقول تعالى مخبرا أن : ( { كل نفس بما كسبت رهينة } ) أي : معتقلة بعملها يوم القيامة ، قاله ابن عباس وغيره : ( { إلا أصحاب اليمين } ) فإنهم ( { في جنات يتساءلون عن المجرمين } ) أي : يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم :

( { ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين } ) أي : ما عبدنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا ،

( { وكنا نخوض مع الخائضين } ) أي : نتكلم فيما لا نعلم . وقال قتادة : كلما غوي غاو غوينا معه ،

( { وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين } ) يعني : الموت . كقوله : ( { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ) [ الحجر : 99 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( " أما هو - يعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين من ربه " ) .

قال الله تعالى : ( { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ) أي : من كان متصفا بهذه الصفات فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه ; لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة ، خالدا فيها .

ثم قال تعالى : ( { فما لهم عن التذكرة معرضين } ) أي : فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك مما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين .

( { كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة } ) أي : كأنهم في نفارهم عن الحق ، وإعراضهم عنه حمر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد ، قاله أبو هريرة‌ وابن عباس - في رواية عنه - وزيد بن أسلم ، وابنه عبد الرحمن . أو : رام ، وهو رواية عن ابن عباس ، وهو قول الجمهور .

وقال حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس : الأسد ، بالعربية ، ويقال له بالحبشية : قسورة ، وبالفارسية : شير وبالنبطية : أويا .

( { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة } ) أي : بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابا كما أنزل على النبي . قاله مجاهد وغيره ، كقوله : ( { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته } ) [ الأنعام : 124 ] ، وفي رواية عن قتادة : يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل .

فقوله : ( { كلا بل لا يخافون الآخرة } ) أي : إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها ، وتكذيبهم بوقوعها .

ثم قال تعالى : ( { كلا إنه تذكرة } ) أي : حقا إن القرآن تذكرة .

( { فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله } ) كقوله ( { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } ) [ الإنسان : 30 ] .

وقوله : ( { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } ) أي : هو أهل أن يخاف منه ، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب . قاله قتادة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب ، أخبرني سهيل - أخو حزم - حدثنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } ) وقال : ( " قال ربكم : أنا أهل أن أتقى ، فلا يجعل معي إله ، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له " ) .

ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب ، والنسائي من حديث المعافى بن عمران ، كلاهما عن سهيل بن عبد الله القطعي ، به ، وقال الترمذي : حسن غريب وسهيل ليس بالقوي . ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه ، عن هدبة بن خالد ، عن سهيل ، به . وهكذا رواه أبو يعلى والبزار والبغوي ، وغيرهم ، من حديث سهيل القطعي ، به .

آخر تفسير سورة " المدثر " ولله الحمد والمنة

[ وحسبنا الله ونعم الوكيل ]
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 274
counter free hit invisible